فيما يستعد كير ستارمر لمغادرة منصبه بعد انتهاء ولاية ستكون الأقصر بين ولايات رؤساء وزراء حزب العمال السابقين، فإنه يترك وراءه سجلاً هزيلاً ليحكم عليه التاريخ.
حتى غوردون براون، الذي استمر في الحكم قرابة ثلاث سنوات، يمكنه الادعاء بأنه" أنقذ العالم" خلال الأزمة المالية، في الوقت نفسه الذي كان يمضي فيه قدماً في تنفيذ إصلاحات" حزب العمال الجديد" لهيئة الخدمات الصحية الوطنية وللمدارس.
أمضى ستارمر عطلة نهاية الأسبوع في تشيكرز، وهو المقر الريفي لإقامة رئيس الوزراء الواقع في تلال تشيلترن، في التفكير في مستقبله مع زوجته فيكتوريا.
وبحلول يوم الإثنين الماضي، كان قد حسم أمره.
وأعلن من على منصة نصبت أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت، استقالته بصوت متهدج وراح يشكر أسرته، قائلاً إنه بعد خروجه من" أرفع منصب في البلاد" سيكرس مزيداً من الوقت" لأهم وظيفة".
وإذ بدا عليه التأثر وهو يكبح جماح مشاعره، فقد تابع قائلاً" سأكون أفضل زوج يمكنني أن أكونه لزوجتي الرائعة فيكتوريا، وهي كالصخرة التي كانت سنداً لي في السراء والضراء".
يتمثل أبرز إنجازين لستارمر في استعادة حزب" العمال" من التيار الكوربيني، وتحقيق فوز كاسح في الانتخابات العامة.
إلا أنه مع تلاشي بريق ذلك الانتصار من الذاكرة، بات السؤال عن ماهيته وغايته أكثر إلحاحاً، وأشد صعوبة في الإجابة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)تمثلت أبرز إنجازاته في منصبه في رفع الضرائب، وكان الهدف من ذلك في الغالب هو إصلاح الوضع الكارثي للمالية العامة الذي ورثه عن حكومات" المحافظين"، وأيضاً تمويل زيادة الإنفاق على الإعانات.
لم يكن ستارمر عازماً على زيادة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية أكثر مما كان مخططاً له في عهد" المحافظين"، لكنه وجد نفسه مضطراً إلى ذلك تحت ضغط كتلته البرلمانية، عقب هزيمة مبكرة مفصلية أضعفت موقعه على نحو يصعب تداركه.
فقد جاءت هذه الحكومة إلى السلطة من دون رؤية واضحة لما ينبغي أن تفعله بمجرد تسلمها الحكم.
كان ستارمر نشطاً في ميادين السياسة الخارجية، إذ أسهم في حشد جهود أوروبا بغية دعم الشعب الأوكراني ومنع دونالد ترمب من التخلي عن هذا الشعب تماماً.
وقد تعامل مع ترمب بقدر كاف من المهارة من أجل حماية بريطانيا من أسوأ الرسوم الجمركية الأميركية والتوصل إلى اتفاق تجارية هشة، لم ينفذ جزء كبير منها أصلاً.
إلا أن نجاح ستارمر في التعامل مع غرور ترمب لم يدم طويلاً، وتدهورت العلاقة الشخصية بين الزعيمين عندما رفض ستارمر السماح للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية في الهجوم الأولي على إيران.
مما يعني أنه سيُذكر على الأرجح لا بما أنجزه، بل بسلسلة من الأحكام الخاطئة التي جعلت الوضع الصعب أكثر تعقيداً في فترة زمنية قصيرة بصورة لافتة.
كيف وصل الأمر إلى هذا الحد، بهذه السرعة بعد فوز يستحق الإعجاب في الانتخابات؟بدأت مسيرة ستارمر البرلمانية بانتخابه نائباً عن دائرة هولبورن وسانت بانكراس، وهي دائرة انتخابية في لندن مضمونة لحزب" العمال"، عام 2015.
وبدا مرشحاً قوياً لرئاسة الوزراء حتى قبل دخوله مجلس العموم.
وقد دعا حساب غامض على منصة" تويتر"، بوصفه نائباً جديداً، إلى توليه زعامة حزب" العمال"، قبل وقت طويل من ترشيح جيريمي كوربين لمنصب الزعيم.
وجاء ستارمر وهو يحمل سجلاً مهنياً قوياً باعتباره مديراً سابقاً للنيابة العامة، مما لم يزده صدقية في مكافحة الجريمة فحسب، بل ميزه أيضاً لأنه" ليس سياسياً محترفاً"، وذلك في وقت كانت مشاعر السخط على الطبقة السياسية آخذة في التصاعد.
لقد تصرف ستارمر بمهارة جيدة حين كان في المعارضة خلال فترة زعامة كوربين، إذ أثار إعجاب أعضاء حزب" العمال" بدفاعه عن عضوية بريطانيا للاتحاد الأوروبي في وقت بقي بمنأى عن معاداة السامية التي كانت تنخر الحزب.
وعندما لقي كوربين هزيمة ساحقة في الانتخابات الثانية التي خاضها عام 2019، برز ستارمر كمرشح يبدو الأكثر جدارة بتولي منصب رئيس الوزراء في وقت تعهد أيضاً بالحفاظ على معظم سياسات الزعيم الذي انتهت ولايته.
وتم الإخلال بذلك الوعد على مراحل في الأعوام الأربع التالية، إذ بنى ستارمر برنامجاً انتخابياً أتى ملائماً أكثر لاستغلال حال الفوضى داخل حزب" المحافظين"، وتقديم بديل كان كافياً لطمأنة الناخبين.
ولقد نجح هذا البرنامج انتخابياً، إلا أنه فشل في الحكم.
وكان جوهر ذلك البرنامج وعداً مجرداً بـ" التغيير"، إلى جانب موقف في شأن الضرائب والإنفاق كان من الواضح أنه غير قابل للاستمرار.
وفي غضون أسابيع، ارتكب ستارمر ووزيرة المالية في حكومته، راشيل ريفز، خطأ إلغاء المدفوعات الخاصة بوقود الشتاء لمعظم المتقاعدين.
وقد طاولت إجراءات الخفض هذه شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود، كما أن رمزية الشتاء، وفقر الطاقة، وكبار السن، كانت مرتبطة بصورة وثيقة في الوجدان الشعبي بـ" الملك الصالح وينسيسلاس".
لقد كان ذلك بمثابة من يقطع الغصن الذي يجلس عليه.
وزاد ستارمر وريفز الطين بلة بتراجعهما عن القرار بعد نحو عام، بيد أن التراجع عن إجراءات خفض الزيادات المقررة في إعانات الإعاقة، بعد شهر واحد في يونيو (حزيران) من العام الماضي، كان هو العامل الحاسم.
وبات من الواضح أن المالية العامة كانت تدار وفقاً لإملاءات جناح الوسط، أو" اليسار المعتدل"، ضمن كتلة نواب حزب" العمال".
وشمل ذلك أيضاً إلغاء الحد الأقصى لإعانات الأطفال، الذي كان يقتصر الدعم على طفلين فحسب.
وهدف إلغاء هذا الحد إلى مساعدة الأسر التي لديها عدد أكبر من الأطفال على تحسين وضعها المعيشي وتقليل الفقر بينها.
لكن الحزب تجنب طرح هذه الخطوة في برنامجه الانتخابي لأنها مكلفة مالياً.
وكان لا بد من تمويل هذه الزيادات في الإنفاق العام من خلال فرض ضرائب أعلى في الموازنة الثانية التي قدمتها ريفز العام الماضي.
ربما كان ستارمر سيستطيع الصمود أمام موجة استياء الناخبين لو أن السياسات المصممة لتحفيز النمو قد بدت وكأنها ستؤدي إلى رفع مستوى المعيشة.
لكن بدلاً من ذلك، أدت الزيادة الضريبية الرئيسة التي أقرتها ريفز، والمتمثلة في رفع مساهمات أصحاب العمل في التأمين الوطني، إلى كبح جماح التوظيف والنمو.
وكانت التدابير التعويضية الداعمة للنمو ضئيلة للغاية إلى درجة أن مكتب مسؤولية الموازنة قد رفض تعديل توقعاته لتأخذ تلك التدابير في الحسبان.
كان من الممكن أن تكون الأمور أسهل على ستارمر لو أظهرت" هيئة الخدمات الصحية الوطنية" مؤشرات واضحة على التعافي.
فقد توقفت قوائم الانتظار عن الازدياد، لكن أطباء المستشفيات واصلوا إضراباتهم، على رغم حصولهم على زيادة كبيرة في الأجور خلال العام الأول من حكم" العمال".
وهكذا تعثر التقدم قبل أن يشعر به المواطنون.
كذلك لم ينجح ستارمر في وقف قوارب المهاجرين، على رغم استغلاله هذه القضية بصورة مكثفة ضد ريشي سوناك.
وبدا كأنه يعترف ضمناً ببداية متعثرة عندما استبدل إيفيت كوبر بشبانة محمود، الأكثر صرامة وحسماً، في منصب وزيرة الداخلية بعد 14 شهراً.
ومع ذلك، ما زالت القوارب تتدفق.
في كل حالة من هذه الحالات، أدى إخفاق حزب" العمال" في تحديد الأولويات والاستعداد للحكم إلى افتقاده البوصلة.
وهكذا تراكمت سلسلة من الأخطاء الصغيرة لترسخ انطباعاً عاماً بأن ستارمر يفتقر إلى الحنكة والسلطة اللازمتين لقيادة حكومة فاعلة.
وقد شابت أسابيعه الأولى في" داونينغ ستريت" فضيحة قبوله بدلات رسمية ونظارات كهدية من وحيد علي، المتبرع للحزب وصاحب النفوذ فيه.
وجعلت صفقة" تشاغوس" - التي وافقت بموجبها الحكومة البريطانية على دفع أموال لموريشيوس لتولي إدارة الجزر على رغم محدودية أحقية الأخيرة فيها - والتراجع عن فتح تحقيق في عصابات استغلال القاصرات، ثم التراجع مرة أخرى عن مشروع فرض بطاقات هوية رقمية إلزامية، من ستارمر يبدو كأنه عرضة للأخطاء المتكررة.
وجاء ذلك كله قبل انفجار ملف جيفري إبستين، الذي أطاح بالمقامرة السياسية المتمثلة في تعيين بيتر ماندلسون ودفع إلى إقالته من منصبه كسفير، وتسبب في سلسلة من الإحراجات التي أنهت أيضاً مسيرة مورغان ماكسويني، رئيس موظفي ستارمر، وأولي روبنز، أرفع موظفي الخدمة المدنية في وزارة الخارجية.
في يناير (كانون الثاني) الماضي، كانت هيبة ستارمر في حزب" العمال" لا تزال قوية إلى درجة أنه استطاع منع آندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى، من الترشح في الانتخابات الفرعية لدائرة غورتون ودينتون.
وبحلول مارس (آذار) الماضي عندما تنحى جوش سايمونز، عضو البرلمان عن دائرة ماكرفيلد، بقصد إتاحة فرصة أخرى لبورنهام للعودة إلى مجلس العموم، كان رئيس الوزراء عاجزاً عن منع ذلك.
في الأسبوع الذي سبق الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد، تلقى ستارمر ضربة قاصمة أخرى عندما قدم جون هيلي استقالته من منصب وزير الدفاع احتجاجاً على فشل ستارمر وريفز في رفع الإنفاق الدفاعي الذي جرى التخطيط له إلى ثلاثة في المئة من الدخل القومي مع حلول نهاية العقد الحالي.
وهو ما بدا متناقضاً مع تعهده في فبراير (شباط) الماضي حين قال: " مراراً وتكراراً، غض القادة الطرف، ولم يعيدوا التسلح إلا عندما تكون الكارثة قد وقعت.
هذه المرة، يجب أن يكون الأمر مختلفاً".
يترك ستارمر إرثاً يكاد لا يذكر، كما يوحي بذلك تكرار تباهيه بتوسيع برنامج الوجبات الصباحية المجانية في المدارس الابتدائية.
لكن من الصحيح أيضاً أنه زاد الإنفاق الدفاعي، وإن لم يكن بالقدر الكافي، من طريق تحويل قدر من الأموال المخصصة لموازنة المساعدات الخارجية.
وعلى خلاف رؤساء وزراء" العمال" الذين شغلوا المنصب لفترات قصيرة قبله، مثل جيمس كالاهان وغوردون براون، واللذين جاءا في ذيل ولايات أسلاف أكثر نجاحاً، قد يسجل ستارمر في التاريخ بوصفه الرجل الذي حقق الفوز الانتخابي ومهد لقيام حكومة" عمالية".
غير أن الحكم النهائي على نجاح تلك الحكومة أو إخفاقها سيبقى مرهوناً بمن سيخلفه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك