المسرحية التي كتبها وأخرجها معز العاشوري، وأنتجتها شركة" بروفا" للإنتاج، تُوجت سابقاً بجائزة أفضل إخراج في" مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي" في دورته الـ 32 عام 2025، وأكدت حضورها ضمن أبرز التجارب المسرحية التونسية التي تعيد التفكير في علاقة الروحي بالسياسي.
بين الزاوية الصوفية وقاعة التحقيق، وبين الذكر والسماع ومنطق الاتهام، يبني العرض توتراً درامياً يجعل من التصوف سؤالاً مفتوحاً حول الحرية وحدود السلطة.
تنطلق المسرحية من فضاء صوفي مغلق، حيث يجتمع المريدون حول شخصية تُعرف بـ" المريد الصادق"، في طقوس من الذكر والسماع والتأمل، تهدف إلى بلوغ حال من الصفاء الروحي والانعتاق الداخلي، غير أن هذا العالم لا يبقى في حدوده الروحية طويلاً، إذ تُتهم الجماعة بإثارة الفتنة ومحاولة تغيير نمط العيش العام، فيجري اعتقال المريدين وإخضاعهم للتحقيق، وهكذا يتحول الفضاء الصوفي إلى قضية أمنية تُعرض أمام العدالة.
لا يقف الصراع عند حدود الاعتقال، بل يمتد إلى المجال العام، إذ ينتشر الخبر في الشارع ويخلق حالاً من الغليان الاجتماعي، وهذا ما يدفع بمحامية إلى تولي الدفاع عن المريدين، في مواجهة منظومة أمنية وقانونية، تحاول احتواء الأزمة وتفكيك تداعياتها بأقل الخسائر الممكنة.
في هذا التحول، تصبح" روضة العشاق" مسرحاً لانقلاب كامل في الدلالة: من طقس روحي إلى اشتباه سياسي، ومن جماعة تبحث عن المعنى إلى ملف يُدار بمنطق الأمن والقانون.
حين تخاف السلطة من الحالمينلا تتجسد السلطة في" روضة العشاق" كجهاز قمعي مباشر أو خطاب سياسي صريح، بل تظهر بوصفها منظومة واسعة، تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتمتد من الأجهزة الأمنية إلى البنية الاجتماعية، ومن القانون إلى القدرة على تعريف ما هو مقبول، وما هو مرفوض.
داخل هذا السياق، لا يُنظر إلى المريدين بوصفهم مجرد جماعة روحية، تمارس طقوس الذكر والسماع، بل كاحتمال اضطراب داخل نظام يسعى إلى ضبط كل أشكال التعبير الجماعي.
في المقابل لا تُقدم الجماعة الصوفية في المسرحية كجماعة مثالية أو بريئة من التوترات، بل كفضاء رمزي يؤسس لبديل مختلف في تصور العلاقات الإنسانية، إذ إنها تقوم على الحب بوصفه رابطاً، وعلى الذكر بوصفه ممارسة للانصهار الروحي، وعلى البحث عن المعنى خارج منطق المصلحة والمنفعة والهيمنة.
هنا بالذات يتولد التوتر الدرامي العميق في العمل، بين منطق يسعى إلى تنظيم العالم عبر القوانين والضوابط، ومنطق آخر يحاول تخيل عالم ممكن خارج هذه القواعد، وبين هذين الحدين، يطرح العرض سؤالاً أكثر إزعاجاً من الحكاية نفسها: هل يتحول الفعل الروحي حين يكون جماعياً إلى خطر سياسي؟ أم أن ما تخشاه السلطة فعلاً ليس التصوف، بل قدرة الإنسان على الحلم خارج حدودها؟بهذا المعنى، لا يعود الصراع مجرد مواجهة بين طرفين، بل يصبح مواجهة بين رؤيتين للعالم: رؤية تعتبر الاستقرار مرادفاً للضبط، وأخرى ترى في الحلم نفسه شكلاً من أشكال البقاء الإنساني.
على المستوى الجمالي، يبني معز العاشوري عرضه على مقاربة مسرحية طقسية، حيث تتجاوز الصورة المسرحية حدود الحكاية التقليدية نحو بناء تجربة حسية كاملة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)يشارك في العمل فريق تمثيلي يضم شهاب شبيل، رامي شارني، هيفاء بولكباش، عبدالسلام جمل، إسكندر هنتاتي، أمان الله توكابري، عبدالحميد فرح، مهدي علوشي، مأمون بن علي، ريان رحموني، محمد سفينة، وغيرهم من الممثلين الذين يشتغلون على تحويل الجسد إلى لغة تعبير أساسية داخل العرض.
تتداخل الحركة الجماعية مع إيقاعات الذكر الصوفي، لتنتج مشاهد تقوم على الانسجام والتوتر في آن، حيث يصبح الجسد أداة تفكير بصرية، لا مجرد حامل للنص، وكذلك تلعب السينوغرافيا دوراً محورياً في تشكيل العالم المسرحي، خصوصاً عبر الستائر الشفافة التي تتحول إلى حدود رمزية بين عالم المادة وعالم المعنى، وبين الظاهر والخفي، فيما تعزز الإضاءة والمؤثرات الصوتية هذا التوتر بين الواقعي والروحي.
أما اللغة، فتأتي في بعض لحظات العرض مشحونة بالشعرية، مستحضرة طاقة العربية الفصحى في بناء خطاب مسرحي يتأرجح بين التأمل والاحتجاج.
ولا يكتفي العرض بإعادة إنتاج الطقس الصوفي بوصفه مادة جمالية، بل يدفع به نحو منطقة التجريب المسرحي، حيث يجري تفكيك الشكل التقليدي للفرجة، وإعادة تركيبه داخل بناء بصري وحركي مفتوح، فالمسرحية لا تبحث عن حكاية مكتملة بقدر ما تنشغل بصناعة تجربة حسية، تتداخل فيها الإضاءة بالصوت، والجسد بالإيقاع، والرمز بالفعل المسرحي.
هذا الانزياح نحو التجريب يمنح العمل بعداً معاصراً واضحاً، إذ يضع المتفرج أمام عرض لا يُستهلك بوصفه قصة، بل يُعاش بوصفه تجربة إدراكية وجمالية في آن.
في النهاية، تبدو" روضة العشاق" أكثر من عرض عن التصوف، إنها تجربة مسرحية تضع الإنسان أمام سؤال بسيط وعميق في آن: ماذا يحدث حين يتحول الحلم الجماعي إلى خطر على النظام؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك