يتناقض التبدل الذي يحصل اليوم في الشرق الأوسط مع أهم سيناريو تم وضعه لِما بعد العدوان على إيران، ويصب مباشرة في صالح مخرجات معركة طوفان الأقصى بما فيها عزل الكيان عن المنطقة وعن العالم، مما يجعله تحولا استراتيجيا بمعنى الكلمة.
لقد كان الهدف الأول من شن الحرب الثنائية على إيران هي الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية العائق الأخير من منظور الثنائي الأمريكي – الإسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة وفق منظورهما المشترك وتثبيت ما اعتبراه سياسة القضاء على محور المقاومة وإفشال تداعيات معركة طوفان الأقصى.
لم تنجح هذه الحرب المباغتة، رغم استخدام أقصى ما يمكن من وسائل التدمير والتجسس فيها بسبب الصمود الإيراني المتين واستيعاب الضربة القوية الأولى، ثم الرد بقوة مماثلة من دون تردد وعلى أوسع نطاق.
ولذلك فإن هذا العدوان على إيران لم يفشل فحسب، بل أوجد واقعا مخالفا تماما لما كانت تسعى الحرب لتحقيقه: بناء شرق أوسط جديد تكون “إسرائيل” هي محوره ومحركه الأساس.
لقد بدأ بالفعل يتشكل “شرق أوسط جديد” ولكن بمنظور مختلف تماما، لا مكان فيه للكيان الصهيوني هذه المرة، أو هي مكانة ثانوية ستتلاشى مع مر السنوات.
المسألة الجوهرية التي أوصلتنا إلى هذا الواقع الجيواستراتيجي الجديد، أنه بعد فشل العدوان على إيران، فشلت المراهنة على تحويل النزاع إلى عربي – فارسي على طريقة العراق – إيران.
وهنا كان لتدخل الجار الباكستاني في المعادلة دور كبير ليس فقط كوسيط بين إيران والولايات المتحدة، بل وبينها ودول الخليج العربية.
ويبدو أن هذا الدور كان حاسما في التأثير على مخرجات هذه الحرب.
وهو ما ينبغي تسجيله لهذه القوة النووية الجارة لإيران الصديقة للعرب.
كانت الرادع النووي للكيان الصهيوني والقادر على طمأنة حلفائها من أي تهديد من الكيان باستخدام السلاح النووي ضدهم بما في ذلك ضد إيران.
والدور الأهم الثاني كان لتركيا التي لم تنسق ضمن الاستراتيجية الأمريكية في إعلان العداء لإيران، وساهمت في جعل الموقف السوري الحالي يمتنع عن المشاركة في أي صراع بيني عربي – عربي بالتدخل في لبنان ضد حزب الله، فضلا عن إعلان رئيسها العداء الصريح لـ”نتن ياهو” رغم العلاقات الدبلوماسية القائمة بين البلدين، مما اضطر بعض الجهات الصهيونية إلى اعتبار تركيا أخطر من إيران في تهديدها للكيان.
ومُحصِّلة الدورين أنتجت كما تابعنا، اللقاء الرباعي السعودي الباكستاني التركي المصري الذي بات واضحا أنه الجواب الفصل لطبيعة التحولات القادمة في الشرق الأوسط.
فهو لا يشكل تحالفا ضد إيران بالنظر لوجود الفاعل الباكستاني، ولا هو “تحالف” للقبول بالمفهوم الاسرائيلي للشرق الأوسط بالنظر لوجود المملكة العربية السعودية الرافضة لأي تطبيع في ظل عدم الاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية ضمن إطار المبادرة العربية للسلام، بل هو تصور يلغي المشروع “الإسرائيلي” في المنطقة وسيضطر الكيان إلى القبول بقواعد اللعبة الإقليمية والدولية من الآن فصاعدا.
وهذه القواعد تتقاطع في كثير من النقاط مع خط المقاومة الفلسطينية وما استهدفته معركة طوفان الأقصى.
وما يعزز هذا التوجه، مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، هو أن الصين وروسيا يخدمهما اقتصاديا وسياسيا، ويفتح لهما فرصا أكبر لتعزيز موقعهما ومكانتهما في الشرق الأوسط والبلاد العربية.
لقد برهنتا على أنهما حليفان موثوقان من خلال عدم التخلي عن إيران في الدفاع عن نفسها سواء من خلال الدعم اللوجيستي في الميدان أو الدعم السياسي والدبلوماسي في الأمم المتحدة، كما برهنتا من خلال تنسيقهما الثنائي الاستراتيجي أنهما قادرتان على تقديم البدائل لأكثر نفعا لدول المنطقة.
وإذا اجتمعت هذه العناصر تجعلنا نستخلص أن الشرق الأوسط والمنطقة العربية والإسلامية ستعيد تشكيل نفسها في العقد القادم بطريقة أخرى، مستفيدة من خاصية لم تكن في السابق متوفرة لديها: لقد تحولت سياسة الكيان الصهيوني لأول مرة بعد فشل العدوان على إيران من الفعل واستباق الفعل إلى ردة الفعل، وهذا تحول نوعي غير مسبوق ينبغي استثماره بكفاءة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك