أعلنت أسرة الشخصية الاجتماعية عثمان بهلوي - عثمان عثمان - مع الدقائق الأولى من صباح اليوم، أن قلب عميدها، أحد أوائل المحامين الكرد في قامشلي، توقف عن النبض، بعد تدهور وضعه الصحي تدريجيًا خلال الأشهر الماضية.
وكان الأطباء السويديون في ستوكهولم، حيث يقيم منذ حوالي عشرين سنة، قد أعلنوا يأسهم من حالته، فعاد إلى البيت ليتلقى الرعاية تحت إشراف فريق طبي معني ظل على تواصل دائم مع أسرته حتى لحظاته الأخيرة.
عندما فتحنا أعيننا في مدينة قامشلي على الحياة، كان اسم أوصمان أوصمان، أو عثمان بهلوي، من الأسماء البارزة المعروفة.
إذ كان حاضرًا، فاعلًا، في لجة الحياة الاجتماعية، وحاضرًا في الحياة الثقافية، دائم المشاركة في الندوات والأمسيات التي كنا نقيمها في المنتدى الثقافي أو التي كان يقيمها سوانا.
كما عُرف باعتباره من أوائل المربين الذين عملوا في سلك التربية، ناهيك عن مكانته بين أوائل المحامين الكرد في قامشلي والجزيرة وسوريا.
ارتبط اسمه بالحزب الشيوعي السوري، وحمل في ذاكرته تفاصيل مرحلة كاملة من تاريخ الحركة السياسية والثقافية.
كثيرًا ما عدنا إليه طلبًا لشهادة حية حول تلك السنوات، فكان يحدثني عن عمه الملا شيخموس قرقاتي، والملا شيخموس شيخاني، والشاعر جكرخوين، وعن أوائل الشعراء والأدباء الكرد، وعن النقاشات الفكرية والسياسية التي رافقت تلك الأزمنة.
كما كان من مؤسسي" بندا آزادي"، وشارك ضمن وفد سافر إلى موسكو لحضور المهرجان العالمي للطلبة والشباب عام 1957.
عرفت أبا أحمد عن قرب منذ مطلع الثمانينيات.
وكان من أولئك الذين يؤخذ برأيهم على نطاق واسع داخل الحركة الكردية، وبين الشيوعيين، وفي الأوساط الاجتماعية المختلفة.
إذ امتلك قدرة نادرة على مد جسور التواصل بين مكونات المدينة، فحاز احترام السريان والأرمن والآشوريين والإيزيديين، كما حاز احترام كرده والمسلمين وسواهم من أبناء المنطقة.
حمل طبعًا سمحًا وأخلاقًا رفيعة، ونظر إلى الناس بعين المحبة والتقدير، فترسخت مكانته في وجدان المدينة على امتداد عقود طويلة.
كان أبو أحمد صاحب أخلاق رفيعة وأدب جم، يحمل ثقافة واسعة تشكلت عبر عقود طويلة من القراءة والمعايشة والاحتكاك المباشر برجال السياسة والفكر والأدب.
وقد امتلك قدرة لافتة على استحضار الوقائع والأسماء والتفاصيل الدقيقة، الأمر الذي جعل مجالسته رحلة في تاريخ المدينة والحركة الكردية والحياة العامة في الجزيرة.
كثيرًا ما طلبت منه أن يدوّن مذكراته وأن يضع شهادته على الورق، إذ عاصر أجيالًا متعاقبة من السياسيين والمثقفين والمناضلين، وشهد تحولات كبرى امتدت من الخمسينيات من القرن الماضي حتى أيامه الأخيرة.
وكان يبتسم كلما أعدت عليه الطلب، ثم يؤجله إلى وقت آخر، تاركًا في صدره كنوزًا من الوقائع والحكايات والشهادات التي رحلت معه.
وقد ازداد إلحاحي عليه خلال السنوات الأخيرة، لأنني كنت أرى فيه شاهدًا على عصر كامل، وواحدًا من القلائل الذين احتفظوا بخيوط تلك الأزمنة في ذاكرتهم من دون انقطاع، فجمع بين دقة الراوي وهدوء الحكيم وأمانة الشاهد الذي عاش الأحداث عن قرب واحتفظ لها بمكانها في وجدانه وذاكرته.
وكان عثمان بهلوي ذاكرة قامشلي الحية، إذ احتفظ في وجدانه بأسماء الناس وأحداث الأزمنة وتحولات الأمكنة، واستطاع أن يجمع في حديثه ما تفرق في دفاتر السياسة والثقافة والاجتماع.
وحين كنا نبحث عن خيط يقود إلى حكاية قديمة أو واقعة منسية، كان اسمه ينهض في الذاكرة باعتباره واحدًا من آخر الحراس الأمناء لسيرة المدينة.
كما كان صديقًا لكتّاب المدينة ومثقفيها، قريبًا من أجيال متعاقبة من الأدباء والصحافيين، واسع العلاقات مع مثقفين كردستانيين وشخصيات سياسية وقادة كردستانيين، يفتح قلبه للجميع، ويمنح من يجالسه شعورًا بالألفة والطمأنينة.
وقد اقترنت حكمته بالكرم، فكان يصغي أكثر مما يتكلم، ويترك في المجالس أثرًا يطول بقاؤه بعد انفضاضها.
فقد عدَدناه مرجعًا نعود إليه كلما أردنا الاستفسار عن الشيوعيين الأوائل الذين عاصرهم، أو عن علاقته بالشاعر جكرخوين، أو عن وفائه له، أو عن المراسلات التي استمرت بينهما بعد سفر جكرخوين إلى السويد.
كما كان له موقفه الذي لا يُنسى منذ إعلاننا عن جائزة جكرخوين للشعر عام 2001، وحضر مراسم منحها للشاعر كلش إلى جانب سعاد جكرخوين وكسرى جكرخوين، ومن ثم نجله الأصغر: آزاد.
وقد أجريت معه حوارًا مطولًا حول علاقته بجكرخوين نشرته لاحقًا في كتابي عن الراحل.
عندما زرت السويد للمرة الثانية عام 2011، زرته برفقة الصديق الكاتب فرمز حسين.
فرح بنا كثيرًا، والتقينا معًا المربي ماتين شمعون ملكي، صديقه القديم، تلبية لطلبي، وتجولنا يومًا كاملًا نستعيد ذكريات المدينة التي عاشت سنوات طويلة تحت ثقل الحديد والنار.
وعندما زرت السويد عام 2024 برفقة حفيظ عبد الرحمن، عاتبنا كثيرًا لأن الوقت لم يسمح بزيارة مطولة، فقلت له إن زيارتنا لم تتجاوز أربعًا وعشرين ساعة بسبب ظرف طارئ فرض علينا العودة السريعة.
لطالما تبادلنا الزيارات، سواء قبل سفره إلى السويد أم بعده.
إذ استمرت علاقتنا متصلة، وكلما زار الإمارات خصص وقتًا يزورني خلاله في بيتي.
واستمر ذلك أيضًا عندما زارنا في ألمانيا أكثر من مرة.
كما بقي تواصلنا اليومي قائمًا عبر بطاقات واتساب الصباحية المتبادلة.
والمفارقة أنني وجهت إليه صباح اليوم نفسه، سهوًا، بطاقتي اليومية المعتادة قبل أن أنتبه إلى الخبر، بالرغم من متابعتي المستمرة لوضعه الصحي.
وقبل أيام قليلة فقط خصني بمكالمة قصيرة طمأنني خلالها عن صحته، قبل أن ترد عليّ الزميلة سعاد، رفيقة دربه، مساء أمس، لتخبرني بأن وضعه الصحي بلغ مرحلة حرجة وأنه عاد إلى البيت، ثم كتبت إلي بعد ساعات: " لقد رحل صديق عمري يا إبراهيم! ".
عرفت في عثمان بهلوي شخصية كردية وطنية كرست جانبًا كبيرًا من حياتها للدفاع عن المظلومين والسعي إلى رفع الغبن عن الناس.
إذ انتمى إلى الحزب الشيوعي السوري، وغادره محتفظًا بعلاقاته واحترامه لرفاقه وتجربته.
كما شارك مع جكرخوين ومناضلين آخرين في تأسيس حزب كردي مبكر، ثم انضم في العام التالي إلى أول حزب كردي في سوريا، قبل أن يواصل رحلته السياسية محتفظًا بمكانته المرجعية لدى أصدقائه ورفاقه أثناء المنعطفات التنظيمية والسياسية والاجتماعية.
عمل في سلك التعليم قبل أن يدرس الحقوق وينال شهادته الجامعية، ثم مارس المحاماة واضعًا خبرته في خدمة من يلجأ إليه.
وكان يروي حكايات نادرة عن الناس والوجهاء والشخصيات التي عرفها، محافظًا على لياقته الأخلاقية واحترامه للآخرين.
كما احتفظ بعلاقات مميزة مع الراحل عبد الحميد درويش ومع عدد كبير من قيادات الحركة الكردية ومناضليها ممن تركوا حضورًا فعليًا في الحياة العامة.
وخلال فترة مرضه كانت سعاد جكرخوين إلى جانبه يوميًا، ترافقه في المستشفى وفي البيت، وتتقاسم معه أعباء المرض ومشقة الأيام الأخيرة.
وكم قلت له خلال تلك الفترة: سافر إلى قامشلي، فما إن تشم هواءها حتى تستعيد عافيتك.
فكان يجيب بأن الظروف والحرب وتعليمات الأطباء تحول دون ذلك.
وخلال عملي على فصول كتابي عن جكرخوين، كان عثمان بهلوي، إلى جانب سعاد جكرخوين، مرجعًا مهمًا في توثيق وقائع تلك المرحلة.
وحين طرحت عليه سؤالًا يتعلق بعلاقة جكرخوين بدورات الكادر الشيوعي، جاء جوابه متطابقًا مع ما وردني من مصادر أخرى عايشت تلك المرحلة عن قرب.
ها هو ذا أبو أحمد يطوي عقودًا طويلة من العمر وهو يتهيأ للعودة الأخيرة إلى مسقط رأسه كرزين، كي تطوى صفحات كتاب، مجلدات، حيث سيوارى الثرى إلى جانب أفراد من أسرته تركوا بصماتهم في نشر الوعي القومي والطبقي.
القرية التي خرج منها شابًا، وظلت تسكن وجدانه أينما حل، تعود اليوم لتستقبل واحدًا من أبنائها الذين حملوا اسمها بمحبة ووفاء، وتركوا أثرًا راسخًا في ذاكرة الجزيرة ووجدان أهلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك