منذ بدايته، اتخذ الأمريكي ستيفن سبيلبرغ مساراً ترفيهياً في أفلامه، سيرته نموذجية في الحديث عن أفلام «البلوكبستر»، أي ذات الميزانيات وكذلك الإيرادات الضخمة، أي سينما الترفيه الجماهيرية، وإن مرّت محاولات لإلصاق سمة سينما المؤلف به.
ليس سبيلبرغ مخرجاً مؤلفاً، أو اسماً عظيماً بالمعنى الفني، هو حرفيّ كبير نعم، لكنه ليس فناناً في مجاله.
لأفلامه جمهور أكثر مما لآخرين فنانين، لذلك ولغيره هو مخرج للأغلبية من المشاهدين، لأفلامه مكانة أولى متى سعى أحدنا خلف أفلام الحركة والمضاربات والخيال العلمي والمغامرات والديناصورات، وله أفلام أخرى هي أقل وأفضل نسبياً.
فيلمه الأخير، «يوم الكشف» (Disclosure Day) الذي نزل أخيراً إلى الصالات الفرنسية، يجمع عناصر عديدة من سينما سبيلبرغ، كأنه خاتمة لرجل سيدخل عامه الثمانين.
هو، لمن يحب أفلامه، يمكن أن يكون خاتمة جيدة.
ومن لا يحبها سيخرج غالباً من الصالة سريعاً، ما لم تكن المشاهَدة لاضطرار كتابيّ، أو لرحابة صدر في إمكانية أن يصلّح العطّار مع أفسده الدّهر.
يحكي الفيلم عن ملاحقة جهات حكومية سرية لموظف سابق يسعى للهرب منها مع معلومات، ملفات فيديو، شديدة السرية، تتعلق بكائنات فضائية وصلت إلى الأرض، وتم التعامل معها من قبل الحكومات الأمريكية المتعاقبة، أحياناً باختبارات قاسية.
الفيلم عبارة عن ملاحقة تقليدية، سيارات وقطارات واصطدامات و»طخطخة» وغيرها من التشكيلة الجاهزة في أفلام هوليوودية.
الرجل لسبب ما سيفهم لغة الكائنات الفضائية وسيلتقي بامرأة تستطيع التكلم بها.
هنالك جهة سرية تساعدهما في الإفصاح عن السر الحكومي، وهنالك التلفزيون الذي سيبث، بقنواته الأمريكية كافة، لحظة الكشف، على الهواء مباشرة.
وطبعاً، لا حاجة للتذكير بأن الكائنات هذه لا تعرف من الكوكب سوى الولايات المتحدة ولا تنزل بمركباتها الفضائية سوى هنا.
الفيلم، وإن كان تقليدياً، جداً، في قصته، كان في تصويرها شديد الإزعاج، صوتاً وصورة.
إزعاج من ناحية تسلسل أحداث مسرّعة بالمونتاج، وموسيقى حماسية تصاعدية، لا تسبب لغير المبهورين بسينما كهذه سوى رتابة، رتابة مع فقدان متزايد للصبر، وتأفف، أمام سيارات تتطاير وأضواء لامعة لأجهزة فضائية، وإيحاء بليد، بالموسيقى والمونتاج وملامح الممثلين المتفاجئة دائماً، بأن أمراً مهماً سيحصل.
الفيلم عبارة عن سلسلة لا تنتهي من هذه الإيحاءات غير المتحققة بالضرورة، إلى أن نصل إلى مشهد أخير لا أمر مهما فعلاً يحصل فيه.
الفيلم سلسلة من الخيبات، أما الأسوأ فأن تكون هذه الخيبات بأصوات وصور تنبيهية وتحذيرية وحسب.
قد يكون أسوأ ما في الفيلم هو تقليديته السردية، وإن لم يتوقع أحدنا غير ذلك من سبيلبرغ.
فيلم كهذا يمكن أن يُنتج قبل عشرين أو ثلاثين سنة، لا اليوم، وقد يكون بناؤه على أفلام سابقة له، من دون إحداث تطوير سردي وبصري خاصين، سبباً لذلك، فأفلام عديدة له كانت حاضرة هنا.
أحدهم كتب أن الفيلم أقرب إلى بواقي الطعام من وجبات سابقة لسبيلبرغ، ما أستطيع إضافته هنا أنه رماها معاً على الطاولة من دون تسخينها، من دون حتى تبرير حضورهاً معاً على سفرة واحدة.
نرى هنا أثراً لأفلامه، فضائيات فيلمه ET (1982) قبل غيره، نرى ملاحقات «حرب «الفك المفترس» (1975) أوائل مسيرته، دخل سبيلبرغ مساراً متعرجاً، فاشلاً في صناعة اسمه كمخرج مؤلف، بخلاف رفاقه في حينها وهم فرانسيس كوبولا ومارتن سكورسيزي وجورج لوكاس، وقد بنى أربعتهم سينما نيويوركية مستقلة، نسبياً فقط، عن استديوهات هوليوود ومعاييرها.
صنع أفلاماً للأطفال، (ET)، وانتقل إلى سلاسل ناجحة جماهيرياً، عدة أجزاء من «إنديانا جونز» في الثمانينيات ثم «جوراسيك بارك» في التسعينيات.
خلالها فشل مراراً ونجح مرات في صناعة أفلام ممتازة، كانت استثناءً في مسيرته، استطاعت نيل إعجاب نقدي إلى جانب الجماهيري، قليلة جداً لكن أبرزها «لائحة تشيندلر» (1993)، المبالَغ أصلاً في تقديره، وقد ساهم في نفخ هذا التقدير حصوله على جوائز أوسكار أوّلها «أفضل فيلم».
سبيلبرغ كمخرج مبالَغ هو كذلك في تقديره.
هو مخرج أهم من أفلامه، بل هو كذلك منتج سينمائي لأفلام غيره، هو بذلك أهم من أفلامه، لا شك في المهارات التقنية في أعماله، لكنها كذلك توجد في أعمال أشد سطحية من أعماله، فالإبهار التقني البصري المرفق بسذاجة سردية طبعت سينما هوليوود، وتزيد من طبعتها مع كل جيل جديد من التقنيات.
وأفلام سبيلبرغ، وهذا آخرها، أفضل مثال على سينما توحي بالكثير ولا تقول، أو تكشف، شيئاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك