عمان - رغم التحديات والإكراهات التي واجهت الاقتصاد الأردني خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، نتيجة حالة الصراع التي شهدتها المنطقة وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية واسعة، جاء قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي باستكمال المراجعة الخامسة لترتيبات الأردن ضمن برنامج تسهيل الصندوق الممدد، والمراجعة الثانية ضمن تسهيل المرونة والاستدامة، ليشكل مؤشرا إيجابيا جديدا على متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على الحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية مضطربة.
اضافة اعلانوأكد الصندوق في بيانه الأخير أن الأردن نجح في الحفاظ على استقراره الاقتصادي الكلي رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب في الشرق الأوسط، مرجعا ذلك إلى السياسات الاقتصادية الحكيمة، واستمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، إلى جانب الدعم الدولي القوي الذي تحظى به المملكة.
وأشار الصندوق إلى أن تداعيات الحرب انعكست على عدد من القطاعات الاقتصادية، من خلال اضطرابات مؤقتة في أسواق الطاقة، وتراجع النشاط السياحي، وارتفاع تكاليف الشحن، إلا أن معظم القطاعات الاقتصادية واصلت نشاطها بصورة طبيعية، فيما استفادت بعض القطاعات من ارتفاع الطلب الخارجي وتحسن أسعار عدد من الصادرات الأردنية.
وفي الوقت ذاته، حافظت معدلات التضخم على مستويات معتدلة، فيما بقيت الاحتياطيات الأجنبية عند مستويات مريحة تدعم الاستقرار النقدي والمالي، الأمر الذي أسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
كما أبدى الصندوق نظرة إيجابية تجاه آفاق الاقتصاد الأردني، متوقعا تسارع وتيرة النمو خلال عام 2027 بدعم من مشاريع استثمارية كبرى يجري العمل على تنفيذها، رغم استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وعكس تقييم الصندوق مستوى مرتفعا من الرضا عن أداء البرنامج الاقتصادي الأردني، إذ أكد أن الأداء لا يزال قويا في إطار الترتيب المدعوم من الصندوق، مع استيفاء جميع معايير الأداء الكمية ومعظم الأهداف الإرشادية حتى نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2025 وآذار (مارس) 2026.
كما أشار إلى إنجاز جميع المعايير الهيكلية المرتبطة بالمراجعة الخامسة، واستمرار التقدم في تنفيذ لإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، بما يعزز كفاءة الاقتصاد ويرفع قدرته على تحقيق النمو المستدام.
وفي الجانب المالي، أشاد الصندوق بقدرة الحكومة على المحافظة على الانضباط المالي رغم الظروف الخارجية الصعبة، مؤكدا استمرار الالتزام بمسار الضبط المالي التدريجي الهادف إلى وضع الدين العام على مسار هبوطي مستدام، من خلال تنفيذ استراتيجية الإيرادات متوسطة الأجل، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وخفض خسائر المرافق العامة، مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي والتنموي وتعزيز استدامة نظام التقاعد.
أما على صعيد السياسة النقدية، فقد اعتبر الصندوق أن النهج المتبع من قبل البنك المركزي الأردني لا يزال مناسبا لحماية الاستقرار المالي والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وهو ما شكل خلال السنوات الماضية أحد أهم عناصر القوة في مواجهة التقلبات الاقتصادية الخارجية.
وفي المقابل، شدد الصندوق على أهمية مواصلة الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز المنافسة، وزيادة مرونة سوق العمل، وخفض تكاليف التشغيل والتوظيف الرسمي، باعتبارها عناصر أساسية لتحفيز النمو الاقتصادي بقيادة القطاع الخاص وتوفير المزيد من فرص العمل.
ومن الناحية التمويلية، يتيح استكمال المراجعتين للأردن الحصول على نحو 134 مليون دولار بموجب برنامج تسهيل الصندوق الممدد، إضافة إلى نحو 54 مليون دولار ضمن تسهيل المرونة والاستدامة، بما يعزز قدرة المملكة على مواصلة تنفيذ برنامجها الاقتصادي ودعم الاستقرار المالي والنقدي.
وتكتسب هذه التدفقات التمويلية أهمية خاصة في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين، إذ تسهم في دعم الاحتياطيات الأجنبية وتخفيف الضغوط التمويلية الخارجية، فضلا عن توفير مصادر تمويل ميسرة للاقتصاد الوطني.
وكان المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي قد وافق في كانون الثاني (يناير) 2024 على برنامج التسهيل الممدد للأردن لمدة أربع سنوات بقيمة تقارب 1.
3 مليار دولار، فيما تمت الموافقة على برنامج تسهيل المرونة والاستدامة في حزيران (يونيو) 2025.
وتحمل نتائج هذه المراجعة مجموعة من الرسائل الاقتصادية المهمة.
أولى هذه الرسائل أن السياسات المالية والنقدية الأردنية ما تزال تسير في مسار متوافق مع متطلبات الاستدامة الاقتصادية والمالية.
أما الرسالة الثانية فتتمثل في استمرار قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على توازناتها الاقتصادية الأساسية.
وتؤكد الرسالة الثالثة أن المؤشرات الاقتصادية الرئيسة، بما فيها النمو والتضخم والاحتياطيات الأجنبية وأوضاع المالية العامة، ما تزال ضمن مستويات يمكن إدارتها والسيطرة عليها، في حين تتمثل الرسالة الرابعة في أن المخاطر الاقتصادية الناجمة عن التطورات الإقليمية، رغم ارتفاعها، لم تصل إلى مستويات تهدد الاستقرار الاقتصادي الكلي للمملكة.
ومن شأن هذه الرسائل أن تعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف الائتماني بالاقتصاد الأردني، إذ تنظر الأسواق عادة إلى المراجعات الإيجابية المتتالية باعتبارها مؤشرا على قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يسهم في تقليص حالة عدم اليقين وتحسين بيئة الاستثمار والتمويل.
كما تمثل نتائج المراجعة عاملا إيجابيا إضافيا في تقييم الجدارة الائتمانية للمملكة، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية والمالية الأخرى التي تتابعها مؤسسات التصنيف الدولية.
ولا تقتصر أهمية هذه المراجعة على تقييم الأداء الاقتصادي الحالي، بل تمتد إلى كونها تعكس ثقة صندوق النقد الدولي بقدرة الأردن على مواصلة إدارة التحديات الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، والحفاظ على الاستقرار في ظل بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة.
وتبرز أهمية هذه الثقة أيضا في تأثيرها المحتمل على كلفة التمويل وإمكانية الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، إذ إن ارتفاع مستوى الثقة بالاقتصاد الوطني ينعكس إيجابا على نظرة المقرضين والمستثمرين للمملكة، ما قد يتيح الحصول على التمويل بشروط أكثر ملاءمة مقارنة بالدول التي تواجه اختلالات اقتصادية أو مالية كبيرة.
ومن زاوية أخرى، فإن الإشادة بالتقدم المحرز في الإصلاحات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال تمثل رسالة إيجابية للقطاع الخاص، تؤكد أن الأردن يواصل العمل على تعزيز تنافسية اقتصاده وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، وهو ما يشكل شرطا أساسيا لرفع معدلات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.
وفي هذا الإطار، تبقى مواصلة وتسريع الإصلاحات الهيكلية ضرورة أساسية لتعظيم الاستفادة من مكتسبات هذه المراجعة، وبناء قطاع خاص أكثر ديناميكية وقدرة على قيادة النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
كما أن تعزيز مرونة سوق العمل، ورفع معدلات المشاركة الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وخفض كلف ممارسة الأنشطة الاقتصادية، تظل من الأولويات الضرورية لتحويل الاستقرار الاقتصادي الكلي إلى نمو أكثر شمولا وانعكاسا على مستويات المعيشة وفرص التشغيل.
وفي الوقت نفسه، سيبقى استمرار دعم المانحين والشركاء الدوليين عاملا مهما في مساندة جهود التنمية الاقتصادية، وتمكين الأردن من الاستمرار في تحمل الأعباء المرتبطة باستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين.
وفي المحصلة، فإن المراجعة الأخيرة لصندوق النقد الدولي لا تعني انتهاء التحديات الاقتصادية التي تواجه الأردن، لكنها تمثل شهادة ثقة دولية مهمة بقدرة الاقتصاد الوطني على الحفاظ على استقراره ومواصلة مسار الإصلاح رغم الظروف الإقليمية المعقدة، كما تعكس ثقة متزايدة بقدرة المملكة على التعامل مع التحديات المستقبلية بكفاءة ومرونة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك