استفادة القطاع الخاص من كفاءة وخبرات العديد من المسؤولين القياديين في الدولة أمر محمود، لكن انتقالهم محملين بمعلومات داخلية حساسة، إلى شركات تعاملوا معها سابقاً، يخلق تضارب مصالح حتميا.
ورغم أن الرقابة عالمياً تقتضي الإفصاح عن تعارض المصالح للقياديين إلا أنها تنتهي بنهاية الخدمة، وبالتالي فإن استقطابهم بعقود خيالية يمثل ثغرة تستوجب التنظيم والتقنين.
اضافة اعلانتأسياً بالتجارب الدولية المميزة وعلى رأسها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يتم فرض منع مؤقت من العمل أو التعامل مع شركات أو قطاعات كانوا مطلعين على معلوماتها أو مشرفين عليها، وذلك لفترة زمنية تُعرف بفترة التبريد (Cooling-off Period).
الهدف أن تتقادم معلوماتهم فلا يستفاد منها في تحقيق أرباح أو مصالح غير مشروعة، وهي بمثابة حجر صحي مهني بعد مغادرة المنصب.
الحظر لا يقتصر على العمل، بل يمتد ليشمل الاستشارات -مدفوعة أو مجانية- لشركات أو مؤسسات خضعت لرقابتهم المباشرة، أو أبرمت عقوداً أو عطاءات مع جهاتهم وذلك لمدة لا تقل مثلاً عن سنتين متتاليتين للتقاعد، تحت طائلة العقوبات والغرامات، بما في ذلك بطلان العقود بما يردع الشركات نفسها عن استغلال الثغرات.
للحظر فوائده، ففيه نزع لقيمة المعلومات السرية -تقنيةً كانت، أم تجارية، أم مالية- بحيث ينتقل المسؤول إلى القطاع الخاص وقد تقادمت، مما يصون عدالة قوى السوق.
كذلك يقطع الطريق على الرشوة المؤجلة؛ حيث في بعض الدول يمكن للمسؤول الحكومي أن يمرر تسهيلات لشركة ما، على أن يكون الثمن مؤجلاً وهو تعيينه براتب مرتفع في ذات الشركة فور خروجه من الحكومة.
فتأتي فترة السنتين وربما ثلاث لتقطع الطريق على هكذا اتفاق تحت الطاولة.
دولياً: أميركا تمنع كبار موظفيها الفيدراليين سنتين عن الاستشارات والترافع لصالح شركات خاصة، وحظراً لمشاريع أشرفوا عليها، أما أوروبا فتشترط 3 سنوات قبل تقديم الاستشارات في القطاعات المرتبطة بمناصبهم.
تجارب جديرة بالاهتمام، إذ ترتكز على الرقابة الاستباقية ومنع الفساد قبل وقوعه، فتحقق انضباطاً أكبر، وحماية للأموال، وتحصيناً للمسؤولين؛ وهذا لب الحوكمة والنزاهة الحديثة.
وتنفيذياً، يلتزم المسؤول خلال فترة التهدئة بإخطار جهة محايدة للحصول على «تصريح عدم ممانعة».
وتتطلب دول كبريطانيا وإسبانيا إفصاحاً علنياً عن طلبات الانتقال للقطاع الخاص، عبر نشرها إلكترونياً، لتعزيز الرقابة المجتمعية ومنع المحسوبية، مع ربط رقمي مع الجهات الحكومية لضبط الممتنعين عن الإفصاح.
سيترك هذا التنظيم أثراً إيجابياً على الاقتصاد الأردني ففيه حماية للأسرار ومنع للاحتكار، وجذب للمستثمرين، وحيادية في العقود الحكومية تجاه شركات سيلتحق بها المسؤولون.
أما غيابه فيؤدي إلى تشويه الأسعار، وإضعاف للمنافسة وللاستثمار، ورفع للتضخم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك