رغم المليارات التي أنفقتها أوروبا على التحول في قطاع الطاقة، إلا أناستهلاك الكهرباء عبر الشبكة في معظم دولها أصبح أقل من معدله في العقد الماضى.
وقد اُنفقت هذه الأموال الطائلة استناداً إلى توقعات بأن يؤدي التوسع في السيارات الكهربائية والتدفئة الكهربائية والصناعات منخفضة الانبعاثات إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء.
لكن ما حدث كان مختلفًا.
فمنذ منتصف العقد الماضي، انخفض الطلب على الكهرباء الموردة عبر الشبكة بنحو 10% في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة.
ولا يمكن تفسير هذا التراجع بأزمات الطاقة أو التباطؤ الصناعي وحدهما؛ بل يكشف عن مأزق في صميم سياسات المناخ: فالإجراءات المصممة لتسريع الاعتماد على الكهرباء تجعلها في الوقت نفسه أكثر تكلفة وأقل جاذبية للمستهلكين.
مع التقدم في إزالة الكربون من قطاع الطاقة، انتقل العبء المالي تدريجيًا من الوقود إلى البنية التحتية.
فهناك حاجة إلى توسيع شبكات الكهرباء، وتوفير قدرات احتياطية، وتمويل خدمات موازنة الأحمال، إضافة إلى الرسوم والالتزامات المرتبطة بالسياسات المناخية.
وغالبًا ما تُحمَّل هذه التكاليف على فواتير الكهرباء.
والنتيجة هي ارتفاع مستمر في الأسعار.
ففي ألمانيا، على سبيل المثال، تضاعفت القيمة الحقيقية لفاتورة الكهرباء للمستهلك النهائي خلال السنوات العشر الماضية.
ومع ارتفاع الأسعار، يتجه المستهلكون إلى تحسين كفاءة الطاقة، والاستثمار في التوليد الذاتي مثل الألواح الشمسية، وتقليل اعتمادهم على الشبكة، بل وتأجيل بعض قرارات التحول الكهربائي أو إعادة النظر فيها.
وهكذا تتشكل دوامة متصاعدة من الضغوط: فكلما ارتفعت الأسعار قلّ الاعتماد على الشبكة، ومع تراجع عدد المستخدمين تتوزع التكاليف الثابتة على قاعدة أصغر من المشتركين؛ ، ما يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار.
ولا تقتصر أهمية هذه الدوامة على تفسير تراجع الطلب الحالي، بل تمتد إلى ما تكشفه من تحديات أوسع أمام سياسات الطاقة والمناخ.
ومن هنا تبرز ثلاث دلالات رئيسة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم المرحلة المقبلة من سياسات التحول في مجال الطاقة.
أولًا: تباطؤ نمو الطلب يضعف مبررات التوسع السريع في الاستثمارتعتمد نسبة كبيرة من الاستثمارات الحالية في الشبكات والطاقة المتجددة على توقعات بارتفاع الطلب مستقبلًا.
لكن إذا لم يتحقق هذا النمو، فلن تختفي التكاليف.
وقد يؤدي الإفراط في الاستثمار إلى تحميل المستهلكين أعباء مالية مرتفعة لسنوات طويلة، مع وجود أصول شبكية أو قدرات إنتاجية غير مستغلة بالكامل.
لذلك، ينبغي أن ترتبط الاستثمارات بنمو فعلي ومثبت في الطلب، وأن تكون أكثر مرونة واستجابة للواقع بدلًا من الاعتماد على توقعات متفائلة قد لا تتحقق.
ثانيًا: ليست جميع استخدامات الكهرباء متساوية في قيمتها للمجتمععند تقييم أي طلب جديد على الكهرباء، لا يكفي النظر إلى حجمه فقط، بل يجب أيضًا تقييم أثره الاقتصادي والاجتماعي.
فمن شأن إنشاء مصنع للصلب الأخضر أن يساهم في خفض الانبعاثات ويوفر وظائف محلية؛ بينما قد يستهلك مركز بيانات كميات ضخمة من الكهرباء من دون تحقيق الأثر نفسه.
ورغم أن كلا المشروعين قد يزيد الضغط على النظام الكهربائي ويرفع تكاليفه، فإن قيمتهما للمجتمع ليست واحدة.
لذلك، ينبغي أن يصبح تسعير الكهرباء أكثر دقة واستهدافًا، بحيث لا يعكس فقط تكاليف النظام، بل أيضًا القيمة الاقتصادية والاجتماعية للطلب.
ثالثًا: التمويل عبر فواتير الكهرباء قد يقوض هدف التحول الكهربائيعندما تُحمَّل معظم تكاليف التحول في الطاقة على فواتير الكهرباء، تصبح الكهرباء أكثر تكلفة؛ ما يقلل الحافز على استخدامها.
وهذا يتعارض مع الهدف الأساسي المتمثل في توسيع الاعتماد على الكهرباء النظيفة.
ومن ثم، فإن التكاليف المرتبطة بالمنافع العامة - مثل خفض الانبعاثات أو تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية - ينبغي تمويلها من خلال الضرائب العامة لا من خلال فواتير الكهرباء وحدها.
وقد بدأت المملكة المتحدة بالفعل في نقل جزء من تكاليف دعم الطاقة المتجددة من الفواتير إلى الموازنة العامة.
وقد لا يؤدي هذا الأسلوب إلى خفض التكلفة الإجمالية للتحول، لكنه يجعله أكثر عدالة ويحد من تراجع الطلب الناتج عن ارتفاع أسعار الكهرباء.
يكشف تراجع الطلب على الكهرباء في أوروبا أن نجاح التحول في الطاقة لا يعتمد على زيادة إنتاج الكهرباء النظيفة فحسب، بل أيضًا على جعل استخدامها ميسور التكلفة وجذابًا للمستهلكين.
ولذلك، ينبغي أن تركز سياسات الطاقة الأوروبية على مواءمة الاستثمار والتسعير وآليات التمويل مع هدف التحول الكهربائي، بما يمنع ارتفاع التكاليف من تقويض التحول نفسه.
* مايكل بوليت - أستاذ اقتصاد الأعمال بجامعة كامبريدج، والدكتور/ بول نيلسن - الشريك في ستراتيجي& هولندا، والدكتور/ شهاب البرعي - الشريك في ستراتيجي& الشرق الأوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك