يأخذ الفيلم النيوزيلندي «Marama» المشاهد في رحلة بصرية مشبعة بالأساطير والرموز الثقافية، مستحضراً صفحات من التاريخ الماوري في معالجة درامية تمزج بين التشويق والغموض والبعد النسوي.
ومن خلال شخصية امرأة شابة تواجه إرثاً من الجرائم والانتهاكات، يطرح العمل أسئلة عميقة حول الهوية والذاكرة والعدالة، في إطار سينمائي يحتفي بثقافة السكان الأصليين لنيوزيلندا ويدافع عن مكانة المرأة داخلها.
يحمل الفيلم اسم بطلته «ماراما»، التي تؤدي دورها أريانا أوزبورن، وهي شخصية قوية الحضور قليلة الكلام، تعتمد على نظراتها الحادة وإرادتها الصلبة أكثر من اعتمادها على الحوار.
وتصل ماراما إلى منطقة مجهولة من ماضيها العائلي استجابة لدعوة غامضة، لتجد نفسها أمام سلسلة من الأسرار المدفونة التي تمتد عبر أجيال متعاقبة من النساء.
تدور أحداث الفيلم في النصف الثاني من القرن السابع عشر، حيث يرسم المخرج النيوزيلندي تاراتوا ستابارد صورة لمجتمع فقد توازنه الأخلاقي والاجتماعي تحت سطوة رجال استغلوا السلطة والنفوذ، وحوّلوا النساء إلى ضحايا مهمشات فاقدات للحقوق والكرامة.
وتنتمي ماراما إلى عائلة ستيفنس، وهي سلالة نسائية ارتبطت بتاريخ طويل من الغموض والمآسي.
وعندما تلتقي بالرجل الذي استدعاها، توماس بويد، تتوقع العثور على إجابات عن مصير أفراد أسرتها، غير أن رحلتها تكشف شبكة معقدة من الأكاذيب والخداع والجرائم التي ظلت مخفية لسنوات طويلة.
وسرعان ما تتبدد الروايات المتناقضة التي تسمعها من المحيطين بها، خصوصاً بعد ظهور ناتانيال كول، الذي يخبرها بوفاة توماس ويكشف لها جانباً من تاريخ شقيقتها التوأم إميليا وابنتها الصغيرة آن.
ويقترح عليها أن تتولى رعاية الطفلة، في خطوة تبدو إنسانية في ظاهرها لكنها تخفي دوافع أخرى سرعان ما تنكشف.
ويعتمد الفيلم على بناء تشويقي متدرج، إذ تتصاعد الشكوك لدى ماراما تجاه الشخصيات المحيطة بها، إلى أن تتكشف الحقيقة الصادمة: النساء اللواتي اختفين من عائلتها لم يرحلن كما قيل لها، بل كن ضحايا سلسلة من الجرائم ارتُكبت بدافع الهوس بالجمال والهيمنة، لتجد نفسها أمام تاريخ دموي استهدف جدتها ووالدتها وشقيقتها وغيرهن من نساء العائلة.
وفي أحد أكثر المشاهد رعباً وتأثيراً، تكتشف ماراما غرفة سرية يحتفظ فيها الجاني بأجساد ضحاياه، في صورة رمزية تختزل سنوات طويلة من القمع والعنف.
عندها تتحول من باحثة عن الحقيقة إلى قوة انتقامية تسعى إلى استعادة العدالة، فتواجه المسؤول عن الجرائم وتنهي سطوته قبل أن تحرق المكان بكل ما يحمله من ذكريات مظلمة.
ولا يكتفي الفيلم بسرد قصة انتقام شخصية، بل يمنح بعداً حضارياً واضحاً من خلال دفاعه عن الثقافة الماورية وقيمها الأصيلة.
ويتجلى ذلك في المشهد الذي تواجه فيه ماراما الرحالة البريطاني جيمس كوك، معترضة على تصرف اعتبرته إساءة للرموز الثقافية الماورية، في لحظة تؤكد تمسكها بهوية أسلافها ورفضها أي انتقاص من إرثهم.
كما يمنح العمل مساحة مؤثرة للعلاقة بين ماراما والطفلة آن، أو «أناهيرا» بلغتها المحلية، حيث تتحول الأخيرة إلى رمز لاستمرار العائلة وبقاء نسلها.
ومن خلال احتضانها ورعايتها، تسعى ماراما إلى بناء مستقبل مختلف، يقوم على حماية النساء وصون الذاكرة العائلية ومنع تكرار المآسي التي عصفت بالأجيال السابقة.
وتبلغ الرسالة الإنسانية للفيلم ذروتها في ختامه، عندما تتعهد ماراما وأناهيرا بالسير معاً في طريق جديد يحفظ كرامة الراحلات ويصون إرث العائلة، في تأكيد على أن العدالة لا تقتصر على معاقبة الجناة، بل تشمل أيضاً حماية ما تبقى من الأمل والحياة.
وقد نجح المخرج تاراتوا ستابارد، الذي كتب السيناريو بنفسه، في تقديم عمل يجمع بين الدراما التاريخية والتشويق النفسي والبعد الثقافي، في فيلم يمتد لـ89 دقيقة، وبدأت عروضه العالمية في 12 فبراير الماضي، مقدماً حكاية عن امرأة لم تكتفِ بالانتقام لأرواح أسلافها، بل تحولت إلى حارسة لذاكرة شعب وثقافة بأكملها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك