في يوم من تلك الأيام التي تُصنع فيها الأمم من جديد، جاء الثلاثون من يونيو، لا بوصفه موعداً في التقويم الميلادى، بل بوصفه لحظة فاصلة بين عهدين، عهد كادت فيه مصر تُختطف من تاريخها وهويتها، وعهد استعادت فيه الدولة روحها، والشعب إرادته.
في ذلك اليوم خرج المصريون من كل صوب وحدب ليقولوا كلمتهم الأخيرة في مشروع أراد أن يحتكر الوطن، وأن يحوّل الدولة إلى غنيمة، وأن يجعل الحكم ميراثاً أبدياً لجماعة ظنت أن الزمن قد توقف عند أبوابها.
وللمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث، خرج قضاة مصر من ساحات المحاكم إلى ساحات الوطن، رأيتهم في الميادين الكبرى، في ميدان التحرير وأمام قصر الاتحادية، يقفون جنباً إلى جنب مع أبناء شعبهم، كانت الهتافات تعلو من الحناجر، والنبضات تتسارع في الصدور، وكانت صورة الوطن تتجلى في أبهي معانيها: شعب وقضاء وجيش وشرطة، جميعهم يلتفون حول فكرة واحدة هي إنقاذ الدولة المصرية من السقوط في قبضة جماعة لم تفهم مصر يوماً، ولم تفهم طبيعة شعبها ولا معنى دولتها.
ومن قلب نقابة المحامين تدفقت جموع المحامين على اختلاف اتجاهاتهم وانتماءاتهم، إلا من اختار الاصطفاف مع الجماعة، وخرجوا مع ملايين المصريين ليشاركوا في صناعة واحدة من أعظم لحظات التاريخ الوطنى، وكذلك فعل الأطباء والمهندسون وأساتذة الجامعات والعمال والفلاحون وسائر أصحاب المهن، إذ أدرك الجميع أن المسألة لم تعد خلافاً سياسياً عابراً، وإنما معركة تتعلق بمصير الوطن نفسه.
وقبل الثورة وأثناءها، نهضت النخبة الثقافية والفنية والإعلامية لتؤدى دورها التاريخى في مواجهة مشروع بدا منذ بدايته معادياً للثقافة والفكر والإبداع، كان المخطط واضحاً إلى حد السذاجة، إذ أرادت الجماعة إخضاع الإعلام والثقافة لمنطق السمع والطاعة، وإحلال الولاء محل الكفاءة، والتنظيم محل الدولة.
وحين بسطت الجماعة نفوذها على المؤسسات الإعلامية، تسلل أهل الثقة لديهم إلى المواقع التي كان ينبغى أن يشغلها أهل الخبرة، وتحولت مؤسسات عريقة بُنيت عبر عقود طويلة إلى ساحات للتجريب الأيديولوجى والتمكين التنظيمى.
لم يكن الأمر مقصوراً على الإعلام، بل امتد إلى الثقافة نفسها، حيث جرى التفكير في إعادة تشكيل الوعى المصرى على صورة الجماعة، وتحويل المؤسسات الثقافية إلى منصات دعوية، واستبدال التنوع الفكرى الرحب بخطاب أحادى مغلق.
وكان من بين أخطر ما دار في الكواليس آنذاك محاولات توجيه قصور الثقافة لتصبح أدوات لنشر أدبيات الجماعة ومنظريها، وإعادة صياغة النشاط المسرحى والفنى وفق رؤية أيديولوجية ضيقة لا تعرف من الفن إلا ما يخدم التنظيم، ولا ترى في الثقافة إلا وسيلة للتجنيد والتعبئة، غير أن الثورة جاءت قبل أن تكتمل تلك المخططات، فأغلقت الأبواب التي أرادوا النفاذ منها إلى عقل الأمة وروحها.
ولهذا لم تكن مواجهة الجماعة مقصورة على فصيل سياسى أو تيار فكرى بعينه، بل كانت مواجهة وطن بأكمله ضد مشروع شعر بأنه يهدد هويته وتاريخه ومستقبله.
لم يكن المؤيدون الحقيقيون للجماعة يومها سوى أعضاء التنظيم ودوائره القريبة، أما بقية المصريين، على اختلاف طبقاتهم واتجاهاتهم، فقد التقوا عند نقطة واحدة هي ضرورة إنقاذ الدولة قبل فوات الأوان.
لكن المأساة الكبرى أن الجماعة لم تفهم شيئاً مما جرى، فقد كانت أسيرة رؤية مغلقة لا تسمع إلا صوتها، ولا ترى إلا صورتها في المرآة.
ولذلك لم تستوعب أبداً لماذا خرج الملايين ضدها، ولماذا انفض الناس من حولها بهذه السرعة، ولماذا انتهى حكمها قبل أن يكتمل عامه الأول.
لقد كانت ثورة يونيو، في جوهرها العميق، ثورة على جماعة وقعت أسيرة نرجسيتها السياسية، جماعة اعتلت منصة الحكم وهي تتوهم أنها تحتكر الحقيقة، وأنها الوكيل الحصرى للإرادة الإلهية، وأن معارضتها ليست خلافاً سياسياً مشروعاً، بل خروج على الدين نفسه.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، فقد تحولت النرجسية من حالة نفسية إلى بنية فكرية كاملة، لم تعد الجماعة ترى نفسها حزباً سياسياً بين أحزاب، بل كيان استثنائى فوق المجتمع والدولة والتاريخ، نظرت إلى ذاتها باعتبارها «الفرقة المختارة»، وإلى الآخرين باعتبارهم مجرد تابعين أو خصوم أو عقبات في طريق المشروع.
ومن هذه الرؤية ولدت حالة من التعالى التنظيمى والأخلاقى جعلت الجماعة عاجزة عن فهم الواقع، لم ترَ في معارضيها شركاء في الوطن، بل خصوم للعقيدة.
ولم ترَ في النقد نصحاً، بل مؤامرة.
ولم ترَ في غضب الشعب إنذاراً، بل فتنة ينبغى قمعها.
وحين خرج المصريون بالملايين في الثلاثين من يونيو، لم تدرك الجماعة أن الشعب الذي منح الشرعية هو نفسه الذي يملك حق سحبها، لم تتوقف لحظة واحدة لتراجع نفسها أو تعترف بأخطائها، لأن النرجسية لا تعرف المراجعة، ولأن الجماعات المغلقة لا تجيد سوى ترديد صدى أصواتها.
ولهذا كان السقوط مدوياً.
لم يسقطوا لأن خصومهم كانوا أقوى فحسب، بل لأنهم فقدوا القدرة على رؤية الحقيقة، فقد تعطلت لديهم أدوات الإدراك، وانقطعت صلتهم بالواقع، وأصبحوا أسرى أوهام صنعوها بأيديهم ثم صدقوها.
لقد كانت ثورة يونيو ثورة شعب ضد جماعة عمياء، جماعة لم ترَ الوطن إلا من خلال نفسها، ولم تسمع صوت الأمة إلا حين كان يوافق هواها، فلما اختلف معها الشعب اتهمته، ولما رفضها الوطن خاصمته، ولما أسقطها التاريخ أنكرت حكم التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك