في أواخر القرن التاسع عشر، وعلى أرصفة موانئ بيونس آيرس ومونتيفيديو، وقف السكان يراقبون بحارة السفن الإنكليزية وهم يطاردون كرة فوق ساحات ترابية مقفرة.
بدا المشهد في عيونهم المندهشة عبثياً، إلى حد أن وصفوهم بمجانين يلاحقون جماداً.
لم يكن على البال أو الخاطر أن هذه" البضاعة الاستعمارية" الملقاة بجانب أقمشة مانشستر وقروض مصرف بارينغز، ستصبح الديانة العلمانية الأولى للقارة، وأن أقدام الفقراء والزنوج في ضواحي البرازيل ستنتزعها من صالونات الأثرياء لتؤممها لحسابها الخاص، كي تلوّنها برقصة" الكابويرا" الحربية للعبيد، وتشكلها من تموجات الأجساد وانحناءات الخواصر وطيران الأرجل العفوي.
شيئاً فشيئاً تجاوزت هذه اللعبة حدود الملاعب، لتتسلل إلى كل تفاصيل الحياة اللاتينية؛ الأغاني والصحف والمقاهي والأساطير الشعبية، حتى غدت الأكثر حضوراً في المخيلة الجماعية للقارة.
غير أن هذا الحضور الطاغي لم يجد له موطئ قدم في عالم الرواية، إذ ظلت اللعبة عصية على القوالب الروائية، مما دفع أبرز كُتّاب القارة إلى التساؤل عن سر هذا الاستعصاء السردي، وكيف أفلتت الساحرة من شباك الرواية.
أحد أسباب استعصاء كرة القدم على الرواية أنها تجمع الملحمة والمأساة والملهاة في آنٍ، مكتفية بقوانينها ودراميتها الداخلية.
فهي عالم مغلق يروي نفسه بنفسه، واضعاً الأدب أمام سؤال شائك: كيف يمكن للكاتب أن يعيد سرد ما يكتمل بالفعل داخل المستطيلربما لهذا وجد الأدباء في الشعر والقصة القصيرة وسيلتَين أكثر قدرة على اقتناص جوهر اللعبة.
فبينما تميل الرواية إلى التمهل في بناء العوالم وتشريح تفاصيلها، تعيش كرة القدم على اللمحة الخاطفة والانقلاب المباغت ووهج اللحظة العابرة.
ولعل أثمن ما فيها لا يظهر في الحكاية الممتدة، بل بالأحرى في شراراتها المتناثرة: مراوغة خاطفة، قفزة مستحيلة، أو هدف يختصر مصير مباراة بأكملها، لذلك بدا الشعر، بخفته وكثافته وقدرته على التقاط التحول المفاجئ، الأقرب إلى نبض الملعب، كما نرى في قصيدة" كرة القدم" للشاعرة البيروفية بلانكا فاريلا: " تلاعب بالأرض/ كما لو أنك تلعبُ بكرة/ راقصها/ اصفعها في الصخر/ اجعلها تنفجِرْ/ فالأرضُ ليست شيئاً سوى ذلك/ أنتَ الآن في الحديقة/ حارسُ مرماي، وفزّاعتي/ أيا طفلي المخرب المشاكس/ والأرض تحت قدميك/ تدورُ كما لم تدُرْ قط/ فاتنة بشكلٍ مرعب".
الحضور الطاغي للكرة لم يجد له موطئ قدم في عالم الروايةتمزج فاريلا بين عنف الحركة وبراءة الطفولة، فتتحول الأرض إلى كرة، واللاعب إلى طفلٍ يلهو بالعالم كله بين قدميه.
وتكمن قوة القصيدة في الطريقة التي شُيّدت بها، فهي تجعل من اللغة وسيلة للحركة عن طريق توالي أفعال الأمر القصيرة" تلاعب"، " راقص"، " اصفع" بإيقاع متسارع يحاكي المراوغة وتبدل الاتجاهات المفاجئ داخل الملعب.
بين خفة الأقدام ورشاقة القصيدة، يخطو الشاعر الأوروغوياني، خوان بارا ديل رييغو، خطوة أبعد نحو التقاط الأثر الوجودي لكرة القدم وحرارة المستطيل الأخضر، مستنداً إلى مذهبه الشعري المعروف بـ" البوليريتميا" (Polirritmia)، وهو شعر يسعى بدوره إلى محاكاة الحركة والسرعة والإيقاع المتسارع لعصر الحداثة.
ففي قصيدته الشهيرة" إلى غرادين، لاعب كرة القدم"، تتحول اللعبة إلى قوة قادرة على زحزحة الإنسان من همه الداخلي ليلقي به في تيار الحياة المتدفق: " رأيتُكَ تلعب في تلك العشية الأولمبية/ بينما روحي مثقلة وواهنة/ بنشيج خفيّ.
".
يصور رييغو اللاعب بالشرارة التي تُعيد ترتيب الإيقاع المختل.
فمنذ اللحظة التي يظهر فيها غرادين راكضاً في الملعب، تبدأ القصيدة بالانتقال من حالة إلى حالة: " وما إن شقَّ الصفيرُ الآسرُ الفضاء/ وأبصرتك تعدو.
/ وتقفز.
/ حتى انفجر الهتاف! / وتدفّقت القمصانُ في نشوة عارمة/ خلف جنون الكرة البهلواني/ تعالت الـ" أوهات" والـ" زازات" / ومن أول وخزة خاطفة/ حين خاطت إبرة جسدك الملوّن/ نسيجَ المشهد/ أخذ قلبٌ جديد/ كمقدّمة سفينة متّقدة/ يدور فجأة في صدري/ ألف دورة/ أسرعَ فأسرع".
بدا الشعر بخفته وكثافته والتقاط المفاجأة أقرب إلى نبض الملعبتكشف هذه الديناميكية كيف تتحول طاقة اللاعب إلى قوة شافية تنتشل المتفرج من بؤسه الخاص إلى حالة من النشوة الجماعية، بحيث يتمكّن الركض الفردي فوق العشب من تشكيل موجة كهربائية تعبر المدرجات، فتتلاحم الأصوات والأنفاس في هتاف واحد، ويغدو الملعب فضاءً يعيد فيه الجمع اكتشاف نبضه المشترك خارج رتابة اليومي والعادي.
غير أن الشعر الأميركواللاتيني لم يكتفِ بالاحتفاء بخفة الحركة وسحر المراوغة.
فإلى جانب قصائد المجد والابتهاج الجماعي، ظهرت نصوص تنصت إلى الهزيمة والخذلان والهشاشة التي تتوارى خلف الأضواء.
لعل من أبرزها قصيدة" ملعب الفاتيكان" للشاعر البيروفي كارلوس خيرمان بييّي، التي تنقلنا من نشوة المدرجات إلى ما يلي انطفاء الهتاف، حيث يتدفق النص بإيقاع متثاقل يحاكي خطوات اللاعبين العائدين من الخسارة: " يعود لاعبو كرة القدم/ إلى غرف تبديل ملابسهم/ خطوة خطوة، منحنِي الرؤوس/ مرتجفين، يذرفون الدموع/ بين أطلال الغرب العتيقة الموقَّرة/ وحشود الشعراء الواثقين بأنفسهم/ ورافعي الأثقال وخريجي الصالات الرياضية/ سادة الحب والمال والصحة/ الذين يسخرون بعنف/ من لاعب كرة القدم الحسّاس/ المشرِّع الكوني".
لا ينشغل بيبي بالمباراة، بل بما تخلّفه في النفوس بعد انقضاء الفرجة، فاللاعبون يعبرون بين" أطلال الغرب العتيقة" وبين جموعٍ من الواثقين بأنفسهم: شعراء ورياضيين وأصحاب مال وصحة، جميعهم يراقبون المهزوم من موقع التفوق، بحيث تتحول الخسارة من نتيجة رياضية إلى اختبار لقيمة الإنسان في عالم لا يعترف إلا بإحراز الهدف.
تبلغ القصيدة ذروتها حين تصف اللاعب بـ" المشرّع الكوني الحسّاس".
فبدل أن يكون مجرد جسدٍ يتقن الركض وركل الكرة، يصبح كائناً يحمل على كتفيه آمال الجماعة ومخاوفها وأحلامها.
لذلك لا تبدو هزيمته شأناً فردياً، بل لحظة تتجسد فيها هشاشة البشر جميعاً أمام أحكام الجمهور وتقلّبات القدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك