يواصل الروائي الأردني جلال برجس مشروعه الإبداعي بخطوات واثقة، وتميز لافت.
ينطلق في فضاءات الإبداع الرَّحبة؛ فيكتب القصة والرواية والشعر وأدب المكان والمقالة، وآخر ما صدرت له نهايات 2025، مجموعة قصصية مختلفة بعنوان «نحيلٌ يتلبّسه بدينٌ أعرج»، وهي عمل سردي ينتمي إلى المنطقة الفاصلة بين الواقع والغرابة، بين المألوف واليومي من جهة، وبين الكابوسي والمتخيّل من جهة أخرى؛ فمنذ الإهداء الذي يقدمه برجس إلى جدته «سلمى»، بوصفها «امرأة تؤمن بأنّ الخيال هو الواقع»، يضع القارئ أمام المفتاح الجمالي والتأويلي للمجموعة كلها؛ الخيال ليس هروبا من الواقع، بل طريقة أخرى لرؤيته وكشف طبقاته الخفيّة.
تضم المجموعة اثنتي عشرة قصة: «مدينة العيون المتلصصة، صانع الشواهد، مساحة فارغة، ناي الأكتع، عادة سرية، فوضى، تلف، مرايا غير نافذة، مانيكان، ذبابة، نحيل يتلبسه بدين أعرج، أمل»، وتتناول هذه القصص موضوعات متشابكة تدور، في جوهرها، حول الإنسان حين يُحاصر بما هو أكبر منه مثل: المجتمع والخوف والذاكرة والجسد والعزلة والحرب والنميمة والموت والفراغ الداخلي؛ فالقارئ يجد نفسه أمام عالم قصصي يفضح ثقافة التلصص وانتهاك الخصوصية في قصة «مدينة العيون المتلصصة»، ويكشف ولع الجموع بإنتاج الخرافة والخوف في قصة «صانع الشواهد»، ويتأمل غفلة الإنسان عن تحوّلات حياته في قصة «مساحة فارغة»، ويرصد أثر الحرب في الجسد والروح في قصة «ناي الأكتع»، كما يلامس اضطرابات النفس، واغتراب الذات عن صورتها، وتحوّل الأشياء اليومية إلى كوابيس رمزية في قصة «عادة سرية» وقصة «مرايا غير نافذة».
وتذهب المجموعة كذلك إلى مساءلة القسوة الاجتماعية والوصم والعزلة في قصة «مانيكان»، وإلى رصد التلف الداخلي والبحث المستحيل عن خلاص أو ولادة جديدة في قصة «تلف»، وتطرح أسئلة الهوية والانقسام الداخلي والتشوه الذي يصيب الذات حين تثقلها الأوهام والمخاوف والضغوط الاجتماعية، فيغدو الإنسان غريبا عن نفسه، أو مسكونا بما ليس منه في قصة «نحيلٌ يتلبّسه بدينٌ أعرج»، وتفتح كُوّةً أخيرة في مواجهة كل هذا السواد والعبث والقلق في قصة «أمل»، وتؤكد أنّ الإنسان، مهما أثقلته الخسارات والانكسارات، يظل محتفظا بقدر من الرّجاء يجعله قادرا على مواصلة الحياة.
إنّها، في مجملها، قصص عن هشاشة الإنسان المعاصر، وعن واقع يبدو عاديا من الخارج، لكنه يخفي في داخله شروخا عميقة؛ ولذا تأتي الغرائبية فيها وسيلة لكشف المستور في النفس والمجتمع، وتحويل الخيال إلى مرآة أكثر صدقا من الواقع نفسه.
يُعدُّ عنوان المجموعة عنوانا مثيرا للتأويل؛ فالجملة «نحيلٌ يتلبّسه بدينٌ أعرج» تقوم على مفارقة جسدية ظاهرة، لكنها في جوهرها ليست وصفا لأجساد بقدر ما هي وصف لأرواح وأفكار وهويات؛ فـ«النحيل» يمكن أن يُقرأ رمزا للجوهر الإنساني الهش، أو للذات الأصلية التي فقدت توازنها، بينما يشير «البدين الأعرج» إلى الأثقال التي تتلبس الإنسان مثل الخوف والعادات والأوهام، والسلطة الاجتماعية، والذاكرة الجريحة، أو حتى الصور الزائفة التي يفرضها المجتمع على الفرد، وهكذا يصبح العنوان كله استعارة عن إنسان لم يعد يعيش ذاته الخالصة، وصار مسكونا بما هو غريب عنه.
إنّه عنوان يختصر الهاجس المركزي للمجموعة، الذي يقول: إنّ الإنسان فقد انسجامه وسلامه الداخلي، وأصبح يعيش منقسما بين ما هو عليه وما يُفرض عليه أن يكون، تائها بين ما يُريد وما يُراد منه، متلاطما بين حرية ظاهرة زائفة وعبودية مستحكمة.
يكتب جلال برجس قصصا غرائبية بهدف التجريب والإدهاش والبحث عن آفاق مختلفة، كما أنّه يستخدم الغرابة كأداة نقد ثقافي وفلسفي واجتماعي وسياسي؛ ففي قصة «مدينة العيون المتلصصة» مثلا تتحوّل النميمة والتجسس الاجتماعي إلى نظام حياة كامل، حيث تصبح المدينة كلها قائمة على مراقبة الآخرين وكشف أسرارهم وتداولها علنا.
وهو لا يتحدث عن مدينة متخيّلة فقط، وإنّما يتحدث أساسا عن ثقافة اجتماعية واقعية معاصرة تضخمت بفعل وسائل التواصل والاتصال الحديثة، حتى صار الإنسان مُراقَبا ومكشوفا ومفضوحا باستمرار.
والمفارقة أنّ سرعة القبض على المجرمين واللصوص ومخالفي القانون يُعزى إلى أن لا أسرار في هذه المدينة!أما في قصة «صانع الشواهد» فتتحوّل صناعة شواهد القبور إلى مدخل للتأمل في علاقة البشر بالموت، وفي ميل المجتمعات إلى صناعة الخرافة وإعادة إنتاجها؛ فالناس لا يخافون الموت بقدر ما يخافون الحكايات التي ينسجونها حوله.
والمضحك المبكي في هذه القصة أنّ ازدهار هذه الصناعة ورواجها مرتبط بالموت، مثلها مثل مهنة حفّار القبور، ومُغسّل الموتى، وبائع الأكفان، ترجمة لمثل «مصائب قوم عند قوم فوائد! ».
ونجد في قصة «مساحة فارغة» شخصية أمضت عمرها تُحدّق في فراغ ثابت حتى فقدت القدرة على رؤية تحوّلات الحياة من حولها، وعندما يكتشف فجأة أنّ العالم تغيّر كثيرا بينما كان غارقا في مراقبة تلك المساحة الضيقة، تصفعه وتصفعنا حقيقة قاسية: أنّ العمر قد يضيع كله ونحن نراقب شيئا واحدا، بينما الحياة الحقيقية تمرُّ من حولنا، وأنّ الحياة ترفض الجمود والتقوقع، ولا بُدَّ، لمن يُريد أن يعيش حقا، من الحركة والتغيير والتجدد المستمر والبحث عن الأفضل، فالحياة لا تتوقف، ومَنْ يتوقف تدوسه بأقدامها أو تتركه خلفها وتمضي!الإنسان المهزوم من الداخليكاد أبطال القصص جميعا يكونون أفرادا عاديين ظاهريا، فهم موظفون ومتقاعدون وعابرون، وسكان أحياء شعبية، لكنهم يحملون جروحا خفيّة تجعلهم يعيشون على حافة الانهيار، ففي قصة «ناي الأكتع» يعود رجل من الحرب مبتور اليدين، لكنه لا ينشغل بإعاقته الجسدية بقدر انشغاله باللحن الناقص الذي لم يكتمل.
هنا تصبح الحرب، جرحا روحيا أكثر منها إصابة جسدية، ويتحوّل الناي إلى رمز للفن الذي يحاول ترميم الخراب.
وهذا ينسحب على كل الحروب، وعلى أطرافها المنتصرة والمهزومة على حدّ سواء؛ تترك ندوبا وتشوهات تبقى آثارها لسنوات وربما عقود طويلة، وبعضها إلى الأبد.
وفي قصة «عادة سرية» تتجسد الهواجس النفسية في صورة كلب متوحش يراه البطل وحده، فيلجأ إلى طقس غريب لتحطيم الزجاج بحثا عن راحة مؤقتة، فيحطم كل زجاج يراه، حتى نوافذ بيته وزجاج سيارته من دون جدوى، فيتهاوى أرضا بعد أن أثقله العجز وقلّة الحيلة، وكأنّ متطلبات العيش الصعبة، والضرائب الباهظة، وعرج العدالة الاجتماعية، تتجسد كلبا ينهش المواطن الذي ضاقت به السبل، وأطبقت عليه الأرض بما رحبت.
أما في قصة «مرايا غير نافذة»، فتتمرد المرايا على صاحبها، ويبصق انعكاسه في وجهه كلما نظر إليها، فيتجنب كل المرايا وواجهات المحلات الزجاجية والبرك المائية الساكنة والأسطح العاكسة، ولما تجرأ ونظر بعد مقاطعة طويلة، فوجئ بأن لا وجود له في المرايا.
وهي صورة رمزية كثيفة عن اغتراب الإنسان عن ذاته وعجزه عن التصالح مع صورته الداخلية، بل تتحوّل إلى قطيعة تامة.
هذه الشخصيات ليست شخصيات مرضية بالمعنى المباشر، ولكنها تجسيد رمزي للإنسان المعاصر المثقل بالوحدة والخوف، والأسئلة الوجودية، وفقدان المعنى والهوية، والاغتراب الداخلي، وصعوبات الحياة وضغوطاتها القاسية.
وحتى الأماكن في هذه القصص وغيرها، تتحوّل إلى شخصيات/عناصر فاعلة في تشكيل الدلالة، مثل المدينة والشارع والمقبرة والحافلة والحمام والنافذة والمرآة والسطح، فكلها أمكنة مشحونة بالرمزية، وكل منها يحمل وظيفة فلسفية أو نفسية، ويكشف جانبا من مأزق الشخصية.
تقوم معظم قصص المجموعة على تقنية سردية لافتة، إذ يبدأ الحدث من واقع مألوف جدا، ثم ينزلق تدريجيا نحو منطقة غرائبية، من دون أن يشعر القارئ بحدود فاصلة بين العالمين؛ فالمدينة التي يتلصص فيها الجميع تبدو ممكنة، وصانع الشواهد يبدو شخصا عاديا، والرجل الذي يراقب مساحة فارغة موجود في كل مكان، لكنّ السرد يدفع هذه العناصر خطوة إضافية نحو اللاواقع، بحيث تصبح أكثر قدرة على كشف الحقيقة.
هذه التقنية تجعل القارئ يعيش حالة تردد مستمرة؛ هل ما يقرأه واقعي أم متخيّل؟ وهل الغرابة في النص أم في الواقع نفسه؟ وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة المجموعة؛ إذ تجعل الخيال وسيلة لاكتشاف الواقع لا للهروب منه.
كما أنّ جلال برجس يميل إلى لغة سردية شفافة لا تعتمد على الزخرفة اللفظية، بقدر اعتمادها على بناء الصورة والمشهد، والجمل هادئة ومتزنة، تخفي توترا داخليا عميقا.
ويتميز السرد بالاقتصاد والدقة، إذ لا يثقل القصص بالشروح والتفسيرات، ويترك فراغات واسعة للقارئ كي يشارك في إنتاج المعنى، ولهذا فإنّ بعض القصص ذات نهايات مفتوحة، لا تقدم إجابات نهائية بقدر ما تثير أسئلة جديدة.
وبعد؛ في مجموعته «نحيلٌ يتلبّسه بدينٌ أعرج» الصادرة عن دار الشروق في القاهرة، ينجح جلال برجس في تحويل اليومي والعابر إلى مادة فلسفية غنية وتأمل وجودي، ويمنح القارئ عالما تتجاور فيه السخرية مع الحزن، والواقعية مع الغرابة، والحكاية مع التأمل.
إنّها مجموعة لا تتحدث عن شخصيات غريبة بقدر ما تتحدث عن غرابة الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي يمضي حياته مُحاطا بالمرايا والفراغات والحكايات والأوهام، محاولا أن يفهم مّنْ يكون.
ومن خلال هذه القصص، يذكّرنا الكاتب بأنّ الواقع ليس دائما كما يبدو، وأنّ أكثر الحقائق عمقا قد تظهر أحيانًا في هيئة حلم، أو كابوس، أو حكاية تبدو مستحيلة.
والمجموعة ليست احتفاءً بالغرائبي، إنّها مساءلة عميقة للواقع الإنساني، وكشف لما يتوارى خلف المألوف من هشاشة ووحدة وأسئلة لا تنتهي.
إنّها رحلة في أعماق النفس البشرية، تنتقل من الخوف والعزلة والاغتراب إلى محاولة استعادة الذات والهوية، ومن الانكسار إلى التمسك بخيط رفيع من الأمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك