شهدت العاصمة الأميركية واشنطن مفاوضات مباشرة معقدة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة، بهدف بحث وتيرة ونطاق الانسحاب العسكري من الجنوب وتحديد المناطق التجريبية لسيطرة الجيش اللبناني، وسط أجواء خيم عليها التعنت الميداني وتبادل اتهامات خرق التهدئة.
في هذا السياق، قال مسؤولون إسرائيليون إن إسرائيل ولبنان ما زالتا على خلاف بشأن وتيرة ونطاق انسحاب القوات الإسرائيلية خلال الجولة الخامسة من المفاوضات التي توسطت فيها الولايات المتحدة والتي عقدت في وزارة الخارجية بواشنطن، وفقًا لصحيفة «يديعوت أحرونوت».
وناقش الجانبان المناطق التجريبية المقترحة التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية وتسلم السيطرة إلى الجيش اللبناني، والذي من المتوقع أن يؤمن المناطق ويضمن خلوها من مقاتلي حزب الله، إلا أن المحادثات اتسمت بخلافات حادة حول سرعة الانسحاب ومواقع إنشاء المناطق التجريبية الأولى، إذ تستعد إسرائيل لانسحابات أولية محدودة، لكنها تعارض الانسحاب الكامل من جنوب لبنان.
وقدم الوفدان خرائط، واقترح كل جانب مناطق تجريبية مختلفة لبدء العملية، وفي اليوم الثاني من جولة المفاوضات، عقد ضباط عسكريون من كلا البلدين محادثات في البنتاغون، ومن المتوقع أن تستمر المناقشات اليوم الخميس.
اتهم حزب الله إسرائيل، يوم أمس الأربعاء، بانتهاك وقف إطلاق النار، لكنه لم يهدد بالانتقام، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية استهدفت عمدًا مدنيين لبنانيين كانوا يتفقدون منازلهم في قرية كفر رمان.
وجاء في بيان حزب الله: «يمثل هذا العمل انتهاكًا صارخًا لوقف إطلاق النار، الذي ما زلنا ملتزمين به، ونحن نراقب ونرصد هذه الانتهاكات».
وأعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، مقتل أحد جنوده خلال «نشاط عملياتي» في جنوب لبنان في اليوم السابق.
وقال إن رقيبا في الثانية والثلاثين من العمر «سقط خلال نشاط عملياتي».
وأفاد متحدث وكالة فرانس برس بأن الجندي قُتل جراء انقلاب عربته.
وأعرب مسؤولون إسرائيليون عن تشاؤم متزايد بشأن مفاوضات لبنان، مستشهدين ببند وارد في مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وبخطط الولايات المتحدة لإنشاء آلية تهدف إلى منع الاحتكاك في لبنان.
وبحسب المسؤولين الإسرائيليين، أرسلت إدارة ترمب إشارات متضاربة، فقد ضغط نائب الرئيس جيه دي فانس والمستشارين الرئاسيان جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف على إسرائيل لوقف الضربات في جميع أنحاء لبنان، بينما كان وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر تقبلاً لمخاوف إسرائيل الأمنية.
من جانبه، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن إسرائيل ولبنان تتفاوضان كدولتين ذواتي سيادة بهدف تحقيق سلام وأمن دائمين، مضيفًا: «هدفنا المشترك هو إنهاء دوامة العنف نهائيًا، والمحادثات مستمرة في التقدم نحو التوصل إلى اتفاق شامل للسلام والأمن بين البلدين».
أعرب السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية، ليندسي غراهام، في مقابلة مع صحيفة «هَديريخ» الإسرائيلية عن شكوكه بشأن المفاوضات، قائلًا: «لا أعتقد أن على إسرائيل الانسحاب من لبنان، وفرص التوصل إلى اتفاق حقيقي بين إسرائيل ولبنان تكاد تكون معدومة طالما أن إيران تتفاوض نيابة عن حزب الله مع الولايات المتحدة، وسأتخذ موقفًا متشددًا تجاه أي اتفاق يبدو أنه يحد من حرية العمل ضد حزب الله».
وأضاف أن الجيش اللبناني أضعف من أن يتمكن من تفكيك وتدمير حزب الله بمفرده ونزع سلاحه، مشيرًا إلى أن هذه الفكرة غير واقعية على الإطلاق، مشددًا أن إيران لا ينبغي لها أن تحدد نتائج المفاوضات أو تؤثر عليها.
وتابع: «لبنان دولة ديمقراطية لها حكومتها وقيادتها السياسية، وإسرائيل أيضًا دولة ديمقراطية، ولا تخضع أو تلتزم أي منهما بالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وفكرة تفاوض إيران والولايات المتحدة في سويسرا، وما يترتب على ذلك من إلزام تلقائي لإسرائيل ولبنان، فكرة إشكالية».
الموقف الأميركي والإسرائيليمن جانبه، أكد ماركو مسعد، الباحث في مجلس سياسات الشرق الأوسط بواشنطن، أن الإدارة الأميركية لم تفاجأ بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي رفض فيها الانسحاب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان.
وأوضح مسعد لقناة الغد أن واشنطن كانت تنتظر مثل هذه المواقف وتعلم جيدًا الموقف الإسرائيلي، لذا لا يوجد أي اندهاش لدى الإدارة الأميركية التي كانت على دراية تامة بوجود مماطلة أو مقاومة كبيرة من جانب الجيش أو الإدارة الإسرائيلية فيما يخص ملف لبنان.
وأشار إلى أن هذا الملف يمثل الورقة الأخيرة التي يتعامل بها نتنياهو مع ترمب، خاصة بعد أن خسر ورقة إيران، ولأن التأثير الذي يحدثه في قطاع غزة أو الضفة الغربية ليس بمقام ومستوى ما يفعله في الجبهة اللبنانية.
ولفت مسعد إلى أن الموقف الأميركي يختلف عن التوجه الإسرائيلي، إذ ترغب واشنطن في إعطاء المفاوضات الفرصة الأكبر للنجاح، مستشهدًا بأن ترمب عندما دخل الحرب مع إيران كان يهدف إلى منح المسار التفاوضي الفرصة الأكبر، في حين تركز إسرائيل على استخدام القوة العسكرية والتصعيد الميداني.
وحذر الباحث من أن هذا التصعيد العسكري قد يتسبب في أزمة إنسانية كبرى تشمل مقتل المدنيين ونزوح ملايين اللبنانيين، وهو أمر يحرج ترمب سياسيًا، كما أحرجت المأساة الإنسانية في قطاع غزة إدارة الرئيس السابق جو بايدن، لا سيما والولايات المتحدة على بُعد أشهر قليلة من الانتخابات النصفية.
وأضاف مسعد أن ترمب يتبنى رؤية تقوم على عدم جواز استخدام القوة العسكرية في كل ملف وفي كل مكان، مشددًا على ضرورة اللجوء إلى المفاوضات، وهو ما يفسر الضغط الأميركي الحالي على إسرائيل لإنجاح المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية.
وأوضح أن الموقف الأميركي الواضح يفضل المفاوضات لكونها الخيار الأقل تكلفة بالنسبة لترامب من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية، مؤكدًا أن الرئيس الأميركي لا يريد الانجرار والدخول في حرب لا نهاية لها في لبنان، خاصة إذا كانت ستؤدي إلى أزمة إنسانية ومعنوية تؤثر عليه مباشرة.
وأشار إلى وجود «مناطحة سياسية» كبيرة بين ترمب ونتنياهو، وأنه لا أحد منهما يستطيع حسم هذه المواجهة لصالحه بشكل كامل، إذ لا يمكن لترمب التخلي عن نتنياهو في هذه الفترة بالتحديد نظرًا لارتباط ذلك بحسابات معقدة تتعلق بالانتخابات النصفية الأميركية ودور اللوبي اليهودي المؤثر فيها.
من جهته، أوضح إيهاب جبارين، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، أنه على الرغم مما يبدو في الظاهر من تناقض صارخ بين وجود مسار دبلوماسي ومفاوضات مباشرة تجري في واشنطن تقودها الحكومة الإسرائيلية نفسها التي يترأسها نتنياهو، وبين وجود موجة غضب عارمة داخل تيار اليمين والمؤسسات الاستيطانية، إلا أن الواقع يشهد إطلاق تصريحات هجومية لافتة، لا سيما من بعض الوزراء ومن وزير الأمن المتطرف يسرائيل كاتس.
وأشار الخبير في الشؤون الإسرائيلية لقناة الغد إلى أن هذا التباين لا يعكس تناقضًا حقيقيًا في الموقف الإسرائيلي، بل يمثل آلية ومنهجية محددة يتبعها نتنياهو لإدارة هذه المفاوضات، إذ تفيد القراءات السياسية التقليدية في إسرائيل بأن نتنياهو عندما يرغب في إفشال أي مسار سياسي بشكل قطعي، فإنه يتصدر المشهد بنفسه ويعلن خطوطه الحمراء مباشرة أمام الجميع.
وتابع: «في المقابل، عندما يريد الحفاظ على هامش مناورة ومرونة سياسية، فإنه يفضل الاختباء خلف وزرائه، تاركاً إياهم يرفعون سقف الخطاب السياسي والتشدد، بينما يحتفظ هو لنفسه بحرية الحركة والمناورة».
ولفت جبارين إلى أن المشهد الحالي يعبر عن تبادل واضح في الأدوار، حيث يتحدث كاتس بالخطاب المتشدد الموجه للداخل والجمهور الإسرائيلي لكسب ود اليمين، في حين يتولى نتنياهو مهمة مخاطبة الجانب الأميركي، تارة من خلال صمته المعبّر، وتارة أخرى عبر إطلاق تصريحات تذهب يمنة ويسرة لتلبية متطلبات الحسابات السياسية المختلفة.
أما عن خيار المفاوضات والانقسام اللبناني، أوضح الكاتب والباحث السياسي رضوان عقيل، أن تصريحات الرئيس اللبناني جوزيف عون في هذا الخصوص جاءت لتأكيد أن خيار المفاوضات هو السبيل الأمثل لتحرير الأراضي وعودة الأهالي إلى بلداتهم في جنوب لبنان.
وأوضح عقيل لقناة الغد أن تصريحات عون تحمل إشارة مباشرة إلى أن المواجهة التي فتحها حزب الله ضد إسرائيل لم تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر وسقوط العديد من الشهداء والمدنيين، فضلاً عن كونها أخرت الحزب الذي لم يعد إلى قوته الأساسية السابقة.
وأشار إلى وجود انقسام لبناني داخلي واضح بين مساري باكستان وواشنطن، إذ تركز الحكومة ورئيس الجمهورية على مفاوضات واشنطن، وتشددان على عدم وجود أي علاقة للبنان بما يجري في جنيف أو بما حدث في باكستان.
وأشار الباحث السياسي إلى أن دخول العامل الإيراني بدعم أميركي هو الذي أدى في حقيقة الأمر إلى وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن الوفد اللبناني ذهب إلى واشنطن لخوض مفاوضات على وقع تداعيات ما جرى في جنيف، وهو أمر لا مفر منه.
وكشف عقيل عن تعامل الوفد الإسرائيلي بسلبية كبيرة مع الجانب اللبناني خلال المحادثات، مشيرًا إلى أن الإسرائيليين لم يطمسوا اعتراضاتهم على الأداء الأميركي وما تم التوصل إليه في جنيف، بهدف التشويش على التفاهمات الإيرانية الأميركية.
وأضاف أن الرفض الإسرائيلي للانسحاب من المناطق التجريبية المقترحة يترجم مواقف نتنياهو، مما دفع الوفد اللبناني للتساول ومطالبة الأميركيين بممارسة الضغط المطلوب على الجانب الإسرائيلي، الذي سببت سياسة تعنته مضايقة وإحراجاً للجانب الأميركي نفسه نتيجة السياسة التي يمارسها رئيس الوفد الإسرائيلي.
ولفت إلى أنه لم يعد هناك مهرب أمام لبنان من الإقرار بما تم التوصل إليه في جنيف، بل إن هناك حديثًا يدور حاليًا حول إمكانية مشاركة شخصية لبنانية في «خلية جنيف» لمتابعة التطورات، إذ لا يعقل أن يتابع الآخرون شؤون البيت اللبناني ومستقبل الجنوب وشؤونه في غياب أصحاب الشأن والممثلين في هذه العملية.
وأكد أن الوفد اللبناني يمتلك إمكانية الاستفادة من التفاهمات الأميركية الإيرانية واستثمارها على طاولة المفاوضات في واشنطن بالدمج والاستفادة من المسارين، وهو توجه تدعمه قطر وباكستان وحتى الإدارة الأميركية نفسها، غير أن خلافاتنا الداخلية اللبنانية والرفض المطلق لأي دور إيراني هما ما أدى في النهاية إلى هذه الخلاصة من الانقسام الحاد داخل الشارع اللبناني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك