الجزيرة نت - "لن أدمر ما بنيته".. مدرب تركيا يرد على دعوات رحيله بعد نكسة المونديال العربية نت - "OpenAI" تكشف عن أول شريحة ذكاء اصطناعي من تطويرها بالتعاون مع "برودكوم" CNN بالعربية - زلازل قوية تضرب 3 مناطق مختلفة في غضون ساعات قليلة.. ماذا قال الخبراء عن الأمر؟ العربية نت - زلزال فنزويلا المزدوج.. الأعنف منذ 125 عاماً الجزيرة نت - كيف حاول الوسطاء إبعاد يد إسرائيل عن مفاوضات سويسرا؟ Euronews عــربي - أمارودي: أكبر سفينة رحلات نهرية في أوروبا تنطلق في الدانوب الربيع المقبل قناة الغد - مزاعم إسرائيلية.. هواجس من مخطط إيراني في الضفة الغربية القدس العربي - تونس.. سجناء “سياسيون” يدعون المعارضة للوحدة التلفزيون العربي - كيف تتعامل مع صديق خسر فريقه في المونديال؟ العربية نت - اجتماع خليجي أميركي في البحرين يبحث مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية
عامة

الدكتور محمد مصدّق؛ الأمة في مواجهة الدولة

الغد
الغد منذ 1 ساعة
1

في تاريخ إيران الحديث، يصعب أن تجد شخصية أثارت من الجدل بقدر ما أثاره الدكتور محمد مصدّق. هذا الرجل الذي ارتبط اسمه بتأميم النفط والانقلاب الذي أطاح حكومته سنة 1953، لم يعد مجرد رئيس وزراء خسر معركة س...

في تاريخ إيران الحديث، يصعب أن تجد شخصية أثارت من الجدل بقدر ما أثاره الدكتور محمد مصدّق.

هذا الرجل الذي ارتبط اسمه بتأميم النفط والانقلاب الذي أطاح حكومته سنة 1953، لم يعد مجرد رئيس وزراء خسر معركة سياسية، بل تحول إلى واحدة من الشخصيات المؤسسة للوعي الإيراني المعاصر.

ولعل أهمية مصدّق لا تكمن في ما فعله فقط، بل في ما أصبح يمثله بعد ذلك.

فقد بقي حضوره حياً في الذاكرة الإيرانية بوصفه رمزاً للاستقلال الوطني والدستورية والسيادة الشعبية، حتى بعد أن غادر السلطة بسنوات طويلة.

وُلد محمد مصدّق سنة 1882 في طهران، في واحدة من أكثر العائلات نفوذاً في إيران القاجارية.

كان والده ميرزا هدايت الله آشتیاني، المعروف بلقب “وزير الدفتر”، من كبار رجال الإدارة والمالية في الدولة القاجارية، بينما كانت والدته “نجم السلطنة” أميرة تنتمي إلى الأسرة الحاكمة نفسها.

وهكذا نشأ مصدّق في بيئة جمعت بين النفوذ السياسي والتقاليد البيروقراطية العريقة، الأمر الذي سهّل دخوله المبكر إلى عالم الإدارة والسياسة، قبل أن يضيف إلى ذلك تكويناً قانونياً حديثاً عبر دراسته في أوروبا.

لكن، ما جعل شخصيته مختلفة لم يكن النسب وحده، بل الجمع بين إرث الأرستقراطي القديم والتكوين القانوني الحديث.

إذ درس القانون في سويسرا وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة لوزان، وعاد إلى إيران حاملاً معه لغة الدولة الحديثة؛ لغة الدستور والمؤسسات والقانون.

ومنذ بداياته السياسية بدا مصدق أقرب إلى رجل الدولة منه إلى رجل الحركة.

تولى عدداً من المناصب الرفيعة، من بينها حاكم إقليم فارس ووزير المالية ووزير الخارجية وعضوية البرلمان، واكتسب سمعة السياسي الذي يجمع بين الثقافة القانونية والخبرة الإدارية.

وحين صعد رضا خان إلى العرش سنة 1925، مؤسساً الأسرة البهلوية، وقف مصدّق في صف المعارضين.

ولم يكن اعتراضه مجرد خلاف سياسي عابر، بل تعبيراً عن رؤية مختلفة للدولة والشرعية؛ فمن جهة كان ابن العالم القاجاري الذي أُزيح عن الحكم، ومن جهة أخرى كان رجل القانون الذي لم يكن مرتاحاً لتحوّل القوة العسكرية إلى مصدر للملكية والسلطة.

ولهذا، بدت معارضته لتتويج رضا خان، في جوهرها، اعتراضاً على الطريقة التي تُبنى بها الشرعية السياسية.

ومع انتصار المشروع البهلوي، انسحب مصدّق من الحياة العامة سنوات طويلة، قبل أن يعود إلى المشهد السياسي بعد سقوط رضا شاه سنة 1941 في أعقاب الاحتلال البريطاني السوفيتي لإيران أثناء الحرب العالمية الثانية.

عاد مصدق في وقت كانت إيران تبحث فيه عن رجال دولة قادرين على التعامل مع مرحلة مضطربة ومعقدة.

لم يكن مصدّق ثورياً يخيف الطبقات التقليدية، ولا رجل بلاط امتثالياً، بل شخصية جمعت بين الحسّ الوطني والخبرة المؤسسية.

واستطاع أن يفرض نفسه تدريجياً واحداً من أبرز الأصوات السياسية في البلاد.

ومن هنا، بدأ صعوده الحقيقي؛ فقد برز في مواجهة الامتيازات الأجنبية، ثم تحول إلى الرمز الأبرز لمطلب تأميم النفط الإيراني.

وحين أُقرّ قانون التأميم سنة 1951، وتولى رئاسة الوزراء، بلغ ذروة حضوره السياسي والشعبي.

لكن النفط لم يكن القضية الوحيدة التي يمثلها مصدّق.

ولئن كان رضا شاه أعاد بناء الدولة الإيرانية الحديثة وأقام مؤسساتها المركزية؛ فإن مصدّق أعاد إحياء فكرة الأمة الإيرانية بوصفها صاحبة الحق في السيادة على مواردها وقرارها السياسي.

ولهذا ارتبط اسمه بالنفط، لكن رمزيته تجاوزت النفط نفسه لتصبح مرتبطة بمعنى الاستقلال الوطني والكرامة السياسية.

وهنا بدأ الصدام الكبير؛ فالصراع بين مصدّق والشاه كان صراعاً بين تصوّرين مختلفين للشرعية.

الدولة البهلوية كانت ترى نفسها وريثة مشروع بناء الدولة الحديثة، بينما رأى مصدّق أن الأمة ومؤسساتها الدستورية يجب أن تكون المصدر النهائي للسلطة السياسية.

تجاوزت الأزمة حدود النفط لتتحول إلى سؤال أكبر؛ من يحكم إيران؟ الدولة أم الأمة؟وعندما وقع الانقلاب سنة 1953، بدعم أميركي وبريطاني وعاد الشاه إلى الحكم، بدا وكأن مصدّق خسر المعركة نهائياً.

بعد الانقلاب أُلقي القبض على مصدّق، وخضع للمحاكمة أمام محكمة عسكرية، ثم حُكم عليه بالسجن.

وبعد انتهاء فترة سجنه فُرضت عليه الإقامة الجبرية في قريته “أحمد آباد”، حيث أمضى ما تبقى من حياته بعيداً عن العمل السياسي المباشر.

وهناك بقي تحت المراقبة حتى وفاته سنة 1967 عن خمسة وثمانين عاماً، ليرحل الرجل الذي هزّ إيران والعالم ذات يوم في عزلة شبه كاملة، بينما كانت أفكاره تواصل حياتها خارج أسوار عزلته.

غير أن السياسة لا تُقاس دائماً بنتائج المعارك المباشرة؛ ويخبرنا التاريخ أن بعض الشخصيات تغادر السلطة لكنها تبقى حاضرة في الذاكرة العامة بوصفها معياراً أخلاقياً وسياسياً تُقاس عليه المراحل اللاحقة.

وهذا، بالضبط، ما حدث مع مصدّق.

منذ ذلك التاريخ، تحول اسم الدكتور مصدق إلى رمز للاستقلال الوطني والدستورية والسيادة الشعبية، ونشأ ما يمكن وصفه بالتيار المصدقي الذي ظل حاضراً في الحياة السياسية والثقافية الإيرانية حتى العقود الأخيرة من حكم محمد رضا شاه.

والمفارقة أن الشاه نفسه عاد، في سنواته الأخيرة، إلى محاولة الاستفادة من هذا الإرث، مع اتساع نفوذ المعارضة الدينية وتراجع قدرة النظام على احتواء الشارع.

وبرزت شخصيات قومية وليبرالية ودستورية كانت أقرب إلى التقليد السياسي الذي مثله مصدّق.

وربما كان تكليف شهبور بختيار برئاسة الوزراء في الأسابيع الأخيرة من عمر النظام أحد أبرز تعبيرات هذه المحاولة المتأخرة لاستعادة شيء من الشرعية الوطنية التي مثلها مصدّق وتياره.

بيد أن الزمن السياسي كان قد تجاوز تلك اللحظة.

وما كان يمكن أن يشكل تسوية وطنية في مرحلة سابقة، لم يعد قادراً على وقف الثورة التي كانت تتشكل في الشارع الإيراني.

!ويبقى جانب آخر لا يقل أهمية في فهم شخصية مصدّق، وهو فهمه العميق لقوة الصورة العامة.

هذا الرجل الذي جاء من قلب الأرستقراطية الإيرانية لم يُحفظ في الذاكرة بصورة النبيل القاجاري أو رجل الدولة المتأنق، بل بصورة مختلفة تماماً؛ صورة السياسي الذي يستقبل بعض زواره من سريره، أو يظهر بالبيجامة، أو يتأثر أثناء الخطابة حتى تدمع عيناه.

كان يمكن لهذه الصورة أن تُفسر بوصفها ضعفاً، لكنها تحولت إلى مصدر قوة استثنائي؛ إذ في الوقت الذي كانت الدولة البهلوية تبني جانباً من شرعيتها على الأبهة والزي الرسمي والبروتوكول والمراسم، ظهر مصدّق في صورة أقرب إلى الناس وأبعد عن رموز السلطة التقليدية.

ولهذا، لم تحولت “البيجامة” في حالة مصدق، إلى رمز سياسي.

كانت، في أحد وجوهها، إعلاناً غير مباشر أن الشرعية لا تأتي من المراسم وحدها، وأن القرب من الناس قد يكون مصدراً للقوة لا يقل أهمية عن مؤسسات الدولة وهيبتها.

لقد أدرك مصدّق، بوعي أو بحدس سياسي رفيع، أن الصورة جزء من السياسة نفسها.

فاحتفظ بثقة الأرستقراطي وخبرة رجل الدولة، لكنه تخلص من كثير من الرموز التي تخلق مسافة بين الحاكم والجمهور.

ولم يكن مصدّق، في هذا الباب، حالة فريدة تماماً في التاريخ السياسي الحديث.

فثمة زعماء كبار أدركوا أن الصورة العامة جزء من الخطاب السياسي العميق.

خذ، مثالاً، المهاتما غاندي الذي جعل من لباسه البسيط والمغزل رمزاً للاستقلال ومقاومة الاستعمار، وكذلك نيلسون مانديلا عندما أحال قميصه الأفريقي المميز إلى رسالة ثقة بالهوية الوطنية في مواجهة إرث التمييز العنصري.

أما الحبيب بورقيبة فقد اختار، على النقيض منهما، المظهر الأوروبي الأنيق بوصفه امتداداً رمزياً لمشروعه في بناء الدولة الحديثة.

وبين هذه النماذج، يبدو مصدّق حالة مختلفة؛ فهو لم يجعل من لباسه إعلاناً للزهد، ولا للهوية الثقافية، ولا للتحديث، بل جعل من الهشاشة نفسها لغة سياسية.

لقد استخدم صورة الرجل المتعب والمريض والقريب من الناس ليبني شرعية أخلاقية تنافس شرعية الدولة الرسمية، ويقدم نفسه بوصفه ممثلاً للأمة أكثر منه صاحب سلطة عليها.

إن أهمية محمد مصدّق لا تكمن في أنه ربح أو خسر السلطة، بل في أنه نجح في فرض سؤال ظل يطارد إيران حتى اليوم؛ من أين تأتي الشرعية؟ من الدولة؟ أم من الأمة؟ أم من الثورة؟ومن هذه الزاوية بالذات، يبدو الدكتور مصدّق واحداً من أهم الوجوه التي ساهمت في تشكيل الجدل الإيراني الحديث حول الدولة والسلطة والهوية الوطنية.

وكما بقي النفط الذي أمّمه مورداً دائماً للدولة الإيرانية، بقيت الفكرة التي حملها مورداً دائماً للسياسة الإيرانية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك