يعاني أهالي مدينة الأبيض السودانية، وآلاف النازحين داخلها، أزمات معيشية يومية ناتجة عن الحصار المفروض عليها، وتكرار قوات الدعم السريع قصفها، ما يؤدي إلى نقص في المواد الغذائية، وشح مياه الشرب.
تعيش مدينة الأبيض العاصمة التاريخية لإقليم كردفان في وسط السودان، أزمة إنسانية وأمنية بالغة الخطورة، بسبب تنامي النشاط العسكري في محيطها، ومحاولات قوات الدعم السريع المتكررة للسيطرة عليها، مستخدماً الهجمات البرية المتقطعة، والمسيرات التي تقصف المناطق السكنية والمرافق الخدمية، بينما تؤوي المدينة آلاف النازحين.
ومنذ مطلع يونيو/حزيران الجاري، تحولت الأبيض إلى ساحة حرب تستبيحها المسيرات، وفي العاشر من يونيو، استهدفت مسيرة مقابر المدينة أثناء تشييع جنازة، ما خلف خمسة قتلى من المشيعين والعديد من الجرحى، وفي 11 يونيو، استهدفت مسيرة أحياء المطار والموظفين وصالحين، ومحيط قيادة الجيش، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً، وفي 14 يونيو، قصفت مسيرة عدداً من المواقع داخل المدينة، من بينها محطة وقود، وفي السابع عشر من يونيو تعرضت محطة الكهرباء الرئيسية للقصف، فغرقت المدينة في ظلام دامس.
وخلفت الهجمات العسكرية المستمرة على المدينة أزمة خانقة في الخدمات الأساسية، خصوصاً مياه الشرب والصحة والمواد الغذائية والوقود.
ووفق مصادر ميدانية، فقد طاول القصف نحو عشر محطات وقود، فضلاً عن قصف عدة ناقلات وقود كانت تحاول دخول المدينة، ما أدى إلى تعطيل حركة النقل العام، وتوقف المؤسسات الخدمية عن العمل، بما فيها محطات إنتاج وتوزيع المياه، والمستشفيات والمراكز الصحية.
من مدينة الأبيض، يقول عبد العزيز محمد لـ" العربي الجديد"، إن سعر برميل مياه الشرب وصل إلى 25 ألف جنيه سوداني (نحو 7 دولارات)، مشيراً إلى أنه رغم هذه الأسعار الباهظة، فأحياناً لا تتوفر المياه، لأن أصحاب الصهاريج" التناكر" التي تجلب المياه من خارج المدينة توقفوا عن العمل بسبب التهديدات الأمنية الناتجة عن خطر المسيرات.
ويضيف عبدالعزيز: " أصبحت قوات الدعم السريع تستهدف كل المركبات المتحركة حول وداخل المدينة، ولا تفرق بين المركبات العسكرية والمدنية، حتى تلك التي تحمل مواد غذائية أو مياه الشرب أصبحت عرضة للقصف، كما تأثرت الأوضاع الصحية بسبب انقطاع الكهرباء، والتهديدات الأمنية على الطرق، وتوقفت وسائل النقل العام عن دخول المدينة، ما قاد لانعدام الأدوية الضرورية، خاصة المحاليل الوريدية، والعقاقير المستخدمة في علاج الإصابات والجروح".
بدوره، يصف سليمان عوض، وهو كادر طبي في المدينة، الأوضاع بأنها متأزمة بسبب استمرار سقوط قتلى ومصابين نتيجة تناثر شظايا قذائف المسيرات التي تستهدف الأحياء السكنية والمنازل.
ويقول لـ" العربي الجديد": " كثيراً ما يتوقف العمل في المستشفيات القليلة التي لا زالت تعمل بسبب القصف، وتضطر الكوادر الطبية أحياناً إلى إطفاء الأنوار حتى لا يتم استهدافهم، أو استهداف المرضى بالمسيرات.
الكوادر الطبية تشعر بالرعب أثناء عملها داخل المستشفيات، والتي يفترض أن تكون من بين الأماكن الأكثر أمناً".
ويشير عوض إلى أن" العديد من المراكز الصحية صارت تعمل في أيام محددة لأنها تواجه صعوبات كبيرة في توفير أبسط الأشياء، مثل مياه الشرب، في حين تعاني كل أحياء المدينة من أزمة مياه حادة".
وتفاقمت مأساة الأبيض مع وجود آلاف النازحين داخل مخيمات بائسة، ومعظمهم من النساء والأطفال الذين جاءوا من النهود وبارا والخوي وبابنوسة والدبيبات وكازقيل والحمادي، وجميعهم يواجهون صعوبات كبيرة نتيجة ارتفاع كلفة المعيشة، وشح المياه، ولا يمكنهم النزوح مجدداً بسبب نفاد مدخراتهم، وهم يعيشون تحت وطأة غارات المسيرات التي شلت الحياة في المدينة، وزادت تعقيدات الوضع الإنساني، وجعلتهم عالقين داخل المدينة التي تلفظ أخر أنفاسها تحت الحصار.
وتقول عائشة، وهي نازحة من النهود، لـ" العربي الجديد": " قبل الحصار واشتداد الهجوم بالمسيرات كان وضع النازحين في غاية السوء وقد تدهور أكثر حالياً وصارت كثير من الأسر النازحة تتناول وجبة واحدة بسبب شح المواد الغذائية وارتفاع أسعارها في السوق".
وأضافت الأم لستة أبناء أصغرهم طفلة في عامها الرابع: " نعيش داخل الأبيض في انتظار وقوع الكارثة، ولو كانت لدينا إمكانيات مالية لما تأخرنا في المغادرة ليوم واحد.
من يريد مغادرة الأبيض يحتاج إلى أموال كثيرة لشراء التذاكر، وكذلك عليك الانتظار لأيام حتى تجد مقعداً في وسيلة نقل لأن الحجوزات مكتملة لأيام طويلة مقبلة".
وحذر عدد من الأطباء من كارثة تلوح في الأفق نتيجة حالة التحشيد العسكري، ويقول طبيب يعمل بمستشفى الأبيض الحكومي لـ" العربي الجديد": " الوضع في غاية الخطورة، ومن غير المستبعد انتشار الأمراض أو تفشي الكوليرا في المدينة بسبب التلوث البيئي وانعدام مياه الشرب النقية، فضلاً عن ضعف الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين الذين أصبحوا شبه محاصرين في منازلهم".
وأضاف الطبيب الذي فضل عدم ذكر اسمه لدواع أمنية: " يواجه المرضى صعوبات كبيرة في الحصول على الرعاية الطبية ومع تزايد أعداد جرحى قصف المسيرات والهجمات تتعاظم الضغوط على المستشفيات القليلة ما يمهد لانهيار القطاع الصحي المنهك بشدة حتى قبل حصار المدينة، ويضع حياة السكان في دائرة الخطر".
ويقول عبدالله أحمد، وهو نازح من بارا يقيم حالياً في أحد مخيمات الأبيض لـ" العربي الجديد"، إن النازحين إلى الأبيض لم يتبق لديهم الكثير من الخيارات الجيدة، ورغم ذلك ما زالوا باقين في خيامهم لأنهم لا يملكون الأموال التي تمكّنهم من النزوح من جديد، خصوصاً أن عملية النزوح الجديدة لن تكون ميسّرة بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وعدم وجود مدينة قريبة آمنة في إقليم كردفان، كما أن الطُرق التي تقود إلى خارج الأبيض شبه مغلقة، وهناك مخاطر كثيرة تحول دون النزوح.
بدورها، تقول سامية يعقوب، وهي نازحة من ولاية غرب كردفان لـ" العربي الجديد": " لا توجد وجهة قريبة يمكن للنازحين الهروب إليها، وأقرب مدينة هى العاصمة الخرطوم، لأن قوات الدعم السريع إذا سيطر على الأبيض سيتمكن من الانقضاض على بقية المناطق القريبة منها".
وتضيف يعقوب: " المواد الغذائية تكاد تنفد، ومياه الشرب أصبح الحصول عليها مشقة يومية، والكهرباء مقطوعة نهائياً، والأمطار بدأت في الهطول، وكل هذه الأمور تجعل حياة النازحين جحيماً، لكن ليس أمامهم خيارات".
ويتزامن شح الوقود في المدينة مع ارتفاع فاحش في أسعار المواد الغذائية نتيجة ارتفاع كلفة ومخاطر النقل، إلى جانب توقف وسائل النقل العام.
تقول سماهر السيد لـ" العربي الجديد": " توقفت المواصلات الداخلية تماماً، وارتفعت تذاكر الحافلات إلى أربعة أضعاف قيمتها في شهر مايو/أيار الماضي، بسبب الإقبال المتزايد على السفر إلى خارج المدينة نحو المناطق التي تتميز بأمان نسبي.
الوضع غير مطمئن، والناس يشعرون بذعر حقيقي من اقتراب دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة التي سبق لها أن عاشت فترة حصار طويلة امتدت منذ بداية الحرب، وانتهت في فبراير/شباط 2025، عندما تمكن الجيش من طرد الدعم السريع من المناطق المجاورة، قبل أن يتمكن من العودة للمرة الثانية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك