لو نظرنا بدقة إلى التحركات الإيرانية الأخيرة، لوجدنا أن طهران تدير مشهدًا معقدًا يجمع بين حافة الهاوية وطاولة المفاوضات، خاصة بعد جولة التصعيد العسكري العنيف التي شهدها ربيع هذا العام بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل،تأتي زيارة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى باكستان كأول جولة خارجية له بعد ذلك الصدام، كمحاولة ذكية للإستفادة من مذكرة تفاهم إسلام آباد التي تم التوصل إليها برعاية باكستانية وقطرية لوقف القتال، طهران هنا لا تقرأ الزيارة بوصفها بروتوكولاً، بل كإعادة ترتيب لأوراق الأمن المشترك، والتجارة، وضبط الحدود، وتقديم الشكر لإسلام آباد على دورها كوسيط إستراتيجي نجح في كبح جماح صدام أوسع مع واشنطن،و بالتوازي مع حركة بزشكيان الشرقية، كان رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، ومعه وزير الخارجية عباس عراقجي، يحطون الرحال في سلطنة عُمان، ولم تكن هذه الزيارة منفصلة عن جولات المفاوضات الشاقة التي إستمرت لثماني عشرة ساعة في سويسرا مع الجانب الأمريكي، في مسقط، تركزت المحادثات حول صياغة ترتيبات وإطار عمل جديد لإدارة مضيق هرمز الإستراتيجي، وضمان الملاحة الآمنة وفق القوانين الدولية، إيران تحاول عبر عمان تثبيت ركائز تفاهماتها الأخيرة مع واشنطن، وتحييد الممرات المائية عن أي مغامرات عسكرية قادمة.
في المقابل، وعلى الجبهة الشمالية لإسرائيل، لا يبدو أن آلة الحرب الإسرائيلية مستعدة للقبول بقواعد التهدئة الإيرانية-الأمريكية المستجدة.
إسرائيل ترى في إنشغال طهران بالدبلوماسية فرصة سانحة لتقليم أظافر قوى المقاومة، وتحديدًا حزب الله في الجنوب اللبناني،وإستمرار الضربات الإسرائيلية العنيفة على القرى والبلدات الجنوبية وإستهداف قيادات الحزب، لا يستهدف فقط إبعاد خطر الصواريخ عن الجليل، بل هو محاولة إسرائيلية واضحة لفرض معادلة ردع جديدة تفصل المسار اللبناني عن أي تفاهمات إقليمية عامة، إسرائيل تتحرك وفق حسابات تعتبر أن أي هدوء حالي دون تفكيك البنية التحتية لحزب الله في الجنوب هو بمثابة تأجيل لإنفجار أكبر لا تملك ترف الإنتظار لحصوله.
بينما يتحرك الشرق الأوسط على وقع هذه التوازنات الحرجة، إنفجر لغم سياسي مدوٍ في الداخل الأمريكي هزّ أركان الحزب الجمهوري، تمثل هذا اللغم في الهجوم غير المسبوق الذي شنه الإعلامي اليميني البارز تكر كارلسون، ومعه النائبة مارجوري تايلور جرين، بإعلان سحب دعمهما للحزب الجمهوري وإتهام قيادته وضمنًا دونالد ترامب بـ خيانة أمريكا.
موقف تكر كارلسون يرى أن الإدارة والسياسة الجمهورية تضع مصالح دولة أجنبية" إسرائيل" فوق مصالح المواطن الأمريكي، معتبرًا الحرب مع إيران مسارًا مدمرًا لأمريكا،دونالد ترامب هاجم كارلسون بضراوة عبر منصته تروث سوشيال، واصفًا إياه بأنه شخص منخفض الذكاء ومبالغ في تقديره، داعيًا إياه لزيارة طبيب نفسي،يمثل هذا الإنشقاق تحولًا عميقًا؛ حيث يرفض التيار الإنعزالي" أمريكا أولًا" المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط، ويرى أن المنظومة العميقة نجحت في محاصرة ترامب وتوجيهه،إننا نرى إيران تقاتل بالدبلوماسية عبر مسقط وإسلام آباد لتثبيت مكاسب صمودها العسكري، بينما تحاول إسرائيل كسر هذه الحلقة بضرب خاصرة المحور في جنوب لبنان، وفي نفس الوقت، تقف واشنطن منقسمة على ذاتها، حيث بدأت النخب الإعلامية والشعبية تتساءل عن الجدوى من خوض حروب بالوكالة لا ناقة لأمريكا فيها ولا جمل.
إنها لحظة إستراتيجية فارقة، تكشف أن موازين القوى القديمة لم تعد قادرة على فرض مشيئتها بالكامل، وأن القادم من الأيام سيحمل حتمًا معادلات جديدة، تولد من رحم الدبلوماسية الحذرة والنيران المشتعلة على حد سواء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك