يثير تنامي هجرة أطباء المغرب، وخصوصاً إلى أوروبا وكندا، قلقاً متزايداً داخل القطاع الصحي الذي يعاني مشكلات عدة، تشمل ضعف التجهيزات، والتفاوت الكبير في التوزيع الجغرافي للمراكز الطبية، وقلة الموارد البشرية التي تعد أبرز مشكلات القطاع.
وحذرت عدة تجمعات نقابية طبية من تداعيات هجرة الأطباء المغاربة على جودة الخدمات الصحية، وأشارت إلى أن النقص القائم في الموارد البشرية الطبية يقدر بنحو 32 ألف طبيب، في حين يهاجر 700 طبيب وطبيبة تقريباً كل سنة بحثاً عن ظروف مهنية ومادية أفضل، ما يفاقم أزمات القطاع الصحي على مستوى توفير الخدمات الطبية بمختلف الجهات.
ويرى المهنيون أن استمرار هجرة الكفاءات الطبية يهدد الجهود المبذولة لإصلاح المنظومة الصحية، كما يفرض تحديات إضافية على مبدأ تحقيق العدالة الصحية وضمان استفادة المواطنين من خدمات علاجية ذات جودة.
مشددين على أهمية اعتماد إجراءات عملية للحفاظ على الكفاءات الوطنية، عبر تحفيزها على عدم الهجرة، من خلال تحسين ظروف الممارسة المهنية وتحديث الإطار التنظيمي.
ويؤكد الباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، لـ" العربي الجديد"، أن" ظاهرة هجرة الأطباء المغاربة تؤشر من حيث حجمها وتداعياتها وآفاقها إلى وضع خطر، إذ باتت تمثل مشكلة هيكلية تتطلب اشتغال السلطات على تلافي انعكاساتها السلبية.
حجم الظاهرة يمكن مقاربته من مستويات عدة، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى وجود نحو 29 ألف طبيب مغربي، من بينهم 14 ألفاً في القطاع العام و15 ألفاً يعملون في القطاع الخاص، فيما يمارس أكثر من 14 ألف طبيب المهنة خارج البلاد، وسط معدل احتياج بشري يصل إلى 34 ألف طبيب لتلبية معايير منظمة الصحة العالمية".
ويضيف الطيب حمضي أن" الأرقام الرسمية تكشف أن معدل الأطباء في المغرب يصل إلى نحو 7.
3 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، فيما تحث منظمة الصحة العالمية على توفير 15.
3 طبيباً لكل 10 آلاف شخص وهذا هو الحد الأدنى.
في المقابل، يهاجر 30% من الأطباء المتخصصين سنوياً، أي إن طبيباً من بين كل ثلاثة أطباء يهاجر، وفق دراسة نشرت في عام 2022، وكشفت كذلك أن 7 طلاب من بين 10 أنهوا دراستهم الطبية في المغرب أعلنوا أنهم يعتزمون مغادرة البلاد بمجرد تخرجهم".
ويربط الباحث في النظم والسياسات الصحية ارتفاع معدلات هجرة الأطباء المغاربة نحو أوروبا وكندا على وجه الخصوص، بأسباب عدة، مسجلاً أنها الأسباب نفسها تقريباً في دول مثل مصر وتركيا وتونس والجزائر، حيث يتعلق قرار الهجرة بضعف الأجور في القطاع العام، وضعف المداخيل في القطاع الخاص، وظروف التدريب التي لا ترقى إلى تطلعات طلبة الطب في ظل تراجع أعداد الأساتذة ونقص التجهيزات، فضلاً عن أسباب أخرى تتعلق بغياب الآفاق المستقبلية، وصورة الطبيب النمطية التي تروّجها وسائل الإعلام.
وفي ظل هذا الواقع السيئ، يحذر حمضي من أن" ظاهرة الهجرة ستستمر في التفاقم مستقبلاً، ما يقتضي الإسراع بإيجاد حلول ملائمة، خاصة في ظل تعمّق النقص الحاصل في الكوادر الطبية، من جراء هجرة نحو ثلث أطباء البلاد، في مقابل وجود مشاريع طموحة تخص تعميم التأمين الصحي الإجباري، التي لا يمكن نجاحها من دون توفير الكوادر الصحية".
وإلى جانب التداعيات السلبية لهجرة الأطباء على الوضع الصحي، من قبيل تزايد وفيات الأمهات والأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات، تبرز خسائر أخرى تتعلق بالنفقات الكبيرة لتخريج الأطباء، والذين تحول هجرتهم دون استفادة وطنهم من كفاءاتهم وخبراتهم.
وبحسب تقرير أصدرته المجلة الطبية البريطانية في يناير/ كانون الثاني 2021، فإن كلفة هجرة أطباء المغرب تتراوح ما بين 0.
10% و0.
25% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يظهر الحجم الكبير لما يخسره المغرب سنوياً من جرّاء استمرار تلك الظاهرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك