روسيا اليوم - الخارجية الأمريكية: الولايات المتحدة تستعد لتقديم مساعدات إلى فنزويلا بعد الزلزال روسيا اليوم - علماء روس يكتشفون طفرة جينية مرتبطة بظهور أعراض التوحد قناة القاهرة الإخبارية - موجز أخبار الرابعة صباحا من القاهرة الإخبارية إعلام العرب - أزمة البحارة المصريين المختطفين قبالة سواحل الصومال.. تهديد جديد وكشف قيمة الفدية روسيا اليوم - الاتحاد الأوروبي يوهم مولدوفا بعضويته روسيا اليوم - "السيل التركي" يعمل بأقصى طاقته رغم العقوبات روسيا اليوم - جنوب إفريقيا تصنع المفاجأة وتخطف بطاقة التأهل من كوريا الجنوبية في مونديال 2026 قناة الجزيرة مباشر - عاجل | الحرس الثوري يحذر من تغيير مسارات الملاحة في هرمز ويؤكد القدس العربي - جنوب أفريقيا تصدم كوريا الجنوبية وتخطف بطاقة العبور التاريخية CGTN العربية - عمان وإيران تضمنان المرور الآمن عبر مضيق هرمز
عامة

مونديال 1934.. حين وضع موسوليني كرة القدم في خدمة الفاشية

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

في صيف عام 1933، وصل المستشار النمساوي إنغلبرت دولفوس إلى منتجع" ريتشوني" الإيطالي للقاء حاكم إيطاليا بنيتو موسوليني. كانت النمسا تحت ضغط متزايد من الدعاية والتحريض النازي عليها، وكان دولفوس يريد ضمان...

في صيف عام 1933، وصل المستشار النمساوي إنغلبرت دولفوس إلى منتجع" ريتشوني" الإيطالي للقاء حاكم إيطاليا بنيتو موسوليني.

كانت النمسا تحت ضغط متزايد من الدعاية والتحريض النازي عليها، وكان دولفوس يريد ضماناً من روما بأن إيطاليا ستقف في وجه أي محاولة ألمانية لابتلاع بلاده.

لكنه حين وصل، وجد موسوليني في البحر، يسبح كمن لا يعنيه مستقبل أمة بأسرها.

لم ينتظر دولفوس على الشاطئ طويلاً.

أخذ قارباً صغيراً، واقترب من الزعيم الإيطالي، وعاد الاثنان إلى الساحل وسط تصفيق المصطافين.

كانت الصورة أبلغ من البيان السياسي.

موسوليني عاري الصدر تقريباً، ضخم الجثة، يستعرض جسداً يريد أن يكون صورة الدولة الفاشية.

ودولفوس، القصير بملابسه الرسمية، يبدو إلى جواره ممثلاً لعالم قديم يتداعى.

لم يكن المشهد عن النمسا وإيطاليا وحدهما.

كان عن الطريقة التي أراد بها موسوليني أن تُرى إيطاليا الفاشية: شابة، قوية، منضبطة، واثقة من جسدها ومن مستقبلها.

list 1 of 4ميسي" المصنوع".

كيف قادت منظومة دقيقة نجم الأرجنتين لتألق أسطوري؟ ؟list 2 of 4صيباري يكتب التاريخ.

إنجاز مغربي غير مسبوق في المونديالlist 3 of 4كيف تمهد قرعة المونديال طريق ميسي لاقتناص" الحذاء الذهبي" من مبابي وهالاند؟list 4 of 4حظوظ عربية متفاوتة.

الجولة الأخيرة تشتعل صراع أفضل الثوالث في المونديالبعد أشهر قليلة، كانت إيطاليا تستعد لاستضافة كأس العالم عام 1934.

النسخة الثانية من البطولة التي وُلدت قبل أربعة أعوام في أوروغواي كحلم كروي عابر للأطلسي، دخلت في نسختها الجديدة مختبر السلطة والسياسة.

في مونديال 1934 لم تعد المسألة فقط أن تُقام مباريات بين منتخبات في إطار بطولة كروية، بل صارت البطولة نفسها استعراضاً لقدرات الدولة، وصناعة لصورتها، وتثبيتاً لسردية سياسية عن أمة خرجت من الارتباك إلى النظام، ومن الضعف إلى القوة، ومن العفوية إلى الانضباط الفاشي.

لماذا أرادت إيطاليا البطولة؟لم يكن موسوليني عاشقاً كبيراً لكرة القدم بالمعنى التقليدي.

لكنه كان يفهم، مثله مثل عتاة الفاشية، وبحدس رجل دعاية قبل أن يكون رجل دولة، أن الرياضة تمنح السياسة ما لا تمنحه الخطب وحدها: جسداً وكياناً مرئياً.

لذا كان يكثر الظهور في صور وهو يمارس التزلج أو يمتطي الخيل أو يقف عاري الصدر، لأن الفاشية عنده لم تكن فكرة مجردة فقط، بل تمثيلاً مستمراً للقوة والفتوة والصلابة.

من هنا بدا المونديال للقيادة الفاشية فرصة نادرة.

إيطاليا كانت قد توحدت سياسيًا في القرن التاسع عشر على أشلاء وأطلال الإمبراطورية الآفلة، لكن فكرة الأمة الإيطالية الواحدة كانت لا تزال تحتاج إلى رموز مشتركة تلتف حولها الأمة التي كانت في مهدها.

كرة القدم، بجماهيرها وصحفها وملاعبها، كانت قادرة على أن تفعل ما تفعله الأناشيد والأعلام والمدارس، تزرع في الناس أفكاراً متشابهة وتجمع الناس حول الرمز؛ المنتخب في هذه الحالة.

وكان النظام الفاشي يعرف أن الانتصار الخارجي يصلح لتثبيت الداخل.

فإذا فازت إيطاليا في بطولة عالمية على أرضها، فلن يكون ذلك، في الخطاب الرسمي، إنجاز منتخب فقط، بل برهاناً على صلاحية النظام نفسه وقدرته على الإنجاز.

لهذا لم يكن تنظيم مونديال 1934 قراراً رياضياً أو إدارياً فحسب، بل سبقته عملية أوسع لإعادة هندسة كرة القدم الإيطالية.

في مؤتمر" فياريجيو" أواخر عام 1925 وبدايات عام 1926، اجتمع صحفيون ومسؤولون كرويون لرسم مستقبل اللعبة.

فُتح الباب أمام أندية الجنوب لدخول المنافسة الوطنية، ومُهد الطريق للاحتراف، ثم ظهرت" سيريا آ" كمسابقة وطنية حقيقية في موسم (1929-1930).

وُضعت قيود على اللاعبين الأجانب في محاولة لبناء ثقافة كروية إيطالية، لكن الأندية سرعان ما وجدت طريقاً ملتوياً عبر لاعبي أمريكا الجنوبية ذوي الأصول الإيطالية، المعروفين باسم" أوريوندي إيتاليانو" أي" الشتات الإيطالي".

كان ذلك تناقضاً فاشياً بامتياز، خطاب عن النقاء الوطني، وحاجة عملية إلى استيراد الموهبة من الخارج.

فإيطاليا التي أرادت أن تقدم نفسها بوصفها أمة مكتفية بذاتها، لم تتردد في الاستفادة من لاعبين مثل لويس مونتي ورايموندو أورسي وإنريكي غايتا وغيرهم من اللاعبين القادمين من الضفة الأخرى للأطلسي.

في السياسة كما في الكرة، كانت الغاية تبرر الوسيلة.

الفيفا في وجه سلطة تعرف ماذا تريدتكشف نسخة عام 1934 شيئاً مبكراً عن علاقة الفيفا بالسلطة.

فالمنظمة التي حلم أبوها الروحي جول ريميه بأن تكون جسراً كروياً بين الأمم، وجدت نفسها أمام نظام استبدادي يدرك قيمة البطولة أكثر مما تدركها بعض الديمقراطيات الأوروبية.

لم تكن الفيفا في الثلاثينيات إمبراطورية تجارية كما هي اليوم، لكنها كانت تملك شيئاً بالغ الأهمية وهي الشرعية الدولية.

ومنح إيطاليا حق الاستضافة يعني أن العالم الكروي يعترف بروما مسرحاً للبطولة وأن الأنظار ستسلط عليها.

لم تكن الفيفا في تلك اللحظة شريكاً بالمعنى المباشر للسلطة الإيطالية أو متآمرة معها بقدر ما كانت تجهل قوة ما تمتلك.

كرة قدم المنتخبات كانت ما تزال تتحسس خطاها وتكتشف قوتها، بينما كانت الأنظمة السلطوية أسرع في فهم تلك القوة.

موسوليني لم يكن ينتظر من الفيفا أن تكون شريكة في الدعاية، بل أن تتيح له المنصة والفرصة.

وحين تصل الفرصة إلى بلد يملك دولة مركزية فاشية، وصحافة مسيّسة، وملاعب معدة للاستعراض مسبقاً، فإن الحياد الرياضي يصبح حلماً بعيد المنال، حتى لو لم تصدر تعليمات مكتوبة.

امتناع أوروغواي، بطلة عام 1930، عن السفر إلى إيطاليا زاد من معنى البطولة.

فغياب حامل اللقب ترك الساحة شاغرة أمام منتخبات أوروبا، وبالأخص أمام الصراع الإيطالي النمساوي.

كانت النمسا، بفريقها الشهير" فريق المعجزات"، تمثل تحدياً حقيقياً لموسوليني.

وإذا كان" الدوتشي" قادراً على التفوق بصورته الجسدية على دولفوس في ريتشوني، فإن التغلب على هوغو مايسل وماتياس سينديلار في الملعب كان مسألة أعقد بكثير.

استثمرت الدولة الإيطالية في البنية التحتية الكروية.

لم تكن الملاعب مجرد أماكن للفرجة، بل واجهات سياسية.

بعضها حمل أسماء ودلالات فاشية صريحة، مثل ملعب" الحزب الوطني الفاشي" في روما، أو ملعب" جيوفاني بيرتا" في فلورنسا، وهو فاشيّ قُتل في اشتباكات مسلحة على يد اليساريين وخلدته إيطاليا الفاشية باعتباره شهيدها.

في مثل هذا السياق، يخرج الملعب من حيز المكان إلى حيز المعنى والرمز السياسي، فلا يدخل اللاعب إلى ملعب محايد بل إلى نص سياسي مكتوب بالحجر والخرسانة واللافتات والجماهير.

كان الجمهور جزءاً من المسرح أيضاً.

في مباراة لإنجلترا في روما عام 1933، تركت الهتافات المؤيدة لموسوليني انطباعاً ثقيلاً لدى المسؤولين الإنجليز.

كانت المدرجات الإيطالية جزءاً من حالة تعبئة عامة، تتداخل فيها الوطنية بالولاء للنظام، والحماس الرياضي بالطقس السياسي.

أما الصحافة، فقد أدت دورها في تضخيم المعنى ومنذ ما قبل المونديال الإيطالي بسنوات.

ينقل مؤلف كتاب" المجد والقوة: تاريخ كأس العالم"، جوناثان ويلسون أن صحيفة" Il Littoriale" الفاشية كتبت عام 1928 أن الانتصارات الرياضية الإيطالية في الخارج كانت" علامات واضحة على التفوق العرقي" تمتد آثارها إلى مجالات خارج الرياضة.

الانتصارات لم تكن تقرأ بوصفها تفوقاً تكتيكياً أو مهارة فردية فحسب، بل دليلاً على" القوة المعنوية" و" الرجولة" و" نضج" الدولة الجديدة.

مبكراً، ربطت صحف فاشية بين التفوق الرياضي وفكرة التفوق العرقي أو الحضاري.

هكذا تحولت نتيجة مباراة إلى علامة على صحة مشروع سياسي كامل.

بينما نشرت صحيفة" La Gazzetta dello Sport" في 11 يونيو/حزيران 1934، بعد التتويج بالمونديال، في صفحتها الأولى عنواناً يقول: " الانتصارات الكبرى للرياضيين الفاشيين باسم الدوتشي ومن أجل جائزته".

وسط هذا المسرح وقف فيتوريو بوزو، مدرب إيطاليا حائراً متأرجحاً بين الكرة والسلطة.

من السهل اختزال المدرب في صورة رجل النظام، لكن ذلك لا يفسر تعقيد شخصيته ولا عبقريته الكروية.

كان بوزو رجلاً مفتوناً باللعبة منذ شبابه، متأثراً بالكرة الإنجليزية، صارماً في الإعداد، بارعاً في إدارة الرجال، وقادراً على جمع لاعبين متنافرين داخل فريق واحد.

كان يعرف أن المنتخب يحتاج إلى توازن بين القسوة والخيال.

وجد في لويس مونتي، قائد الأرجنتين في نهائي عام 1930 سابقاً، لاعب وسط يجمع الصلابة والتمرير والوعي الدفاعي.

احتاج إلى مهاجم قادر على تثبيت اللعب، فاستعاد أنجلو سكيافيو، رغم خلاف سابق بينه وبين مونتي وصل إلى خشونة مؤذية في الدوري.

وكعادته، عالج بوزو التوتر بطريقته الخاصة فجمع اللاعبين المتنافرين في غرفة واحدة، ليس ليصيرا صديقين بالضرورة، بل ليقبلا أن يكونا زميلين.

لكن بوزو لم يكن يعمل في فراغ.

رئيس الاتحاد الإيطالي لياندرو أربيناتي، أحد كبار رجال كرة القدم، سقط سياسياً بعد اتهامات تتصل بعدم كفاية ولائه للفاشية، وحل محله جورجيو فاكارو.

الرسالة كانت واضحة، كرة القدم الإيطالية ليست مستقلة عن السياسة، وتحديداً الولاء للنظام.

وحتى عندما تُترك للمدرب مساحة فنية، تبقى محاطة بجدران السياسة.

كان الضغط على المنتخب هائلاً.

لم تكن إيطاليا مطالبة بأن تلعب جيداً فقط، بل بأن تثبت شيئاً عن البلاد.

الهزيمة كانت ستقرأ كإخفاق رياضي، لكنها كانت ستجرح صورة النظام أيضاً.

ولذلك صار الفوز ضرورة سياسية قبل أن يكون طموحاً كروياً.

الطريق إلى اللقب.

عنف واحتجاجاتبدأت إيطاليا البطولة بانتصار كبير على الولايات المتحدة في روما.

كان موسوليني في المدرجات، بقبعته البحرية، وسط مشهد مرسوم بعناية.

فوز عريض، جمهور حاضر، زعيم يرى بعينيه أول فصل من الحكاية التي يريدها.

لكن البطولة لم تبق سهلة.

جاءت إسبانيا في ربع النهائي لتختبر إيطاليا جدياً.

في فلورنسا، على ملعب" جيوفاني بيرتا"، تقدمت إسبانيا عبر لويس ريغيرو، قبل أن يدرك جيوفاني فيراري التعادل.

احتج الحارس الإسباني ريكاردو زامورا على الهدف، معتبراً أنه تعرض لمخالفة.

انتهت المباراة بالتعادل، وأعيدت في اليوم التالي، كما كانت تنص قواعد البطولة آنذاك إذ لم يكن قد استحدثت الأشواط الإضافية وركلات الترجيح بعد.

هنا بدأت الشكوك تزداد.

زامورا غاب عن الإعادة بكدمة وتورم، واضطرت إسبانيا إلى تغييرات عديدة.

كانت المباراة الثانية عنيفة أيضاً وفازت إيطاليا بهدف جوزيبي مياتزا، وسط احتجاج إسباني جديد على وجود مخالفة ضد الحارس.

من الصعوبة بمكان الجزم إن النتيجة صُنعت بقرار سياسي مباشر.

لكن لا يمكن كذلك تجاهل أن البطولة كانت تجري في مناخ يضغط على الحكام والخصوم والجماهير معاً.

بعد ثماني وأربعين ساعة فقط، جاء الاختبار الأكبر.

إيطاليا ضد النمسا في سان سيرو.

كان المطر حوّل الملعب إلى أرض ثقيلة، وهذا أضر كثيراً بالنمسا، الفريق الذي يستند جماله على التمرير القصير والحركة الذكية على أرضية الميدان.

جلس موسوليني في المدرجات صامتاً، وإلى جواره جول ريميه في وضع بدا أقرب إلى الحرج منه إلى الراحة، وحولهما أفراد من العائلة الملكية، وأمامهما مباراة لا تخص الرياضة وحدها.

كان ماتياس سينديلار، نجم النمسا، نقيضاً كاملاً للحلم الفاشي بالجسد الصلب.

لاعب نحيل، ذكي، مراوغ، يصنع الخطر من الخفة لا من العضلات.

لهذا حملت مواجهته مع مونتي معنى رمزياً: عقل فيينا الكروي ضد صلابة المشروع الإيطالي.

فرض مونتي عليه رقابة بدنية شديدة، إلى حد أن سينديلار احتاج إلى علاج بعد المباراة، وكتب له بوزو مدرب إيطاليا لاحقاً رسالة اعتذار.

فازت إيطاليا بهدف إنريكي غايتا بعد لقطة احتج عليها النمساويون بدورهم، مدّعين أن حارسهم تعرض لمخالفة أغفلها الحكم إيفان إكليند.

اسم الحكم السويدي إيفان إكليند سيبقى حاضراً في الجدل.

أدار نصف النهائي، ثم أسندت إليه إدارة النهائي أيضاً.

دارت حوله شائعات كثيرة، لكن لا توجد أدلة قاطعة على أنه قبض مالاً أو تلقى أمراً مباشراً.

هذا التمييز مهم.

التاريخ لا يحتاج إلى اختراع مؤامرة كاملة كي يرى الخلل.

أحياناً يكفي أن يكون الميزان نفسه مختلاً وكفة السياسة راجحة بسلطة مضيفة تريد الفوز، جمهور معبأ، صحافة تنشر الدعاية، وحكام يعلمون، ولو بلا أوامر مكتوبة، أن قراراتهم تقع تحت عين نظام لا يحب الخسارة.

النهائي.

كأس العالم وكأس الدوتشيفي النهائي، واجهت إيطاليا تشيكوسلوفاكيا في يوم شديد الحرارة.

لم تكن المباراة نزهة إيطالية.

تقدم أنتونين بوتش لتشيكوسلوفاكيا في الدقيقة 71، وكان يمكن لفرانتشيك سفوبودا أن يضاعف النتيجة عندما أصاب القائم.

للحظات، بدا أن الاستعراض كله مهدد بالانهيار وأن عدالة السماء اقتصت لضحايا الفاشية داخل الملعب وخارجه.

لكن رايموندو أورسي أنقذ إيطاليا قبل النهاية بتسع دقائق، بعدما راوغ وسدد كرة التعادل ثم سجل سكيافيو هدف الفوز.

انتهت المباراة 2-1، وسلّم جول ريميه كأس العالم، ثم سلّم موسوليني" كأس الدوتشي"، وهي جائزة إضافية ضخمة للفريق البطل، كأن السلطة أرادت أن تجعل للبطولة كأساً رسمية وأخرى سياسية.

في تلك اللحظة، لم يكن الفوز مجرد نتيجة.

صار مادة كاملة للدعاية: إيطاليا التي تنظم بدقة، تستضيف بأناقة، وتفوز في النهاية.

الصحافة الإيطالية احتفت بإشادات الزوار الأجانب بحسن التنظيم، وقدمت البطولة كدليل على أن البلاد بلغت" النضج" و" الاستعداد" و" القوة".

أما بعض الأصوات الخارجية، فلم تكن مقتنعة.

وصف الحكم البلجيكي جون لانغينوس البطولة لاحقاً بأنها، في نظر بلدان كثيرة، أقرب إلى إخفاق رياضي، لأن الرغبة في الفوز طغت على الاعتبارات الرياضية، ولأن روحاً ثقيلة خيمت على المنافسة.

كيف اختلفت نسخة 1934 عن 1930؟في أوروغواي عام 1930، كانت كأس العالم لا تزال مغامرة.

سفينة تعبر الأطلسي، منتخبات أوروبية قليلة، ملعب يُنجز في سباق مع المطر، وبلد صغير يريد أن يكبر في عين العالم.

السياسة كانت حاضرة هناك أيضاً، لكن حضورها كان أقرب إلى رغبة بلد حديث في الحصول على الاعتراف.

في إيطاليا 1934، تغيّر كل شيء.

لم تعد البطولة حلماً بل أداة في يد دولة تعبئ وتحشد وتشحن النفوس، ومع ذلك، لا ينبغي تبسيط الحكاية واختزالها إلى جملة واحدة مثل" مونديال فاشي".

كانت هناك كرة قدم حقيقية، ومدرب قدير، ولاعبون كبار، وخصوم أقوياء، ومباريات صعبة.

إيطاليا لم تكن فريقاً ضعيفاً جرى حمله إلى الكأس من دون موهبة أو عمل حقيقي، لكنها لعبت داخل مناخ سياسي منح كل لمسة وكل صافرة وكل مدرج معنى إضافياً.

وهذا هو جوهر 1934: لم تُلغ السياسة كرة القدم، بل أحاطت بها حتى صار من المستحيل فصل الهدف عن الخطاب.

يكشف مونديال 1934 أن كأس العالم، منذ بداياتها، لم تكن مبرأة من السياسة تماماً.

ما بدأه جول ريميه بوصفه مشروعاً للأخوة الكروية بين الأمم، اكتشف مبكراً أن ما هو شعبي يملك عصا السحر والتأثير، وما يصبح مؤثراً تجذبه السياسة كرهاً وطواعية.

في روما وفلورنسا وميلانو، تعلم العالم أن البطولة ليست فقط مكاناً وزماناً للعب، بل منصة وفرصة للدول كي تعرض نفسها كما تريد أن تُرى، لا كما هي بالضرورة.

كانت إيطاليا الفاشية أول من فهم ذلك بوضوح كامل.

استخدمت الملاعب والفرق والقمصان والجماهير والصحف والرموز لصناعة صورة أمة منتصرة.

لم تكن تحتاج إلى إخفاء السياسة خلف كرة القدم؛ كانت تريد أن تجعل كرة القدم نفسها لغة سياسية.

ولهذا تبقى نسخة 1934 محطة حاسمة في تاريخ كأس العالم، ليس فقط لأنها الكأس الإيطالية الأولى، بل لأنها تشرح لنا كيف دخلت المنافسة مرحلة جديدة، مرحلة صار فيها المونديال مرآة للقوة، وأداة لبناء سمعة الدولة ورسم صورتها، ومسرحاً تتقاطع على خشبته الرياضة مع القومية والدعاية والسلطة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك