تمتد قصة الفعاليات الكبرى بالمدن منذ المعارض العالمية التي شهدها القرن التاسع عشر، مرورا بالدورات الأولمبية، والقمم الدولية التي أعادت رسم خرائط عمرانية واقتصادية لمدن بأكملها، وصولا لعصر باتت فيه المؤتمرات والمنتديات العالمية أدوات للتأثير في شكل المدينة ومستقبلها بقدر ما هي مناسبات للحضور والتواصل.
اضافة اعلانفالتجارب الدولية الناجحة لم تخلد لأنها استضافت حدثا عالميا عابرا، بل لأنها أحسنت استثمار اللحظة الاستثنائية التي وفرها الحدث لتسريع مشاريع النقل والبنية التحتية، والتحول الحضري، وتحويل الإنفاق المؤقت إلى مكاسب تنموية طويلة الأمد.
هذا التحول بالنظرة إلى الفعاليات الكبرى يحضر اليوم بقوة في النقاشات العالمية حول التنمية الحضرية، بعدما أثبتت عقود من التجارب أن قياس نجاح المؤتمرات والمنتديات بعدد المشاركين، أو حجم التغطية الإعلامية لا يكفي لفهم أثرها الحقيقي.
فالعبرة لم تعد في الحدث ذاته، بل بالإرث الذي يتركه خلفه، ومدى قدرته على تحسين حياة السكان، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز استدامة المدن بعد انطفاء الأضواء وانتهاء الجلسات.
وبالنسبة للأردن، تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة مع تنامي استضافة المؤتمرات والملتقيات الدولية المرتبطة بالتنمية المستدامة والتخطيط الحضري والمناخ والإدارة المحلية.
وعند هذه النقطة تحديداً يلتقي ما يطرح من نقاشات عالمية مع آراء خبراء محليين يرون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عقد المؤتمرات، أو توفير التمويل، بل ببناء منظومة مؤسسية تضمن انتقال الأفكار من قاعات النقاش إلى الشوارع، والحدائق وشبكات النقل والخدمات، بحيث يصبح الحدث نقطة انطلاق لتحول تنموي يمكن قياس أثره بعد سنوات، لا مجرد مناسبة تنتهي بانتهاء جدول أعمالها.
وبرأي الخبير في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات وصفي الصفدي، فإن العديد من المدن حول العالم" لم تنجح" لأنها استضافت حدثاً عالمياً، بل لأنها استخدمت ذلك الحدث" كذريعة إيجابية" لتسريع مشاريع كانت بحاجة إليها أصلاً.
ولفت لـ" الغد" الى أن الفعاليات الكبرى تمنح المدن" أمراً نادراً" يصعب توفيره بالظروف الاعتيادية كالإرادة السياسية، والتمويل، والاهتمام الدولي، والقدرة على اتخاذ قرارات سريعة.
وعندما تجتمع هذه العناصر في وقت واحد تصبح المدينة أمام" فرصة استثنائية" لإعادة تشكيل مستقبلها، بحسبه.
وتابع، " لذلك لا ينبغي النظر للفعالية على أنها مؤتمر أو منتدى، أو معرض، بل باعتبارها مشروعاً لتحديث المدينة".
وشدد على أن المدينة الذكية لا تُبنى عبر شراء التقنيات، وإنما عبر استثمار هذه المناسبات لتطوير الخدمات، وتحسين تجربة التنقل، وتعزيز كفاءة البنية التحتية، ورفع جودة الحياة للسكان.
وحول كيفية استغلال هذه الفعاليات لتطوير البنية التحتية والنقل بطريقة صديقة للبيئة، يؤكد الصفدي على أهمية تحويل كل دينار يُنفق لـ" أصل دائم يخدم المدينة".
وقدم شرحاً مفصلاً على فكرته مفاده بأنه إذا كان لا بد من تطوير شارع، فيجب أن يتسم بأنه أكثر" أماناً وخضرة للمشاة".
وإذا كان لا بد من تحسين النقل، لا بد من الاعتماد على النقل العام لتقليل الازدحام والانبعاثات، وأن تبنى مرافق جديدة قابلة للاستخدام والتطوير مستقبلاً، أي ينبغي أن يكون الهدف من الاستثمار هو" خدمة السكان" أولاً، و" الفعالية" ثانياً، وليس العكس، تبعا له.
ويشير الصفدي الى أن التحدي لا يكمن بعدم وجود الأفكار أو التمويل، بل القدرة على" تحويل المشاريع المؤقتة إلى إرث دائم".
وهذا يتطلب، بحسبه، ثلاثة أمور رئيسية من بينها أن يكون هناك" رؤية واضحة" لما نريد أن تبدو عليه المدينة بعد عشر سنوات، وليس فقط أثناء أيام الفعالية.
والأمر الثاني يلخصه بوجود" جهة مسؤولة" عن متابعة الإرث التنموي للفعالية، وضمان استمرار المشاريع بعد انتهائها، فضلاً عن قياس النجاح عبر أثره على المواطنين، مثل تحسين التنقل، ورفع جودة الخدمات، وزيادة المساحات الخضراء، وليس فقط بعدد الزوار، أو حجم التغطية الإعلامية.
وقدم الصفدي عدة مقترحات للخروج من التفكير في الفعاليات كأحداث منفصلة، وتحويلها إلى ما أسماه بـ" منصات لتجربة المستقبل"، من بينها تحويل مناطق استضافة الفعاليات، إلى نماذج مصغرة للمدن الذكية، وتوظيف البيانات الناتجة عن الفعاليات لتحسين التخطيط، واتخاذ القرار مستقبلاً.
ومن وجهة نظر الخبير في إدارة المدن م.
فوزي مسعد، فإن الفعاليات الكبرى يجب أن تعامل كأدوات" لتسريع التحول الحضري"، وليس" كأحداث مؤقتة"، لذلك فإن أي استثمارات تنفذها البلديات، أو أمانة عمان الكبرى استعدادا لبطولة، أو مهرجان، أو مؤتمر دولي يجب أن تكون جزءا من" رؤية تنموية طويلة الأمد للمدينة".
وأشار لـ" الغد" الى أنه بدلا من الاكتفاء بتأهيل الطرق، أو الأرصفة لخدمة الفعالية فقط، يمكن استثمار هذه المخصصات بأنظمة النقل الذكية، وإدارة المرور بالاعتماد على البيانات اللحظية، وتوسيع مسارات المشاة، والدراجات، وتركيب الإضاءة الموفرة للطاقة، وأنظمة المراقبة البيئية، والبنية التحتية الرقمية.
كما يمكن، بحسبه، تحويل مواقع الفعاليات إلى مساحات عامة متعددة الاستخدامات، ومراكز للابتكار، والأنشطة المجتمعية بعد انتهاء الحدث.
وشدد على أن المدن الناجحة هي التي تبدأ التخطيط للإرث منذ اليوم الأول، بحيث يكون لكل مشروع منفذ أثناء الفعالية" وظيفة مستدامة تخدم السكان لعقود لاحقة".
وهذا التحول، بحسبه، يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية، وبيئية متكاملة، فعلى المستوى الحضري سيسهم في تحسين جودة الحياة، وتقليل الازدحام، ورفع كفاءة الخدمات العامة، وتعزيز جاذبية المدن للاستثمار والسياحة.
أما بيئيا فإن ذلك سيدعم خفض الانبعاثات الكربونية، وتحسين كفاءة الطاقة والمياه، وزيادة المساحات الخضراء، وتعزيز استخدام وسائل النقل المستدامة، تبعا له.
ولا يقتصر الأمر على ذلك فيؤكد مسعد على أن هذا النهج ينسجم بصورة مباشرة مع أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف الـ11 المتعلق بالمدن والمجتمعات المستدامة، والهدف الـ13 المتعلق بالعمل المناخي.
وضرب مثالاً على ذلك بأن التجارب العالمية مثل باريس 2024 وإكسبو دبي، تشير إلى أن الفعاليات الكبرى يمكن أن تصبح مختبرات لتجربة" حلول مبتكرة" بمجالات الطاقة والنقل، والخدمات الذكية قبل تعميمها على مستوى المدينة بأكملهاولتفعيل هذا التوجه حث مسعد على ايجاد خطة واضحة لإرث الفعالية قبل اعتماد أي مشروع، أو إنفاق أي مخصصات، والذي يجب أن يترافق مع وجود تنسيق مؤسسي بين البلديات والحكومة، والقطاع الخاص والجامعات، والمجتمع المحلي لضمان أن تخدم الاستثمارات احتياجات المدينة الحقيقية.
ومن بين توصياته أيضاُ اعتماد نهج قائم على البيانات والمؤشرات لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي، والبيئي لهذه الاستثمارات، إضافة إلى إنشاء آليات" حوكمة واضحة" تضمن استمرارية المشاريع بعد انتهاء الفعالية.
ودعا لإعطاء الأولوية لإعادة استخدام البنية التحتية القائمة، وتطويرها بدلا من إنشاء مرافق جديدة قد تصبح" غير مستغلة مستقبلا".
وفي الحالة الأردنية يمكن أن تصبح كل فعالية كبرى فرصة لتجريب حلول ذكية في إدارة الحركة المرورية، والطاقة المتجددة، والمساحات العامة، والخدمات الرقمية، بحيث تتحول المدن تدريجيا إلى مدن أكثر ذكاء واستدامة، وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل، بحسبه.
وخلص مسعد الى أن قيمة الفعاليات الكبرى لا تقاس بعدد الزوار، أو أيام الحدث، بل بالإرث الذي تتركه للمدينة.
وشدد على أن المدن الأردنية إذا نجحت في تحويل الاستثمارات المرتبطة بالفعاليات إلى مشاريع دائمة في النقل الذكي، والطاقة المستدامة، والمساحات العامة، والخدمات الرقمية، فإن كل فعالية ستصبح" فرصة لتسريع التحول" نحو مدن أكثر ذكاء واستدامة، وجودة للحياة.
الأردن لديه شبكة علاقات واسعةويتمتع الأردن بشبكة واسعة من العلاقات الدولية تجعله" محطة مهمة" للقاء المنظمات والخبراء، وتبادل الخبرات في مجالات التنمية المستدامة، وجذب الاستثمار، التي تعتمد بجوهرها على وجود بيئة" مكانية حاضنة" يوفرها التخطيط الحضري" الرشيد"، وفق مستشار العمارة والتصميم الحضري، د.
مراد الكلالدة.
ويستضيف الأردن عدداً من المنظمات الدولية كمقار رئيسية، أو مكاتب إقليمية ومحلية التي تنظم بشكل دوري مؤتمرات، وورش عمل، وندوات متخصصة في قضايا الإدارة المحلية، والتخطيط الحضري، والتنمية المستدامة.
بحسبه.
ويلاحظ، بحد قوله لـ" الغد" أن المنظمات الدولية تنفق مبالغ كبيرة على المؤتمرات والندوات، وبرامج بناء القدرات والمشاركات الخارجية، وتحرص على إشراك مسؤولين وموظفين من البلديات، والإدارات المحلية في زيارات ميدانية لمدن حققت تجارب ناجحة في العمل البلدي، والتخطيط الحضري.
إلا أن الأثر الملموس لهذه المشاركات على الواقع المحلي" ما يزال محدوداً"، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول" جدوى هذا الإنفاق"، و" آليات قياس عوائده التنموية"، كما ذكر.
وأكد على أنه من الضروري إعادة توجيه الجزء الأكبر من المنح الدولية نحو مشاريع حضرية" محددة وقابلة للقياس"، بدلاً من التركيز على الأنشطة النظرية، وفي المقابل، لا يمكن إغفال" الجهود العلمية والمهنية" التي تبذلها الجامعات، والمؤسسات المحلية في هذا المجال.
إلا أن القيمة الحقيقية للتوصيات التي تخرج بها المؤتمرات، في رؤيته، لا تكمن في" صياغتها أو نشرها"، بل في قدرتنا على تتبع" تنفيذها وقياس أثرها".
وبناء على ذلك دعا لإنشاء سجل وطني رقمي لتوصيات المؤتمرات والورش والدراسات المتعلقة بالتخطيط والتنمية المحلية، بحيث لا يكون مجرد أرشيف إلكتروني للوثائق، وإنما منصة" حوكمة ومتابعة تعمل"، وفق منهجية" واضحة وقابلة للقياس".
ولفت الى أنه يمكن أن يقوم هذا السجل على نمذجة التوصيات ضمن خوارزمية متابعة تبدأ بإدخال التوصية وتحديد الجهة المسؤولة عن تنفيذها، والجهات الشريكة، والإطار الزمني المستهدف، والموارد المطلوبة، ثم ربطها بمجموعة من مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) التي تسمح بقياس مستوى الإنجاز بشكل دوري.
ولكن التحدي الحقيقي الذي يراه لا يكمن في نقص الدراسات أو المؤتمرات، أو التوصيات، بل في" غياب آليات مؤسسية" تضمن تحويل المعرفة المتراكمة إلى" سياسات ومشاريع"، و" تشريعات قابلة للتنفيذ".
وشدد على أن نجاح أي مؤتمر لا يقاس بعدد الحضور، أو الأوراق المقدمة، وإنما بقدرته على إحداث" تغيير حقيقي" يمكن قياسه في المدن والمجتمعات التي يستهدفها.
وعندما تصبح التوصية رقماً في سجل وطني رقمي، ومؤشراً قابلاً للقياس، ومسؤولية محددة لجهة معلومة، فإنها تنتقل من" رفوف الأرشيف" إلى" دائرة الفعل والتأثير"، وهو ما تحتاجه منظومة التخطيط والتنمية المحلية في الأردن اليوم أكثر من أي وقت مضى، كما أفاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك