لم تكمل الطفلة الفلسطينية بيلسان عيسى شهرها الأول بعد، ولم تتعرف إلى العالم سوى من خلال جدران المستشفى وأجهزة المراقبة الطبية وأصوات القلق التي تملأ المكان من حولها، ففي الوقت الذي يفترض أن تنام فيه الرضيعة بين ذراعي أمها، وتستقبل أيامها الأولى بالضحكات والدفء والطمأنينة، وجدت نفسها تخوض معركة مبكرة وقاسية من أجل البقاء.
منذ اللحظات الأولى لولادتها، لاحظ الأطباء أن شيئا ما ليس على ما يرام، كان لون جسدها يميل إلى الزرقة، وأنفاسها متقطعة، وحركتها أضعف مما ينبغي لطفلة جاءت إلى الحياة قبل أيام قليلة، لم تكن أسرتها تدرك أن صغيرتهم تحمل في قلبها مرضا خطيرا يهدد حياتها في كل دقيقة تمر.
بعد سلسلة من الفحوصات الطبية الدقيقة، جاءت الحقيقة صادمة، بيلسان تعاني من رتق الصمام الرئوي، وهو تشوه خلقي خطير في القلب يمنع وصول الدم بصورة طبيعية إلى الرئتين للحصول على الأكسجين اللازم للحياة، لم يكن ذلك مجرد تشخيص طبي عابر، بل كان إعلانًا عن رحلة طويلة من الألم والخوف والانتظار.
ومع مرور الأيام، ازدادت معاناة الرضيعة الصغيرة، فقد تسبب المرض في انخفاض نسبة الأكسجين في دمها إلى مستويات خطيرة للغاية، وصلت إلى نحو 25% فقط، وهي نسبة تهدد أعضاء الجسم كافة وتحرمها من أبسط مقومات النمو الطبيعي، كما أصيبت بحالة من الحماض الاستقلابي الحاد نتيجة النقص المستمر في الأكسجين، ما جعل حالتها الصحية تدخل دائرة الخطر الشديد.
تنظر الأم إلى طفلتها الراقدة على سرير المستشفى بعينين مثقلتين بالخوف، حيث تحاول أن تلمس يديها الصغيرتين بين الحين والآخر، وكأنها تطمئن نفسها بأن الحياة ما زالت تسري في ذلك الجسد الهش، وبين دعاء وآخر، تتعلق بأمل واحد فقط، أن تتمكن ابنتها من الوصول إلى العلاج قبل أن يسبقها المرض.
وكشفت الفحوصات كذلك عن وجود ثقب بين الأذينين وقناة شريانية مفتوحة، وهما المساران الوحيدان اللذان يسمحان حاليا باستمرار تدفق الدم إلى الرئتين وبقائها على قيد الحياة، ورغم خطورة هذه التفاصيل الطبية، فإن الأطباء أكدوا وجود فرصة حقيقية للنجاة، بعدما أظهرت الفحوص أن الشريان الرئوي وفروعه بحجم جيد، وهو ما يمنح بيلسان إمكانية الاستفادة من التدخلات العلاجية المتخصصة إذا وصلت في الوقت المناسب إلى مركز متقدم لجراحة وقسطرة قلب الأطفال.
المشكلة لا تكمن في وجود العلاج فحسب، بل في القدرة على الوصول إليه، فكل يوم يمر دون تدخل طبي متخصص يمثل خسارة جديدة في سباق الزمن الذي تخوضه الرضيعة الصغيرة، وبينما يستمر قلبها في مقاومة المرض، تواصل عائلتها البحث عن أي نافذة أمل يمكن أن تنقذ حياتها.
بيلسان لا تعرف شيئا عن التشخيصات الطبية المعقدة، ولا عن التقارير والأوراق والتحويلات العلاجية المطلوبة، كل ما تعرفه أنها طفلة جاءت إلى الدنيا باحثة عن فرصة للحياة، فرصة لأن تكبر، وتخطو خطواتها الأولى يوما ما، وأن تنادي والدتها، وتعيش طفولتها بعيدا عن غرف العناية وأصوات الأجهزة الطبية.
وفي غزة المثقلة بالجراح، تتحول حكاية بيلسان عيسى إلى واحدة من عشرات الحكايات التي تختصر معاناة الأطفال المرضى الذين لا يطلبون أكثر من حقهم الطبيعي في العلاج والحياة، وبين قلب صغير يقاوم بصمت، وأسرة تتمسك بالأمل رغم كل شيء، تبقى الرضيعة بيلسان عيسى معلقة بين الخطر والنجاة، تنتظر قرارا عاجلا قد يمنحها العمر الذي لم تبدأه بعد.
ويقول المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة" اليونيسف"، جيمس إلدر، إن عدد الأطفال الذين استشهدوا منذ إعلان وقف إطلاق النار مفجع وعبثي، ويقوض مصداقية الحديث عن وجود هدنة أو بيئة آمنة داخل القطاع، موضحا أن العالم يسمع منذ أشهر عن وقف لإطلاق النار في القطاع، إلا أن الواقع على الأرض يكشف صورة مغايرة تماما، حيث يواصل الأطفال الفلسطينيون دفع الثمن من حياتهم وأمنهم ومستقبلهم.
ويضيف في بيان للمنظمة، أن طفل فلسطيني واحد على الأقل يرتقي يوميا في المتوسط منذ بدء سريان الهدنة المعلنة، مؤكدا أن الأطفال الذين ارتقوا خلال الأشهر الماضية لم يكونوا في ساحات مواجهة أو مناطق اشتباك، بل استُهدفوا داخل منازلهم ومدارسهم وأماكن لعبهم، أو أثناء ممارستهم أنشطة حياتية عادية، و العديد منهم استشهدوا بفعل القصف المباشر أو نيران قوات الاحتلال أو هجمات الطائرات المسيرة.
وتروي والدة الطفلة بيلسان عيسى معاناة ابنتها قائلة: " وُلدت في 20 مايو الماضي، ومنذ اللحظة الأولى لولادتها بدأت رحلتها الصعبة مع المرض، أخبرنا الأطباء بأنها تعاني من انسداد في الصمام الرئوي المسؤول عن تغذية الشرايين الرئوية، وهو ما جعل حالتها الصحية تحتاج إلى متابعة دقيقة ورعاية طبية مستمرة".
وتضيف في تصريحات خاصة لـ" اليوم السابع": " منذ يوم ولادتها لم تغادر بيلسان مستشفى ناصر ولو ليوم واحد، فهي لا تزال تتلقى الرعاية الطبية بشكل متواصل تحت إشراف الأطباء، بينما نترقب أي بارقة أمل يمكن أن تنقذ حياتها".
وتتابع: " الأطباء أكدوا أن ابنتي تحتاج بشكل عاجل إلى عملية جراحية متخصصة خارج غزة، لأن حالتها تتطلب إمكانات طبية غير متوفرة هنا، وكل ما نتمناه اليوم هو أن تحصل على فرصة للعلاج قبل أن تتدهور حالتها الصحية".
ورغم الخوف الذي يلازم الأسرة منذ ولادة الطفلة، تشير والدتها إلى أن وضع بيلسان ما زال مستقرا حتى الآن، لكنها تؤكد أن الاستقرار لا يعني انتهاء الخطر، قائلة: " الحمد لله، وضعها مستقر في هذه اللحظات، لكننا نعيش حالة ترقب دائمة، لأن ابنتنا ما زالت بحاجة إلى التدخل الجراحي العاجل الذي قد يمنحها فرصة حقيقية للحياة والنمو كبقية الأطفال".
وتختم الأم حديثها بمناشدة إنسانية لإنقاذ طفلتها، مؤكدة أن كل يوم يمر دون علاج يمثل سباقا جديدا مع الزمن بالنسبة لرضيعة لم تعرف من الحياة سوى أسرة المستشفى وأجهزة المراقبة الطبية، بينما تنتظر فرصة للنجاة وبداية طبيعية لحياتها التي لم تبدأ بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك