أحداثٌ تاريخية كبرى تجد من يؤرّخ لها.
للحروب مؤرّخوها، وللانقلابات شهودها، والاتفاقيات تحفظها الوثائق، والملوك والرؤساء تلاحقهم السير الذاتية والكتب والأفلام.
أما الأيام العادية التي نعبرها كل صباح، وتتشكّل منها حياتنا كلها تقريباً، فمن الذي يكتب تاريخها؟يلحّ هذا السؤال عليّ كلما وقعت عيناي على صورة قديمة، أو رسالة منسية، أو دفتر ملاحظات امتلأت صفحاته بتفاصيل كانت تبدو عابرة حين كُتبت.
أكتشف بعد سنوات أن ما ظننته هامشاً كان هو المتن الحقيقي، وأن ما مرّ أمامنا كخبر صغير أو عادة يومية أو لقاء عابر كان يصنع بهدوء ملامح مرحلة كاملة من أعمارنا.
التاريخ، كما نعرفه، مولع بالاستثناء.
يبحث عن اللحظة التي تغيّر المسار، وعن القرار الذي يبدّل الخرائط، وعن الحدث الذي يلفت الأنظار.
أما الحياة فتجري في مكان آخر.
تجري في التفاصيل التي لا تتصدّر العناوين، وفي الساعات التي لا يذكرها أحد، وفي الأعمال المتكرّرة التي تمنح الأيام شكلها ومعناها.
كم من إنسان أمضى عمره في تعليم الأجيال ولم يرد اسمه في كتاب تاريخ.
وكم من امرأة حفظت تماسك عائلة كاملة من خلال أفعال صغيرة متراكمة لم يصفق لها أحد.
وكم من معلّم، وممرّض، وموظف، وسائق، وبائع، ساهموا في صناعة حياة الناس أكثر مما فعل أصحاب المناصب اللامعة.
هؤلاء جميعاً يمرّون غالباً خارج عدسة المؤرّخ، مع أنهم يشكلون النسيج الحقيقي لأي مجتمع.
وحين نقرأ مذكّرات شخصية صادقة، أو رسائل قديمة بين الأصدقاء، أو يوميات كتبها أصحابها من دون نية للنشر، نشعر بأننا اقتربنا من روح المرحلة أكثر مما نفعل أحياناً مع الكتب السياسية الضخمة، فالتاريخ الكبير يُخبرنا ماذا حدث، أما التفاصيل اليومية فتخبرنا كيف عاش الناس ما حدث.
لهذا أحب العودة إلى" الأرشيفات" الشخصية أكثر مما أحبّ العودة إلى كثير من الوثائق الرسمية.
صورة تجمع مجموعة من الطلبة أمام مدرسة قديمة قد تكشف عن مجتمع كامل.
تعليق عابر في رسالة قديمة قد يضيء جانباً اجتماعياً أو ثقافياً لا نجده في الدراسات المطولة.
حتى قوائم المشتريات المنزلية القديمة تحمل أحياناً إشاراتٍ دقيقة إلى طبيعة الحياة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.
ولعل أجمل ما في الأيام العادية أنها لا تدرك أهميتها أثناء وقوعها.
نحن نعيشها على أنها مجرّد أيام أخرى، ثم تبتعد فجأة، فنكتشف أنها كانت العمر نفسه.
لا نتذكر دائماً المناسبات الكبرى بقدر ما نتذكّر الطريق إليها، والوجوه التي رافقتنا خلالها، والكلمات التي قيلت على عجل، والضحكات التي لم تكن تخطّط لشيء سوى أن تكون صادقة.
وأظن أن الثقافة، في أحد أدوارها العميقة، تحاول إنقاذ هذه التفاصيل من النسيان.
الرواية تفعل هذا.
والشعر أيضاً.
والسينما حين تكون وفية للحياة.
وحتى المقالة التي تنطلق من ملاحظة صغيرة قد تتحول إلى وثيقة غير مقصودة عن مرحلة كاملة.
فالأدب، في جوهره، ليس سجلاً للوقائع فحسب، وإنما محاولة للاحتفاظ بما يتسرّب من بين أصابع الذاكرة.
ومن هنا تبدو الكتابة فعلاً يتجاوز التعبير الشخصي.
إنها مقاومة هادئة للنسيان.
حين يكتب أحدُهم عن شارع قديم، أو مقهى اختفى، أو عادة اجتماعية تبدلت، فإنه يحفظ جزءاً من تاريخ لن تهتم به السجلات الرسمية.
وحين تسجل امرأة مشاعرها تجاه بيت تركته، أو مدينة غادرتها، أو صديقة فقدتها، فإنها تمنح المستقبل فرصة لرؤية ما لا تراه الإحصاءات والأرقام.
ربما لهذا السبب أشعر أحياناً بأن مسؤولية الكاتب لا تقتصر على ملاحقة الأحداث الكبيرة.
ثمّة حياة كاملة تتحرّك خارج المنصات الكبرى، وتستحق من يصغي إليها.
ثمّة تاريخ يومي يكتب نفسه بصمت في البيوت والجامعات والمكاتب والشوارع والأسواق.
تاريخ لا تصنعه القرارات المصيرية وحدها، وإنما تصنعه أيضاً تفاصيل البشر وهم يحاولون العيش، والعمل، والحب، والنجاة، وحفظ شيء من كرامتهم وأحلامهم.
ومن يدري؟ ربما يأتي يوم يفتش فيه أحدهم عن ملامح عصرنا، فلا يجدها في الخطب الرسمية وحدها، وإنما في رسالة قصيرة، أو صورة عائلية، أو مقال كتب على عجل في نهاية يوم طويل.
عندها سيكتشف أن تاريخ الأيام العادية لم يكن عادياً أبداً، وأن العمر كله كان مختبئاً هناك، في تلك التفاصيل التي عبرناها ونحن نظن أنها ستبقى عابرة إلى الأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك