كشفت مصادر حكومية رفيعة لـ" العربي الجديد" عن إعداد مبادرة حكومية لإحلال وتجديد أسطول السيارات في مصر، تهدف بحسب المصادر إلى توفير تمويل ميسر للمواطنين لشراء سيارات محلية الصنع بالتقسيط لمدة تصل إلى 7 سنوات وبفوائد مدعومة.
غير أن هذه المبادرة التي ستنطلق مطلع العام المالي الجديد (نهاية يوليو 2026) تحمل في طياتها توجهاً يراه خبراء ومراقبون ضغطاً مباشراً على الفئات محدودة الدخل، حيث تتبنى الحكومة رؤية تقضي بإخراج 50% من السيارات المستعملة حالياً من الخدمة وتحويلها إلى" خردة" خلال 5 سنوات.
وفي الوقت الذي تسوق فيه الحكومة هذه الخطوة أداةً لتوطين الصناعة وكسر جمود مبيعات الشركات، تثير الخطة مخاوف حول مصير ملايين الأسر التي تعتمد على سيارات قديمة وسيلةَ انتقالٍ وحيدة، إذ لا تكتفي المبادرة بتشجيع الاستبدال، بل تتجه نحو فرض قيود على تشغيل المركبات المتهالكة التي تجاوز عمرها 20 عاماً لإجبار مالكيها على" التخريد".
وبينما توفر هذه الخطة كميات ضخمة من الحديد لمصانع الصلب التي تعاني غلاء الخامات، يطرح مراقبون تساؤلات حول مدى قدرة المواطن البسيط، المثقل بالأعباء الاقتصادية، على تحمل أقساط سيارات جديدة.
وقالت المصادر إن" الخطة تستهدف تشجيع رفع معدلات تصنيع السيارات الليموزين والمركبات وتوطين الصناعة محلياً، وكسر حالة الجمود التي تعاني منها شركات الإنتاج".
وأكدت أن" الحكومة تجري حالياً مشاورات مع اتحاد الصناعات المصرية والبنك المركزي والبنوك العامة والخاصة لتوفير التمويل اللازم للمبادرة، بما يضمن تقديم برامج تمويلية ميسرة تساعد شريحة أكبر من المواطنين على امتلاك السيارات المنتجة محلياً، وتسديد ثمنها على أقساط تراوح ما بين 5-7 سنوات بفائدة ميسرة".
وشرح مسؤول في اتحاد الصناعات لـ" العربي الجديد" أن" المبادرة سيكشف عنها مطلع العام المالي الجديد 2026-2027"، مؤكداً أن" الحكومة تتبنى رؤية طرحها منتجو السيارات تقضي بإخراج نحو 50% من السيارات المستعملة العاملة حالياً في السوق المصرية من الخدمة وبيعها كخردة، في مدى زمني لا يتعدى 5 سنوات، وبما يوفر كميات كبيرة من الخردة لصالح مصانع الحديد التي تواجه ارتفاعاً في الأسعار العالمية للخامات، وفي الوقت نفسه يدعم مبيعات شركات السيارات التي تعاني تباطؤ الطلب".
وأوضح المسؤول أن الخطة الحكومية تستهدف" تخريد" نحو 3 ملايين سيارة خلال مدة المبادرة، مع دراسة وضع قيود على تشغيل السيارات المتهالكة والقديمة التي تحصل على رخصة سير حالياً والتي مر على إنتاجها أكثر من 20 عاماً، بما يدفع مالكيها إلى استبدالها بسيارات أحدث، ما يشجع الصناعات الجديدة، ويسهم في تقليل الانبعاثات والحفاظ على البيئة.
ويخشى أحمد أبو الفتوح عضو نقابة العاملين بالنقل البري أن تدفع الحكومة المواطنين إلى نظام تبديل السيارات قسراً كما فعلت مع سائقي سيارات الأجرة والنقل الجماعي عام 2005 للإسراع في إحلال السيارات القديمة بأخرى حديثة تعمل بالغاز ضمن مبادرة ممولة من وزارة المالية استهدفت نحو 100 ألف سيارة.
وأكد أبو الفتوح أن الحكومة في حينها فرضت على السائقين عدداً محدوداً من ماركات السيارات بما جعل الموردين يبالغون في التسعير ويخففون من إمكاناتها الفنية، لتتحول أغلبها إلى خردة في سنوات، بعضها أحيل على التقاعد أو احتاج إلى نفقات هائلة لتشغيلها قبل الانتهاء من سداد الأقساط التي كانت تتم ما بين 3-5 سنوات.
أوضح أبو الفتوح أن الزيادة الهائلة في أسعار السيارات التي تضاعفت 5 مرات منذ التعويم الأخير للجنيه عام 2024، دفع المواطنين الى استدعاء السيارات القديمة إلى إعادة استخدامها والمحافظة على المتقادم منها فنياً وزمنياً ليحتفظ المواطن بالحد الأدنى من قدرته على تدبير وسيلة مواصلات للأسرة، ولا سيما مع ارتفاع اسعار النقل في المدن الكبرى وندرة الخدمات العامة بالمحافظات، مؤكداً خطورة أن تكون المبادرة ملزمة، ومفضلاً أن يكون الانضمام إليها طوعياً ومركزاً على سيارات الأجرة والقطاعات السياحية والإنتاجية مع توفير نطاق واسع من الاختيارات من العروض المالية والماركات.
وكانت الحكومة قد أوقفت مبادرة تمويل شراء السيارات لإحلال سيارات الأجرة والسياحية منذ عام 2022 مع موجة التشدد النقدي التي سادت منذ 5 سنوات مع ارتفاع معدل الفائدة وندرة التمويل الدولي لبرامج إحلال للسيارات، وسط رفض صندوق النقد الدولي منح قطاعات صناعية أو زراعية ميزة تفضيلية في معدل الفائدة.
وتبحث الحكومة حالياً عن تمويل المبادرة الجديدة عبر قروض ميسرة من الاتحاد الاوروبي واليابان، تستهدف الحفاظ على البيئة وخفض معدلات التلوث الناتج عن استهلاك المحروقات في السيارات القديمة.
يأتي التوجه الحكومي في وقت تشير فيه تقديرات لجهاز الإحصاء الحكومي، إلى أن إجمالي عدد المركبات المرخصة في مصر بلغ 11,05 مليون مركبة في 2025 مقابل 10,41 ملايين مركبة في 2024 بنسبة ارتفاع قدرها 6,1%.
وبلغ إجمالي عدد السيارات المرخصة 6 ملايين سيارة بنسبة 54,1% من إجمالي المركبات، وكان العدد الأكـبر للسيارات الخاصة (ملاكي) حيــــث بلغت 5,7 ملايين سيارة بنسبة 94,8%.
ويعتبر معدل امتلاك السيارات في مصر قليلاً مقارنة بالدول العربية الأخرى، وفي دراسة فنية حديثة، اعتبر المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن انخفاض معدل امتلاك السيارات لا يعني بالضرورة وجود طلب فعلي قادر على دعم صناعة سيارات ضخمة، لأن القدرة الشرائية للمواطنين ما زالت محدودة، وهو ما يجعل الاعتماد على السوق المحلية وحدها غير كافٍ لبناء صناعة سيارات تنافسية.
وأشار المركز في دراسته التي أصدرها الثلاثاء، إلى أن مصر تضم نحو 15 شركة لتجميع السيارات، إلا أن كل شركة تنتج كميات محدودة من طرازات متعددة، الأمر الذي يحول دون تحقيق وفورات الحجم الاقتصادي، ويرفع تكلفة الإنتاج، ويضعف القدرة التنافسية للصناعة.
ولفتت الدراسة إلى اتساع الفجوة بين مصر والدول المنافسة في مجال صناعة السيارات، حيث سجل معدل امتلاك السيارات نحو 64 سيارة لكل ألف نسمة في مصر، مقابل نحو 112 سيارة لكل ألف نسمة في المغرب و176 سيارة لكل ألف نسمة في جنوب أفريقيا.
ورأى خبراء المركز المصري للدراسات الاقتصادية من الاقتصاديين وممثلي اتحاد الصناعات ومجتمع الأعمال في مصر، أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص الحوافز فقط، وإنما في هيكل الصناعة ذاته، داعين إلى التحول من نموذج التجميع للسوق المحلية إلى نموذج صناعي يقوم على الإنتاج من أجل التصدير، وجذب مصنع عالمي رئيسي، وتطوير الصناعات المغذية، والتركيز على عدد محدود من الطرازات القادرة على تحقيق وفورات الحجم الاقتصادي.
في المقابل، تراهن الحكومة على أن تنشيط الطلب المحلي قد يوفر متنفساً مهماً للصناعة خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع دخول استثمارات جديدة، ولا سيما من الشركات الصينية، وتوسع عدد من الشركات العالمية في التصنيع داخل مصر.
وقال المستشار أسامة أبو المجد، رئيس رابطة تجار السيارات في مصر، لـ" العربي الجديد"، إن صناعة السيارات تعاني مجموعة من التحديات الهيكلية.
وأوضح أن السوق المصرية تمتلك إمكانات كبيرة للنمو، ويمكنها استيعاب نحو 300 ألف سيارة سنوياً في الظروف الطبيعية، إلا أن المبيعات الفعلية ظلت دون هذا المستوى نتيجة ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكلفة التمويل.
وأضاف أن زيادة الاعتماد على برامج التمويل والتقسيط يمكن أن تسهم في تحفيز الطلب وإعادة تنشيط السوق، خصوصاً مع التوسع في التصنيع المحلي وارتفاع نسب المكون المحلي في بعض الطرازات.
يؤكد محمد قاسم عضو مجلس إدارة المركز المصري للدراسات الاقتصادية ورئيس المجلس التصديري، أنه في حال نجاح المبادرة في تخريد نحو 3 ملايين سيارة خلال خمس سنوات، فإن ذلك يعني استبدال ما يقرب من نصف السيارات القديمة العاملة في السوق المصرية، وهو ما قد يمثل أكبر عملية إحلال وتجديد لأسطول السيارات في تاريخ البلاد، ويمنح صناعة السيارات المحلية فرصة جديدة للخروج من حالة الركود التي عانتها خلال السنوات الماضية.
وكان رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، قد نظم في مكتبه خلال الأسبوعين الماضيين، عدة اجتماعات لمتابعة تنفيذ البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات، مؤكداً أن الدولة تستهدف بناء قاعدة صناعية كبيرة للسيارات وجذب كبرى الشركات العالمية لتصنيع سياراتها محلياً، مع تركيز خاص على السيارات الكهربائية.
كما تحدثت الحكومة عن تقديم حوافز استثنائية لزيادة الاستثمارات ورفع نسب المكون المحلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك