لبنان بات اليوم العنوان الأول والرئيسي في شرق أوسط يخضع لإعادة ترتيب شاملة ومراجعة عميقة لتوازناته، تلك التوازنات التي باتت تمر جلّها عبر بيروت التي أصبحت، كما يقال في العامية التونسية، «رمانة الميزان»، أي الساحة التي ستحدد مصير المنطقة وشكلها.
فالأمر لم يعد يتعلق بترتيبات أمنية على الحدود بقدر ما يتعلق بإعادة النظر في موقع دولة الاحتلال داخل المنطقة، ليس فقط من قبل دول الإقليم، بل من قبل الإدارة الأمريكية نفسها.
فلبنان اليوم ليس مجرد ساحة مواجهة بين الاحتلال وحزب الله وإيران، ولا مجرد امتداد للحرب المفتوحة التي تعيشها المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023.
هو كل ذلك، لكنه أيضا عنوان التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، وعلى رأسها تعارض المصالح الأمريكية مع مصالح دولة الاحتلال وبداية تصاعد التوتر بين رؤيتيهما لمستقبل المنطقة.
فما يجري اليوم، من انتهاك الاحتلال للبند الأول من الاتفاق الأمريكي الإيراني واستمرار عملياته العسكرية في لبنان، بل وإعلانه رفض الانسحاب من الأراضي التي احتلها بحجة أنها تشكل قاعدة أساسية للترتيبات الأمنية الجديدة، لا يمكن اختزاله بالقول إننا أمام ترتيبات أمنية هشة أو مجرد استمرار للصراع بين الاحتلال والمقاومة اللبنانية.
فمثل هذا التفسير يغفل حقيقة أننا أمام لحظة سياسية غير مسبوقة، عنوانها تباين متزايد في رؤية الإدارة الأمريكية للمنطقة وأولوياتها مقارنة برؤية دولة الاحتلال.
فلأول مرة تتصاعد أصوات النقد داخل الإدارة الأمريكية تجاه حليفها الأول في المنطقة وحكومته، بل تتجاوز ذلك إلى توبيخ حكومة الاحتلال ووزرائها، وتذكيرهم بأنهم الحليف الأصغر الذي لا يمكنه الصمود في المنطقة دون الدعم الأمريكي، وأن مصالح واشنطن تبقى أولوية عندما تتعارض مع مصالح الحلفاء، كما هو الحال اليوم.
إذ إن مصلحة الولايات المتحدة تتمثل في تمديد الهدنة وتثبيتها لتشمل لبنان، وهو ما يفرض على دولة الاحتلال الاستجابة، حتى وإن تعارض ذلك مع حساباتها الخاصة.
هذا الموقف الأمريكي غير المسبوق نتج عن إدراك متزايد بأن المصالح الأمريكية بدأت تتعارض مع مصالح دولة الاحتلال وطموحاتها الإقليمية وصورتها كقوة ردع متفوقة على جيرانها.
فواشنطن تضغط اليوم من أجل تثبيت وقف إطلاق النار وهي تدرك أن من بين تداعيات ذلك إضعاف مساعي دولة الاحتلال الرامية إلى صياغة صورة ردع جديدة وترسيخ بيئة استراتيجية وأمنية تجعل من الاحتلال القوة الإقليمية الوحيدة التي لا تواجه قوة ردع مقابلة.
فمنذ اندلاع الحرب على الجبهة اللبنانية، تعاملت دولة الاحتلال معها باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المنطقة.
وقد اقتربت من تحقيق جزء من هذا الهدف لولا خيار إدارة ترامب دفع المنطقة نحو مواجهة مباشرة مع إيران، وهي مغامرة انتهت إلى نتائج مغايرة لما كان مأمولا، ودفعت واشنطن إلى البحث عن مخرج من حرب استنزاف اقتصادية وعسكرية نجحت طهران في إدارتها ، وهو ما عدّل من الحسابات الأمريكية وأنتج تباينا متزايدا مع حسابات الاحتلال.
وفي الحسابات الأمريكية الجديدة، بات استمرار التصعيد في الشرق الأوسط والصراع المفتوح مع إيران يمثل خطرا مباشراً على مصالحها وأولوياتها الاستراتيجية.
كما أن استمرار الحرب إلى حدود الانتخابات النصفية قد ينجرّ عنه عبء سياسي إضافي على الرئيس دونالد ترامب، الذي بات يدفع اليوم نحو احتواء الصراع بسرعة، متجاهلا رغبة بنيامين نتنياهو في مواصلة الضغط العسكري على لبنان إلى حين تحقيق تحولات استراتيجية دائمة، أي تنفيذ مشروع إعادة تشكيل جغرافيا المنطقة وموازين القوى فيها.
بين الرؤيتين بون شاسع.
فأمريكا تريد اليوم استعادة الاستقرار، أو الحد الأدنى منه، بأي ثمن، بينما لا يزال الطموح الصهيوني قائما على التوسع الجغرافي وبسط النفوذ وفرض وقائع جديدة على الأرض.
غير أن هذا المشروع يصطدم اليوم بحقيقة أن كلفته باتت تتعارض مع المصالح الأمريكية ومع رؤية واشنطن لكيفية معالجة ملف سلاح حزب الله ونفوذه داخل لبنان.
وهنا تكمن المفارقة.
فلبنان أصبح اليوم الساحة التي تكشف حدود التوافق الأمريكي الإسرائيلي نفسه.
ليس لأن التحالف بين الطرفين يتفكك، فذلك استخلاص متسرع للأحداث، وإنما لأننا أمام تباين حقيقي في المصالح وفي كيفية إدارة المرحلة القادمة.
تباين يتجلى في الخطاب السياسي، وفي الأولويات، وفي تقدير المخاطر، وفي تصور شكل المنطقة بعد انتهاء الحرب.
إنه تباين يفتح صدعاً داخل التحالف، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى تفكيكه أو إنهائه.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الصدوع الكبرى لا تظهر دفعة واحدة، بل تبدأ صغيرة ثم تتوسع تدريجياً كلما تعمقت المصالح المتعارضة وتباعدت الرؤى الاستراتيجية.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك