باتت موجات الحر في بريطانيا اختباراً متكرراً لبلد بُني على إرث مناخي قوامه البرد.
فالمنازل المصممة للاحتفاظ بالدفء، إلى جانب شبكات الطرق والمياه والكهرباء، تجد نفسها اليوم في مواجهة ظروف مناخية لم تُهيأ للتعامل معها.
وتأتي هذه التحذيرات وسط توقعات بدرجات غير مسبوقة في يونيو/حزيران، واحتمال تحطيم رقم قياسي يعود إلى صيف 1976.
لكن الخطر لا يكمن في يوم حار فقط، بل في موجة تمتد لأيام، ترافقها رطوبة وليالٍ دافئة تمنع الأجساد والمباني والبنية التحتية من التقاط أنفاسها.
وفي هذا السياق، تقول مديرة العمليات في هيئة النقل في لندن، كلير مان، في ردّها على استفسارات" العربي الجديد"، إن الهيئة تعمل عن قرب مع عدة جهات، بينها شبكة السكك الحديدية وسلطة لندن الكبرى، لتفعيل خطط الطقس الحار بعد صدور التحذير الأحمر من الحرارة الشديدة، الذي يشمل أجزاء من البلاد بينها لندن.
وتحذر مان من أن درجات الحرارة المرتفعة قد تؤدي إلى اضطرابات في خدمات السكك والقطارات التابعة للهيئة، بما في ذلك مترو لندن، إذ قد تفرض حرارة القضبان قيوداً مؤقتة على السرعة، وبالتالي خدمات أقل في بعض الحالات.
وتوضح أن التأثير سيختلف بين الخطوط، على أن تكون بعض الخدمات التي تشترك في أجزاء من شبكة السكك الحديدية فوق الأرض، مثل أوفرغراوند وخط إليزابيث، أكثر عرضة للتأثر.
وتدعو هيئة النقل في لندن الركاب إلى التفكير في مدى ضرورة رحلاتهم، والانتباه إلى راحتهم أثناء التنقل، وحمل المياه عند استخدام أي من خدماتها.
وتقول مان إن الحافلات يُتوقع أن تعمل كالمعتاد، بينما ستبذل الهيئة ما في وسعها لتشغيل أكبر عدد ممكن من خدمات السكك ومترو الأنفاق والحفاظ على راحة الركاب قدر الإمكان.
ويمنح هذا التحذير الرسمي وجهاً عملياً لما يقوله خبراء البنية التحتية، في تعليقات وصلت إلى" العربي الجديد" عبر مركز الإعلام العلمي في لندن، عن بلد لم تُصمَّم شبكاته طويلاً لمثل هذه الحرارة.
فبحسب مدير مركز التصميم والهندسة التجديدية في جامعة باث، سوكومار ناتاراجان، لم تُصمَّم شبكات النقل البريطانية لتحمل الحرارة الشديدة؛ إذ تتمدد خطوط السكك الحديدية مع ارتفاع الحرارة، ما قد يجعل تشغيل القطارات غير آمن.
ويرى أن البنية التحتية المصممة لظروف القرن العشرين لن تبقى موثوقة في العقود المقبلة.
ويرى القارئ في هندسة البنية التحتية بجامعة برونيل لندن، سوتيريوس أرغيروديس، أن البنية التحتية للنقل قد تتحمل ارتفاعات قصيرة في الحرارة، لكن استمرار درجات الحرارة المرتفعة يسبب تدهوراً تراكمياً.
فالقضبان قد تلتوي، والأسلاك الهوائية قد ترتخي، وأسفلت الطرق قد يلين ويتشوه.
ولا تكمن المشكلة، بحسبه، في ذروة الحرارة وحدها، بل في مدتها.
أما أستاذ الهندسة المدنية في جامعة أستون، مجيب رحمن، فيشير إلى أن نحو 90% من طرق المملكة المتحدة مغطاة بالأسفلت، وأن حرارة سطح الطريق تحت الشمس المباشرة قد تتجاوز 60 درجة مئوية.
عند هذه المستويات، يمكن للأسفلت أن يلين، وأن تظهر عليه تشوهات ومسارات عجلات، وأن يصبح السطح لامعاً وزلقاً في بعض الحالات.
من جهتها تقول الرئيسة التنفيذية للجمعية الملكية للأرصاد الجوية، ليز بنتلي، إن بريطانيا تواجه موجة حر غير مسبوقة، قد ترفع الحرارة إلى 38 أو 39 درجة مئوية، متجاوزة الرقم القياسي الحالي لشهر يونيو/حزيران البالغ 35.
6 درجة.
وتربط بنتلي الموجة بنظام ضغط مرتفع يزيد سخونة الهواء، لكنها ترى أن السبب الأعمق يكمن في تغير المناخ الناتج من انبعاثات الوقود الأحفوري، وما يؤدي إليه من موجات حر أكثر تكراراً وشدة.
ويصف كبير الباحثين في جامعة ريدنغ، أكشاي ديوراس، ما يحدث بأنه ليس مجرد موجة حر، بل" فرن" تقوده قبة حرارية فوق جنوب المملكة المتحدة.
ويرى أن الرطوبة تزيد الخطر لأنها تضعف قدرة الجسم على تبريد نفسه عبر التعرق.
وتظهر هشاشة بريطانيا داخل البيوت.
تقول رئيسة قسم العمارة والبيئة المبنية وأستاذة المدن المستدامة في جامعة نوتنغهام، لوسيليا رودريغز، إن الخطر الأكبر قد لا يكون في الخارج، لأن الناس في المملكة المتحدة يمضون نحو 90 في المائة من وقتهم داخل المباني.
لذلك، لا تبدأ حماية الصحة، في رأيها، بمزيد من الأجهزة، بل بتصميم أفضل.
فالمنازل البريطانية التي صُممت للاحتفاظ بالحرارة شتاءً قد تتحول خلال موجات الحر الطويلة إلى فضاءات خانقة.
ويشرح مارتن فان ريوفيك، أستاذ ميكانيكا الموائع الحضرية في إمبريال كوليدج لندن، أن مصدر الحرارة الأكبر داخل كثير من المنازل ليس الهواء الخارجي دائماً، بل أشعة الشمس التي تدخل عبر النوافذ، ما يجعل التظليل وإغلاق الستائر والتهوية الليلية أكثر فاعلية من فتح البيت في ذروة الحر.
ولا يقف الخطر عند الجدران.
يشرح المحاضر في علم وظائف الأعضاء البيئية وبيئة العمل في جامعة لافبرا، مات مالي، أن الجسم يعتمد على تبخر العرق للحفاظ على حرارته الداخلية عندما تصبح حرارة الهواء أعلى من حرارة الجلد.
وتقول الأستاذة المشاركة في البيئات المتطرفة وعلم وظائف الأعضاء بجامعة بورتسموث، هيذر ماسي، إن الرطوبة والليالي الدافئة تضعفان هذه القدرة، وتمنعان الجسم من التبريد والتعافي.
ويحذر أستاذ علوم المناخ في جامعة بريستول، دان ميتشل، من أن آثار موجات الحر لا تنتهي بانخفاض الحرارة، إذ قد تبدأ بحوادث غرق، ثم مشكلات في القلب والجهازين التنفسي والعصبي، قبل أن تظهر آثار أطول مدى، بينها مشكلات كلوية وصعوبات نفسية.
التربة والمياه.
مخاطر أقللا تقف آثار موجة الحر عند الأجساد والمباني والسكك.
يقول أستاذ الهندسة الجيوتقنية في جامعة ووريك، شيويهيو غنغ، إن الحرارة الطويلة تجفف التربة وتدفعها إلى التقلص والتشقق، بينما تضعف النباتات وجذورها، ما قد يؤثر في استقرار الأعمال الترابية التي تحمل السكك والطرق.
وتصبح المخاطر أكبر إذا أعقبت موجة الحر أمطار غزيرة، إذ قد تتسرب المياه سريعاً عبر الشقوق وتغير توازن المنحدرات والجسور الترابية.
وتضغط الحرارة أيضاً على المياه.
تقول الأستاذة المشاركة في علم الهيدرولوجيا بجامعة ريدنغ، جيس نيومان، إن الربيع الجاف وموجة حر ثانية قد تكون قياسية جعلا خطر الجفاف هذا الصيف أكثر حضوراً، رغم أن بريطانيا كانت تتحدث قبل أشهر قليلة عن شتاء شديد الرطوبة.
وتضيف أن الطقس الحار يرفع الطلب على المياه، من الاستحمام المتكرر إلى ري الحدائق، فيما بدأت الأنهار وبعض الخزانات في جنوب البلاد تظهر تدفقات منخفضة على نحو ملحوظ.
تغير المناخ يعيد تصميم المدنيبدو التكييف حلاً سريعاً في بلد لم يكن يحتاج إليه كثيراً، غير أن الخبراء يحذرون من تحويله إلى الإجابة الوحيدة.
يقول أستاذ أنظمة الطاقة والبيئة المبنية في جامعة ريدنغ، ستيفان سميث، إن المملكة المتحدة غير مستعدة لتداعيات تغير المناخ، مشيراً إلى أن استخدام أجهزة التكييف في المنازل بات يقدر بما بين 8 و19 في المائة من الأسر، وأن نحو 80 في المائة من عمليات الشراء حدثت منذ عام 2022، مع تركز واضح في لندن الكبرى.
ورغم أن التكييف سيكون جزءاً من الحل، فإن انتشاره الواسع داخل المدن قد يضيف مزيداً من الاحترار المحلي، ويعمق الفجوة بين من يستطيعون شراء البرودة ومن يبقون داخل بيوت خانقة.
لذلك، يرى الأستاذ المشارك في قسم العلوم الهندسية ومعهد زيرو بجامعة أكسفورد، خيسوس ليزانا، أن ضعف بريطانيا أمام الحرارة لا يرتبط بالحرارة وحدها، بل بمدن ومبانٍ صُممت لمناخ بارد، لا لفترات طويلة من الحر.
وتدعو عضو مجلس أمناء مؤسسة المهندسين الميكانيكيين والقيادية العالمية في شركة موت ماكدونالد، روث شيلستون، إلى التعامل مع المدن كنظام مترابط، لا كمبانٍ وطرق منفصلة.
ويشمل ذلك زيادة المساحات الخضراء، وزراعة الأشجار، وإنشاء أماكن باردة، والاعتماد على التهوية الطبيعية والتظليل والمواد العاكسة، بدلاً من الاعتماد المفرط على أجهزة تكييف كثيفة الاستهلاك للطاقة.
هكذا لا تبدو موجة الحر أزمة طقس فقط، بل اختباراً لبلد يحاول أن يلحق بمناخ سبقه، ويكتشف أن المنازل التي حفظت الدفء طويلاً، والمدن التي كبرت حول منطق الشتاء، تحتاج الآن إلى هندسة صحية واجتماعية جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك