حسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا جانباً من النقاش السياسي المتصاعد بشأن اسم مرشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028، بعدما أكد أن تمهيد الطريق أمام الرئيس رجب طيب أردوغان للترشح مجدداً بات مطروحاً على جدول أعمال الحزب، في خطوة من شأنها أن تفتح باباً واسعاً أمام جدل سياسي ودستوري خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا الموقف في وقت تعيش فيه الساحة السياسية التركية حالة مبكرة من الاستقطاب بشأن انتخابات 2028، وسط خلافات داخل صفوف المعارضة وتباينات في حساباتها الانتخابية، مقابل سعي واضح من تحالف" الجمهور" الحاكم إلى إبقاء أردوغان في صدارة المشهد السياسي، باعتباره الشخصية الأكثر تأثيراً داخل الحزب والدولة منذ وصوله إلى الحكم عام 2003.
حزب العدالة والتنمية يتمسك بأردوغانأوضح المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشليك، أن مسألة فتح الطريق أمام أردوغان للترشح لولاية رئاسية جديدة" مدرجة على جدول أعمالنا"، مشيراً إلى أن الرغبة الشعبية ستكون العامل الحاسم في هذا الملف.
وجاء تصريح تشليك خلال مؤتمر صحفي في أنقرة، رداً على أسئلة الصحفيين بشأن حديث دار أخيراً بين مغن تركي وأردوغان، سأل فيه المغني الرئيس التركي عن إمكانية الترشح مجدداً، ليرد أردوغان بعبارة لافتة: " أنا مستعد إذا كنتم تريدون ذلك".
هذا الرد أعاد النقاش بقوة إلى الواجهة، خصوصاً أن أردوغان لم يغلق الباب أمام خوض سباق رئاسي جديد، بل ربط الأمر برغبة الجمهور والقاعدة الشعبية الداعمة له، وهو ما تلقفه حزب العدالة والتنمية بوصفه مؤشراً سياسياً يستحق البناء عليه.
أكد تشليك أن الحزب" مسرور" بإدراج مسألة ترشح أردوغان لفترة رئاسية جديدة على الأجندة الرسمية، مشيراً إلى أن داعمي الرئيس التركي سيبحثون عن صيغة سياسية وقانونية تتيح ذلك.
وشدد المتحدث باسم الحزب الحاكم على أن الأولوية في هذا المسار تبقى مرتبطة بإرادة الناخبين، معتبراً أن التطورات الإقليمية والدولية المحيطة بتركيا تظهر، في كل مناسبة، أهمية خبرة أردوغان ومعرفته السياسية بالنسبة إلى البلاد.
وتعكس تصريحات تشليك انتقال الملف من دائرة التكهنات الإعلامية إلى مستوى النقاش السياسي العلني داخل الحزب الحاكم، بما يضع الانتخابات الرئاسية المقبلة مبكراً في صلب الحسابات التركية الداخلية.
جدل دستوري حول ولاية جديدةيفتح الحديث عن ترشح أردوغان في 2028 نقاشاً دستورياً معقداً، إذ ستكون هذه المرة الثالثة التي يخوض فيها سباق الرئاسة ضمن النظام الرئاسي المعمول به في تركيا، والرابعة في مسيرته بمنصب رئيس الجمهورية، بعد سنوات طويلة أمضاها سابقاً في منصب رئيس الوزراء.
ويعد أردوغان أطول زعيم حكماً في تاريخ تركيا الحديث، بعدما تولى رئاسة الوزراء عام 2003، قبل أن ينتقل إلى رئاسة الجمهورية، ثم يقود البلاد في ظل النظام الرئاسي الجديد عقب التعديلات الدستورية التي غيرت شكل الحكم في تركيا.
ودستورياً، تعد الفترة الرئاسية الحالية هي الأخيرة لأردوغان، ما لم يطرأ تعديل دستوري يسمح له بالترشح من جديد، أو يوجه البرلمان التركي الدعوة إلى انتخابات مبكرة، وهو الخيار الذي قد يفتح الباب أمام إعادة ترشحه وفق الحسابات القانونية والسياسية المطروحة.
الانتخابات المبكرة كطريق محتملورغم تأكيد الحكومة التركية في أكثر من مناسبة أن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستجرى في موعدها خلال أيار/مايو 2028، فإن طرح ملف ترشح أردوغان مجدداً أعاد الحديث عن احتمال الذهاب إلى انتخابات مبكرة قبل انتهاء الولاية الحالية.
وتشير التقديرات داخل الأوساط السياسية التركية إلى أن حزب العدالة والتنمية قد يفضل خيار الانتخابات المبكرة قبل نهاية المدة الدستورية، بما يتيح فتح المسار القانوني لترشح أردوغان، بدلاً من الاكتفاء بانتظار الموعد الرسمي في 2028.
ومن بين السيناريوهات المطروحة إجراء الانتخابات في أكتوبر/تشرين الأول 2027، أي قبل نحو ستة أشهر من موعدها الرسمي، أو تنظيمها قبل فترة قصيرة من نهايتها الدستورية في بداية نيسان/ أبريل من عام 2028، بما يمنح الحزب الحاكم هامشاً سياسياً وقانونياً أوسع في إدارة الملف.
وبرز موقف زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، حليف أردوغان الأبرز، بوصفه مؤشراً إضافياً على اتجاه التحالف الحاكم إلى التفكير في صيغ دستورية تضمن استمرار الرئيس التركي في السباق الرئاسي المقبل.
وكان بهتشلي قد ألمح في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى إمكانية إجراء تعديل دستوري يسمح لأردوغان بالترشح لولاية جديدة في الانتخابات المقررة عام 2028، وهو طرح ينسجم مع توجهات حزب العدالة والتنمية الساعية إلى تثبيت أردوغان كمرشح أول للتحالف الحاكم.
ويحظى دعم بهتشلي بأهمية كبيرة داخل معادلة الحكم في تركيا، نظراً إلى الدور الذي يلعبه حزب الحركة القومية في تأمين الغطاء السياسي والبرلماني لتحالف" الجمهور"، خاصة في الملفات المرتبطة بالدستور والانتخابات والنظام السياسي، وفي المقابل يحصل على حصة واسعة من الوظائف البيروقراطية المهمة في أروقة المؤسسات وفي الأخص في مناصب الولاة والقائم مقام والقضاء.
عقبة الأرقام داخل البرلمانولا يبدو الطريق نحو تعديل دستوري أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة سهلاً من الناحية البرلمانية، إذ يحتاج طرح أي تعديل دستوري على الاستفتاء إلى تأييد 360 نائباً من أصل 600 داخل البرلمان التركي، وهو العدد نفسه المطلوب للموافقة على إجراء انتخابات مبكرة.
ويمتلك حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه مجتمعين 327 مقعداً فقط، ما يعني أنهم بحاجة إلى إقناع 33 نائباً إضافياً على الأقل لدعم أي مسار دستوري أو انتخابي يفتح الباب أمام ترشح أردوغان مجدداً.
وتضع هذه الأرقام الحزب الحاكم أمام تحد سياسي مباشر، يتمثل في توسيع دائرة التفاهمات داخل البرلمان، سواء عبر استقطاب نواب من أحزاب معارضة أو بناء تفاهمات ظرفية مع كتل سياسية قد ترى في الانتخابات المبكرة فرصة لإعادة ترتيب المشهد.
بحسب التوزيع الرسمي الحالي لمقاعد البرلمان التركي، يمتلك حزب العدالة والتنمية 276 مقعداً، وحليفه حزب الحركة القومية 46 مقعداً، إضافة إلى 4 مقاعد لحزب الهدى ومقعد واحد للحزب الديمقراطي اليساري، أي إن الكتلة الأقرب إلى تحالف أردوغان تدور حول 327 مقعداً، مع احتمال اختلاف الرقم سياسياً بحسب احتساب بعض المستقلين أو الحلفاء الصغار.
وهذا يعني أن النقص العملي يقارب 33 صوتاً للوصول إلى عتبة 360.
من أين يمكن أن تأتي الأصوات الناقصة؟السيناريو الأول يتمثل في استمالة المستقلين والأحزاب الصغيرة.
يوجد في البرلمان حالياً 10 نواب مستقلين، إضافة إلى كتل صغيرة مثل حزب الرفاه من جديد، وحزب السعادة، وحزب المستقبل وحزب الديمقراطية والتقدم، وأحزاب أخرى محدودة العدد.
هذه الأصوات وحدها لا تكفي، لكنها قد تقلص الفجوة وتمنح حزب العدالة والتنمية هامشاً أفضل للتفاوض.
السيناريو الثاني، وهو الأهم، يتمثل في اختراق صفوف المعارضة المحافظة والقومية، خصوصاً نواب من أحزاب مثل" الجيد" أو بعض المنشقين عن أحزاب المعارضة.
هذه الكتل تضم نواباً أقرب أيديولوجياً إلى العدالة والتنمية من حزب الشعب الجمهوري أو اليسار، وقد يكون إقناع بعضهم أسهل عبر تفاهمات انتخابية أو وعود سياسية أو حسابات محلية تتعلق بإعادة الترشيح في الانتخابات المقبلة.
السيناريو الثالث هو فتح قناة تفاهم مع حزب اليسار الديمقراطي (الكردي) DEM، ولو بشكل غير مباشر.
هذا الخيار أكثر حساسية لأنه يصطدم بحسابات حزب الحركة القومية، حليف أردوغان، لكنه ليس مستبعداً بالكامل إذا جرى ربطه بملفات أوسع مثل المسار الكردي وحل حزب العمال الكردستاني، والبلديات، خاصة أن حزب DEM يمتلك 56 مقعداً، وأي حياد أو دعم جزئي منه قد يغير المعادلة، مع أعبائه السياسية داخل التحالف القومي الحاكم.
السيناريو الرابع يقوم على توقيت الانتخابات المبكرة بطريقة تحرج المعارضة.
إذا طرح أردوغان وحزبه الانتخابات قبل أشهر قليلة فقط من موعدها الرسمي، مثل أواخر 2027 أو ربيع 2028، فقد يجد بعض نواب المعارضة صعوبة في تبرير رفض انتخابات" مبكرة قليلاً" أمام جمهورهم، خصوصاً إذا كانت الأحزاب المعارضة تريد أصلاً الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
وقد أشار مستشارون مقربون من أردوغان إلى أن قراراً برلمانياً قبل الموعد الرسمي، مثل أبريل/نيسان 2028، قد يفتح الباب أمام ترشحه مرة أخرى.
وتحضر مسألة عمر أردوغان أيضاً في خلفية النقاش الدائر حول ترشحه المحتمل، إذ يبلغ الرئيس التركي حالياً 72 عاماً، على أن يكون في 74 من عمره عند موعد الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، ما يجعل أي ولاية جديدة محتملة تمتد به إلى أواخر السبعينيات، حيث تنتهي الولاية الجديدة في حال فوزه عام 2033.
ورغم أن حزب العدالة والتنمية يقدم أردوغان بوصفه صاحب الخبرة السياسية الأوسع والقادر على قيادة تركيا في مرحلة إقليمية ودولية معقدة، فإن المعارضة قد تستخدم عامل العمر وطول البقاء في الحكم كجزء من خطابها الانتخابي، عبر التركيز على الحاجة إلى انتقال سياسي وجيلي داخل الدولة.
في المقابل، يرجح أن يحول الحزب الحاكم هذه النقطة إلى عنصر قوة، من خلال تصوير أردوغان كزعيم يمتلك خبرة متراكمة في إدارة الأزمات، خاصة في ملفات الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية، في مقابل معارضة تعاني خلافات داخلية ولم تحسم بعد مرشحها أو شكل تحالفاتها المقبلة.
ما موقف المعارضة التركية؟ولا شك أن المعارضة التركية بوضع سلبي للغاية، مقارنة بسنوات قليلة فقط، اكتسحت من خلالها نتائج الانتخابات البلدية، وسيطرت على معظم المدن الكبرى، وسط تراجع واضح لحزب العدالة والتنمية، إلا أن فتح ملفات الفساد والخلافات الداخلية ضمن حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، فتح المجال بشكل أوسع في ترشح مريح لأردوغان في استحقاق انتخابي مقبل.
ومن غير المرجح أن يكون موقف المعارضة التركية موحداً في وقت قريب، خصوصاً مع أزمة حزب الشعب الجمهوري الأخيرة المعروفة بـ" البطلان المطلق"، والتي أعادت كلتيشدار أوغلو إلى قيادة الحزب وأبعدت أوزغور أوزيل ومن خلفه أكرم إمام أوغلو القابع في السجن بتهم فساد.
وتكمن خطورة هذه الأزمة في توقيتها، إذ تأتي بينما يسعى الحزب إلى تثبيت صورته كبديل رئيسي لحكم حزب العدالة والتنمية، بعد النتائج التي حققها في الانتخابات البلدية عام 2024.
غير أن الجدل القضائي حول قيادة الحزب قد يربك استعداداته للانتخابات الرئاسية المقبلة، ويضعف قدرته على حسم اسم المرشح الرئاسي أو بناء تحالف انتخابي واسع في مواجهة أردوغان.
كما يمنح هذا الانقسام حزب العدالة والتنمية هامشاً أوسع للمناورة، سواء في ملف الانتخابات المبكرة أو في معركة تأمين الأصوات البرلمانية اللازمة لتمرير قرارها.
فكلما طالت أزمة حزب الشعب الجمهوري، تقلصت قدرة المعارضة على التصرف ككتلة موحدة داخل البرلمان، وازدادت فرص الحزب الحاكم في استثمار الخلافات الداخلية، أو دفع بعض القوى المعارضة إلى التعامل مع الانتخابات المبكرة بوصفها مخرجاً من حالة الانسداد لا مجرد خدمة سياسية لأردوغان.
وبذلك، لم تعد أزمة حزب الشعب الجمهوري شأناً حزبياً داخلياً فقط، بل تحولت إلى عامل مؤثر في مستقبل المشهد الانتخابي التركي.
فحزب يعاني نزاعاً على القيادة والشرعية سيكون أقل قدرة على إدارة حملة رئاسية موحدة، وأضعف في مواجهة سيناريو انتخابات مبكرة قد يطرحها تحالف أردوغان في توقيت محسوب بعناية، مستفيداً من تشتت المعارضة وصعوبة اتفاقها على مرشح وخطة مشتركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك