عندما التقط لاعبو منتخب النرويج ما قد تكون الصورة الأكثر شهرة لأي منتخب قبل كأس العالم، تكريماً لإرث أجدادهم البحري، بدا أحد اللاعبين أكثر انسجاماً من غيره مع هيئة محارب من الفايكنغ.
وربما يعود ذلك لطول إيرلينغ هالاند أو إلى خصلات شعره الأشقر الطويلة.
لقد بدا مرتدياً ما يوحي بالرعب، مع أنه غالباً ما يثير الإحساس نفسه وهو يرتدي القميص الأزرق السماوي الحديث لمانشستر سيتي.
لكن بعد ألف عام من وصول مهاجرين من النرويج - عبر غرينلاند وإيسلندا - ليصبحوا أول أوروبيين تطأ أقدامهم أميركا الشمالية، شهد الساحل الشرقي لأميركا غزوات" فايكنغ" جديدة.
واحتفل المنتخب النرويجي بفوزه في نيويورك بطريقة استلهمت من أسلافه، إذ قلدهم بالتجديف، وهي رياضة نادراً ما كانت جزءاً من احتفالات كرة القدم، ويبدو أن النرويج تستمد إلهامها من ماضيها.
بداية هالاند التاريخية في كأس العالمأما ماضي هالاند، فكان يقتصر على مشاهدة الآخرين يتألقون على هذا المسرح.
فقد اضطر إلى الانتظار حتى بلغ الـ25 من عمره ليشارك في أول بطولة كبرى، بل وحتى هذا الشهر، كان والده ألف إنغه هالاند قد خاض منافسات كأس العالم، بينما لم يكن إرلينغ قد فعل ذلك بعد.
لكن الابن أعلن نفسه بأفضل صورة ممكنة، بعدما سجل هدفين أمام العراق ومثلهما أمام السنغال.
وفي جانب ما يحاول هالاند تعويض ما فاته بعدما ظهر في كأس العالم بعد سنوات من أقرانه، لكنه في جانب آخر يسير بالوتيرة نفسها التي يسير بها كيليان مبابي، فالصراع على لقب هداف البطولة مشتعل داخل المجموعة نفسها.
ويبدو النجم الفرنسي المرشح الأوفر حظاً للفوز بالحذاء الذهبي، لكن ذلك يعود جزئياً لأن منتخب بلاده مرشح للذهاب بعيداً في البطولة، وقال هالاند بصراحة" من المرجح أنهم سيفوزون بالبطولة بأكملها".
أرقام قياسية تعيد كتابة تاريخ النرويجومع ذلك فإن هالاند يصنع التاريخ، ليس في سياق الفايكنغ، بل في تاريخ المنتخب النرويجي.
فقد أصبح بالفعل أكثر لاعب نرويجي تسجيلاً للأهداف في كأس العالم، وعلى مدى ما يقرب من قرن، ظل يورغن يوفه، الذي خاض آخر مباراة دولية له في 1937، صاحب الرقم القياسي في عدد الأهداف الدولية للنرويج.
أما هالاند، فقد وصل إلى 50 هدفاً دولياً بمعدل يتجاوز هدفاً في المباراة الواحدة، وارتفع رصيده الآن إلى 59 هدفاً في 52 مباراة.
وخلال التصفيات، سجل رقماً استثنائياً بلغ 16 هدفاً في ثماني مباريات، أي ضعف ما سجله أي لاعب آخر في أوروبا.
وجاء خمسة من تلك الأهداف في مباراة واحدة أمام مولدوفا، ليحسم فارق الأهداف تماماً، كما أحرز ثلاثة أهداف خلال انتصارين على إيطاليا قلبا موازين الأمور المعتادة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وهذا تحديداً ما يمثله هالاند، فهو لاعب يربك النظام القائم ويقلب ترتيب القوى المعتاد، فهو يتحدى تاريخ النرويج نفسه.
ففي مشاركاتها السابقة بالبطولات الكبرى، عانت البلاد دائماً قلة الأهداف.
وفي ظهورها قبل الأخير في كأس العالم 1994 بأميركا، ودعت المنافسات من دور المجموعات بعدما تساوت المنتخبات الأربعة في عدد النقاط وفارق الأهداف، ليتم حسم الترتيب بعدد الأهداف المسجلة، ولم تسجل النرويج سوى هدف واحد.
وقبل هالاند لم يكن سوى كيتيل ريكدال قد سجل هدفين في تاريخ مشاركات النرويج بكأس العالم، قبل أن يكرر هالاند هذا الإنجاز ثم يضيف هدفين آخرين، وقد بدا حارس مرمى العراق جلال حسن متأثراً بحضوره إلى درجة أنه سمح عملياً لهالاند بافتكاك الكرة منه والتسبب في هدف، بينما أظهر هدفه الرائع في مرمى السنغال أن بنيته الجسدية الهائلة تقترن بموهبة كبيرة.
قيادة ملهمة وطموحات تتجاوز التوقعاتويقترن ذلك أيضاً بطموح كبير، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قال" قيادة النرويج إلى كأس العالم هو هدفي الرئيس في مسيرتي".
وقد حقق ذلك بالفعل، إذ قاد منتخب بلاده إلى دور الـ32، وربما يقوده إلى أبعد من ذلك، لكن طريقة صياغته لهذا الهدف كانت لافتة بحد ذاتها.
فما زال أمام هالاند ثماني سنوات في عقده مع مانشستر سيتي، بينما لم يفز النادي بالدوري في أي من الموسمين الماضيين، كما رحل بيب غوارديولا.
وإذا كان جزء من شعور هالاند بالإنجاز يأتي عبر منتخب بلاده، فقد يعود ذلك بالنفع أيضاً على ناديه خلال مرحلة انتقالية.
وبدأ هالاند في إعادة غاريث بيل للأذهان، إذ قاد الويلزي منتخباً أصغر حجماً إلى الأمام، مستفيداً على ما يبدو من روح الزمالة مع مواطنيه، بدلاً من إظهار الاستياء من زملاء أقل موهبة لا مكان لهم في فريقه على مستوى النادي.
فأفضل لاعبي العالم ليسوا بالضرورة أبناء القوى الكروية الكبرى، وهالاند يسهم في معالجة بعض اختلالات كرة القدم الدولية بثقل أهدافه وحدها.
كما أن الإحساس بأنه يلعب من أجل قضية يعكس جانباً من تطوره الشخصي، فطوال سنوات كان ينظر إليه على أنه مجرد هداف، وتعرض للانتقادات بسبب قلة لمساته للكرة خارج منطقة الجزاء.
أما الآن، فأصبح يتمتع بحضور القائد والملهم، حتى إنه بات يبعد الكرات الركنية برأسه مع مانشستر سيتي، كما يستطيع الانطلاق في مختلف أرجاء الملعب من أجل مصلحة الفريق.
اختبار فرنسا يرسم ملامح الحلم النرويجيوقد يحمل ذلك النرويج إلى أبعد مما يتوقع كثيرون، وربما إلى مواجهة البرازيل في دور الـ16، وهو المنتخب الذي هزمته النرويج في 1998.
لكن قبل ذلك، تنتظرها مباراة ستسوق على أنها مواجهة بين مبابي وهالاند.
ويمكن تقديمها باعتبارها صراعاً لتحديد أفضل مهاجم في العالم.
غير أن المواجهات المعتادة بينهما تكون بين ريال مدريد ومانشستر سيتي، بينما تبدو مواجهة فرنسا والنرويج أقل تكافؤاً على الورق.
إلا أن هذه النرويج، نرويج هالاند، تختلف عن كل من سبقها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك