قبل أن ندخل إلى محتوى المقال، يجب توضيح الفرق بين أربعة مصطلحات صارت تستخدم كثيرا على مدار اليوم في الشاشات والمحافل والمنتديات.
المصطلحات الأربعة هي الجيوبوليتيك والجيوساسية والجغرافيا السياسية والجيواستراتيجية.
لا بد من تمييز المفاهيم الأربعة التي تتشابك وتتقاطع في فضاء التحليل الاستراتيجي، فهي ليست مرادفات كما يظن الكثيرون، بل طبقات متدرجة من الرؤية والتحليل.
الجغرافيا السياسية الأوسع إطارا، تدرس العلاقة بين الجغرافيا الطبيعية والسياسة، أي كيف تشكل التضاريس والموارد الطبيعية والمسافات سلوك الدول وقراراتها.
أما الجيوساسية فتركز على البعد الأمني والعسكري في هذه العلاقة، وهي معنية بكيفية حماية الدولة حدودها وتأمين مصالحها الحيوية في مواجهة التهديدات الجغرافية.
وعندما نتناول بالحديث الجيوبوليتيك، فإننا نقترب أكثر من تحليل القوة والنفوذ، فهذا المصطلح يدرس المنافسات بين الدول على الفضاء الجغرافي، ويحلل كيف تدير القوى الكبرى مناطق النفوذ وتعيد رسم خرائط المصالح.
أما الجيواستراتيجية فهي الأكثر عملية وتطبيقا، إذ تضع الخطط والسيناريوهات لتحقيق الأهداف الجيوبوليتيكية، أي فن توظيف القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لخدمة الرؤية الجيوبوليتيكية للدولة.
عودة إلى تحليل الموقف بعد الحرب على إيران، لطالما كانت أمريكا بامتداداتها البحرية الهائلة وأساطيلها المنتشرة في كل محيطات العالم دولة بحرية بامتياز.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تولت دور الحارس الأمين للممرات المائية الحيوية، وضمنت حرية الملاحة التي تتحرك عبرها 90% من التجارة العالمية.
لكن حرب إيران كشفت عن هشاشة هذا الدور، وأظهرت أن القوة البحرية ليست مجرد حاملات طائرات وغواصات، بل منظومة متكاملة من القدرات اللوجستية والتحالفات والتكنولوجيا.
إيران التي أغلقت مضيق هرمز ردا على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، استخدمت سلاحا بحريا غير تقليدي، الألغام البحرية، سلاح لا تمتلك أمريكا قدرات كافية لمواجهته بمفردها.
المفارقة الجيوبوليتيكية الأكثر إيلاما لواشنطن، أن أمريكا التي اعتادت أن تكون قائدة التحالفات البحرية، وجدت نفسها تعتمد على حلفائها في حرب الألغام، لكن هؤلاء الحلفاء وبخاصة الأوروبيون، أداروا ظهورهم للصراع، رفضت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا إرسال سفن لإزالة الألغام أو حتى المشاركة في تأمين الملاحة، معتبرة أن الحرب الأمريكية على إيران حربا غير شرعية وغير مستشار بها، وليست حرباً دفاعية عن أوروبا.
بل إن بعض هذه الدول، كإسبانيا وفرنسا، أغلقت مجالها الجوي وقواعدها العسكرية أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في العمليات ضد إيران.
خلفت الحرب شرخا عميقا في العلاقات الأمريكية مع حلفائها البحريين التقليديين، بريطانيا واليابان وأستراليا.
بريطانيا التي كانت دائما الشريك الأوثق لواشنطن في العمليات البحرية، وجدت نفسها في موقف محرج، إذ رفض رئيس وزرائها كير ستارمر الانجرار إلى حرب وصفها البعض بأنها غير شرعية دولياً، واكتفت لندن بالسماح باستخدام قواعدها لأغراض دفاعية فقط.
أما اليابان، الدولة البحرية الآسيوية الحيوية التي تعتمد على مضيق هرمز لإمداداتها النفطية، فقد رفضت إرسال سفن حربية، متذرعة بالقيود الدستورية والسياسية.
وأستراليا، الحليف التقليدي في المحيط الهادئ، قالت بوضوح إنها لن ترسل سفنا، معتبرة أنها قادرة على تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تسببها الحرب.
تخلي الحلفاء كان له أثران جيوبوليتيكيان عميقان.
الأول، أن أمريكا وجدت نفسها في عزلة بحرية غير مسبوقة، واضطرت إلى توجيه رسالة غاضبة إلى حلفائها مفادها، إذا كنتم تريدون البترول، فاذهبوا وخذوه بأنفسكم، أو اشتروه منا.
الثاني، أن الحلفاء أدركوا أن اعتمادهم على المظلة البحرية الأمريكية لم يعد مضمونا، بل أصبح رهنا بمصالح أمريكا الحادة التي قد لا تتطابق مع مصالحهم.
هذا التحول سيدفع الدول البحرية الكبرى كاليابان وبريطانيا إلى إعادة النظر في استراتيجياتها البحرية، وربما السعي إلى تحالفات بديلة أو تعزيز قدراتها الذاتية في حماية ممراتها الملاحية.
هزت حرب إيران قواعد النظريات الكلاسيكية في الجغرافيا السياسية.
النظرية الأطلسية التي تفترض تماسك العالم الغربي تحت قيادة أمريكية، تلقت ضربة قاسية عندما رفض الحلفاء الأوروبيون المشاركة في حرب أمريكية إسرائيلية بحتة، وليست حربا دفاعية عن أوروبا.
كما أن مفهوم القوة البحرية الذي صاغه ألفريد ماهان في القرن التاسع عشر، والذي يرى أن من يسيطر على البحار يسيطر على العالم، تعرض لاختبار حقيقي، فأمريكا، القوة البحرية العظمى، عجزت عن تأمين مضيق حيوي بسبب نقص قدراتها على إزالة الألغام، وهو نقص لم تكن لتكتشفه لولا الحرب.
نسيت أمريكا أن القوة العظمى لا تعرف بالقنابل وحدها، بل بالتحالفات والمؤسسات الدولية التي تعكس قيما مشتركة.
وقد دفعت هذه الحرب منظري الجغرافيا السياسية إلى إعادة تعريف الدولة العظمى، فلم تعد الدولة العظمى من تمتلك أضخم أسطول، بل من تمتلك القدرة على بناء تحالفات مرنة، وقبل كل شيء، من تفهم أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على جعل الآخرين يرون في مصالحك مصالحهم.
كانت حرب إيران زلزالا جيوبوليتيكيا هز أسس النظام العالمي، وأعاد تعريف التحالفات، وكشف حدود القوة البحرية، وأظهر أن العزلة الأمريكية أكبر خطر يهدد مكانتها كقوة عظمى.
فالمستقبل كما يبدو، لن يكون لأقوى الأساطيل، بل لمن يستطيع بناء جسور الثقة والتعاون مع شركائه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك