ليس غريباً أن رئيس الحكومة السابق ورئيس حزب “معا”، نفتالي بينيت، شجع إسرائيل على “العمل بالقوة” خلال تبادل إطلاق النار بين إيران وإسرائيل قبل أسبوعين.
وهذا حدث لم يزد إيران إلا قوة استعداداً لتوقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، التي تصب في مصلحتها بوضوح.
فبينيت في نهاية المطاف، يميني، ودور اليمين في إسرائيل هو أن يكون أول من يشيد باستعراض القوة العسكرية في كل فرصة تسنح.
وعندما أعلن اليسار (يئير غولان) بأن “ليس لدى الحكومة تفويض لجر إسرائيل إلى حرب أخرى”، في حين علق الوسط (يئيرلبيد) بأن “المواطنين في دولة ديمقراطية لهم الحق في معرفة سبب مطالبتهم بالتضحية”، لم يكن أمام بينيت أي خيار إلا الانضمام على الفور للتيار العسكري من أجل تأييد موقف اليمين المتطرف.
لا أحد يتوقع من بينيت تبني خطاب السلام، أو، لا سمح الله، البدء في التساؤل إذا كان أي خيار سياسي أفضل من الحروب اللانهائية.
مع ذلك، بصفته ممثل المعسكر الذي كانت أولويته القصوى دائماً هي الأمن والقوة العسكرية، كان عليه معارضة أمر نتنياهو بمهاجمة الضاحية في بيروت، في ذلك الوقت وفي ظل الظروف التي صدر فيها.
في الواقع، من منظار عملياتي بحت، كانت خطوة غير مقبولة تسببت بضرر كبير للأمن القومي الإسرائيلي.
لم يكن للهجوم على الضاحية، مثلما أوضح يوسي فيرتر في ذلك الأسبوع، باقتباس أحد المقربين من رئيس الحكومة (“هآرتس”، 12/6)، أي غرض عسكري، بل الغرض هو تأخير انتهاء التحقيق مع نتنياهو في الملف 2000 لخمسة أسابيع، من خلال حرب أخرى مع إيران.
هذه الخطوة الوهمية والدنيئة والإجرامية من جانب المتهم الأول – محاولة استخدام الجيش الإسرائيلي ومواطني الدولة كدرع دفاع ضد القضاة تبين أنها خطوة فاشلة ومخزية من ناحية أمنية.
فبعد قصف الضاحية، نفذت إيران تهديدها بالرد، وبعد رد إسرائيل المضاد، كشف ترامب الأمر.
النتيجة المؤسفة هي أن إيران تمكنت من ترسيخ معادلة جديدة: إسرائيل تطلق النار على بيروت – وإيران تطلق النار على إسرائيل، دون دفع ثمن باهظ، وهذا الإنجاز الذي حققته ضد إسرائيل لا يقل أهمية عن نجاحها ضد الولايات المتحدة في تحويل سيطرتها على مضيق هرمز إلى ذخر عسكري مشروع.
هذه النتيجة الكارثية لأمن إسرائيل لم تكن مفاجئة؛ فقد أوضح ترامب من البداية أنه لا يريد من إسرائيل أن تهاجم بيروت، وأنه لا ينوي السماح باستئناف القتال لفترة طويلة.
في ظل هذه الظروف، كان الخيار الأقل سوءاً الذي ستختاره إسرائيل هو الامتناع عن مهاجمة الضاحية وتأجيل اختبار توحيد الساحات إلى وقت لاحق – إلى ما بعد التوقيع على الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
عندها، إذا تجرأ حزب الله على مهاجمة مستوطنات الشمال من جديد فسترد إسرائيل بقوة كبيرة، في حين أنه من المرجح أن تمتنع إيران عن مهاجمة إسرائيل؛ لأن هناك ما تخسره إذا ما تجددت الحرب، خصوصاً بعد رفع العقوبات.
ولكن عندما يتم إملاء توقيت هجوم العدو لاعتبارات لا صلة لها بالمستوى العسكري والعملياتي، وعندما يعجز رئيس الأركان، بخوف ولامبالاة، عن الإشارة إلى عبثية حروب محاكمة نتنياهو، عسكرياً بشكل قاطع، فإن احتمالية حدوث كارثة جيوسياسية تكاد تكون مؤكدة.
على خلفية ذلك كله، يظهر سؤال: أليس طبيعياً أن يكون اليميني القومي المتطرف، مثل بينيت، هو الأول الذي يحذر ويدين استخدام الجيش كأداة لإشعال حرب دون مراعاة الاعتبارات الأمنية، وانطلاقاً من هدف “استراتيجي” واحد فقط، وهو ضمان بقاء رئيس الحكومة المتهم بمخالفات جنائية؟ هذا السؤال يكتسب أهمية أخرى على خلفية الافتراض الذي لا يخلو من أساس: أن هجوم نتنياهو على الضاحية كان بمثابة جس نبض وبروفا لاختبار ردة فعل الرأي العام، والمعارضة، على احتمالية تعطيل الانتخابات من خلال إعادة إشعال فتيل التوتر في المنطقة.
وقد أوضح أوري مسغاف هنا في الصحيفة (18 حزيران) أن هذا السيناريو وارد جداً، لكنه لم يقدم أي حلول استباقية.
قد يقدم بينيت الحل الأمثل: عليه فوراً إطلاق حملة أمنية عامة تطالب بالامتناع عن أي تصعيد عسكري مدبر قبل الانتخابات.
انطلاقاً من أن رئيس الحكومة الذي يركز كل اهتمامه على بقائه في الحكم، غير عاجز فقط عن اتخاذ قرار أساسي بشأن أمن إسرائيل، بل إن تحركاته العسكرية في هذا الوقت تعرض أمنها للخطر.
يجب أن تضم هذه الحملة، بطبيعة الحال، مسؤولين أمنيين إسرائيليين سابقين رفيعي المستوى، ولكن على بينيت نفسه، بصفته زعيم اليمين الأيديولوجي، أن يتولى زمام المبادرة.
هذه الحملة التي يمكن تسميتها “دعونا لا نحرق بلادنا”، يمكنها تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: وقف التدهور الأمني المستمر، ومنع تعطيل الانتخابات من خلال قتال عبثي، وضخ الحيوية والمحتوى الراهن في حملة بينيت الانتخابية التي تتسم بالركود، الأمر الذي قد يوقف تراجعه في الاستطلاعات وتحسين وضعه الانتخابي.
ونأمل بأن يرتقي بينيت إلى مستوى المسؤولية والاعتراف بدوره التاريخي في هذا الوقت لإعادة اليمين في إسرائيل إلى قيم مصالح الدولة، بدلاًمن قيم مصلحة الزعيم وعائلته.
وإذا نجح، فسينفع هذا بقايا اليسار السياسي أيضاً في نهاية المطاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك