تبحث دول الاتحاد الأوروبي، اليوم الخميس، إقامة مراكز استقبال ومعالجة طلبات اللجوء خارج حدود دوله، في خطوة تُعَدّ من أكثر التحوّلات حساسية في سياسات الهجرة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
وتدور النقاشات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول إمكانية التعاون مع نحو 12 دولة خارج أوروبا لاستضافة هذه المراكز، من بينها رواندا وغانا والسنغال وتونس وليبيا وموريتانيا ومصر وأوغندا وأوزبكستان وأرمينيا ومونتينيغرو وإثيوبيا.
وتقوم الفكرة على ما تسمّيه بروكسل" حلول الشراكة الخارجية"، أي نقل جزء من إجراءات اللجوء أو استقبال طالبي الحماية إلى دول ثالثة، بهدف التقليل من أعداد الوافدين إلى الأراضي الأوروبية والحدّ من شبكات التهريب عبر البحر الأبيض المتوسط، لكنّ هذا التوجّه يثير جدالاً واسعاً داخل أوروبا وخارجها، مع تصاعد التحذيرات القانونية والحقوقية من تداعياته.
مخاوف حقوقية من" تفويض" الحماية خارج أوروباتحذّر منظمات حقوقية أوروبية ودولية من أنّ هذا النموذج قد يؤدّي إلى تفريغ نظام اللجوء الأوروبي من مضمونه، عبر نقل مسؤولية الحماية إلى دول لا تملك، في كثير من الحالات، سجلاً مستقراً في احترام حقوق الإنسان أو ضمانات اللجوء.
كذلك تشير إلى احتمال تعارضه مع مبدأ" عدم الإعادة القسرية" المنصوص عليه في اتفاقية جنيف، ومع اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية.
وتشدّد منظمات، من بينها: منظمة العفو الدولية، و" هيومن رايتس ووتش"، والمجلس النرويجي للاجئين، والمجلس الدنماركي للاجئين، والمنظمة الأوروبية لحقوق اللاجئين، على أنّ تحويل دول ثالثة إلى مراكز استقبال فعلية قد يخلق" مساحات قانونية رمادية"، إذ تُدار بالتالي طلبات اللجوء من خارج الرقابة القضائية الأوروبية المباشرة.
وتحذّر هذه المنظمات من أنّ هذا النموذج قد يُضعف الضمانات الأساسية، خصوصاً الحق في الطعن بقرارات الرفض وطلب الحماية، بالإضافة إلى مخاطر انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية.
انقسام سياسي في الاتحاد الأوروبي وتجارب غير محسومةولا يحظى المقترح بإجماع داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تؤيّده 18 دولة من أصل 27 من دول التكتّل.
وبينما تدفع حكومات عديدة، مثل الدنماركية والإيطالية، في اتّجاه تشديد سياسات الهجرة، واعتماد" الإبعاد الخارجي" أداةَ ردع، ترى دول أخرى أنّ هذه المقاربة قد تقوّض الالتزامات القانونية والأخلاقية للاتحاد، وتحمّله مسؤولية غير مباشرة عن أيّ انتهاكات قد تقع خارج حدوده.
ويأتي هذا النقاش من ضمن مسار أوروبي ممتدّ يقوم على فكرة" نقل الحدود إلى الخارج"، عبر شراكات أمنية واتفاقات ثنائية مع دول في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
وفي السنوات الأخيرة، أجرت دول، من بينها تونس وليبيا ومصر، مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي تضمّنت مساعدات مالية وتقنية في مقابل تعزيز الرقابة على الحدود ومنع انطلاق قوارب الهجرة نحو أوروبا.
وكانت قد طُرحت مراراً فكرة إنشاء" منصات إنزال" للاجئي القوارب أو مراكز استقبال في شمال أفريقيا لفحص طلبات اللجوء قبل الوصول إلى أوروبا، غير أنّها اصطدمت برفض سياسي وكذلك قانوني من قبل أطراف أوروبية وأفريقية، وجدت في هذه المقاربة تحوّلاً للدول الشريكة إلى" حارس حدود بديل".
في هذا السياق، أدّت كلّ من تونس ومصر دورَين محوّريَين في مفاوضات غير مكتملة مع بروكسل، وربطتا ما بين التعاون في ملفّ الهجرة وحزم دعم اقتصادي واستثماري، في محاولة لبناء" حزام احتواء" في جنوب حوض المتوسط، من دون التوصّل إلى نموذج مستقرّ حتى الآن.
ويستند مؤيّدو فكرة المرتكز إلى تجربة إيطاليا في ألبانيا، التي رُوّج لها بوصفها نموذجاً لنقل إجراءات اللجوء إلى خارج الاتحاد، لكنّ التجربة تواجه انتقادات واسعة، إذ يرى خبراء هجرة أنّها مكلفة وغير فعّالة، وتعاني من عقبات قانونية.
فقد بلغت الاستثمارات نحو 650 مليون يورو (نحو 740 مليون دولار أميركي) خلال خمسة أعوام، من دون تحقيق الأهداف المعلنة، فيما وُصفت بأنّها" فشل عملي" من قبل باحثين في سياسات الهجرة، بعد تدخّل المحاكم الإيطالية لوقف الترحيل إلى ألبانيا.
ضغوط متزايدة وأرقام ترحيل مرتفعةعلى الرغم من الجدل القائم، يتوسّع الدعم السياسي للمقترح داخل أوروبا، وقد وقّعت دول عدّة في الاتحاد رسائل تدعو إلى إنشاء مراكز خارج الحدود، بقيادة دول من قبيل الدنمارك وإيطاليا، في محاولة لتبنّي نموذج أوروبي موحّد لإدارة اللجوء.
وفي مطلع يونيو/ حزيران الجاري، أقرّ الاتحاد الأوروبي حزمة قانونية تسمح بإنشاء مراكز ترحيل في دول ثالثة، إلى جانب إصلاح جديد لنظام" العودة" يهدف إلى تسريع ترحيل المهاجرين غير النظاميين وزيادة عمليات الإعادة إلى بلدانهم الأصلية.
في السياق فتحت بروكسل أخيراً أبوابها لوفد من حكومة طالبان الأفغانية للتفاوض على ترحيل مواطنيها المرفوضة طلبات لجوئهم.
ووقّعت أكثر من 250 منظمة غير حكومية، بما في ذلك منظمة العفو الدولية و" هيومن رايتس ووتش"، بياناً ينتقد الاتفاق، لأنّه يسمح بـ" إجراءات مؤلمة وانتهاك للحقوق".
وشدّد البيان المذكور على" وجوب أن ترفض مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء إجراءات الترحيل التي تعتمد على نهج عقابي وقسري، والتي تخفّض معايير حقوق الإنسان، وتؤثّر بطريقة غير متناسب في الأفراد الذين يتعرّضون للتمييز العنصري".
وتشير بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي" يوروستات" إلى أنّ الاتحاد أمام أكثر من 400 ألف عملية ترحيل سنوياً، لكنّ واحداً فقط من بين كلّ خمسة أشخاص يغادر فعلياً الأراضي الأوروبية.
وتراهن حكومات على أنّ النظام الجديد سوف يعزّز فعالية الإبعاد ويقلّل الهجرة غير النظامية.
لكنّ منظمات حقوق الإنسان تحذّر من أنّ هذا المسار يقوّض منظومة الحماية الدولية للاجئين التي تأسّست بعد الحرب العالمية الثانية، في ظلّ استمرار التوتّر ما بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات الحقوقية داخل الاتحاد الأوروبي.
وما بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات الحقوقية، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام معادلة متزايدة التعقيد وهي ضبط تدفّقات الهجرة من دون المساس بمنظومة الحماية القانونية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية.
ومع استمرار النقاش حول نقل مراكز استقبال طالبي اللجوء إلى خارج الحدود، يبدو ملف الهجرة مرشحاً للبقاء في صدارة الجدل السياسي الأوروبي، بوصفه نقطة اختبار دائمة بين القيم المعلنة للاتحاد وممارساته الفعلية على الأرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك