مثل مرآةٍ، تعكس المنتخباتُ البلادَ التي تُمثّلها، فهي تجمع عناصر هويّتها وتكثّفها في فريق من 11 لاعباً كأنما يختزلون شعباً.
مسار هذه المنتخبات عبر السنوات والمسابقات الكروية الكبرى يعمل مثل تاريخ موازٍ للأمم، تضيئه هذه السلسلة التي يستأنف موقع" العربي الجديد" نشرها مع كأس العالم 2026.
تتناول حلقة اليوم تاريخ منتخب تونس.
بكثير من عدم التصديق، تلقى التونسيون نتائج منتخبهم في كأس العالم 2026 وهو يقبل في شباكه خمسة أو أربعة أهداف في مباراة واحدة.
صحيح أن المنتخب لم يحقق في ست مشاركات سابقة في المونديال نتائج مميزة لكن لم يحدث أن انهار كما حدث أمام السويد واليابان.
كان اللاعبون يصمدون على الأقل.
لا يربحون دائما ولكنهم لا يخسرون بسهولة.
وهو ما جعل التونسيين يحلُمون في كل مرة بما هو أفضل، وما زالوا يحلمون حتى استفاقوا على صدمة 2026 حيث نظروا في المرآة فلم يجدوا غير الافتقار الصارخ للموهبة والعزيمة.
لا تعكس هذه المرآة اللحظة الحاضرة وحدها، بل تعكس أيضاً علاقة الدولة بمجتمعها، وعلاقة المجتمع بموارده ومواهبه وأحلامه.
وحكاية المنتخب التونسي مختصرها أن المجتمعات تكون مثل التربة خصبةً، ثم يحدث أن تفتقر وتتلوّث وقد تفقد قدرتها على العطاء.
تلوّن العلاقة بين شعب ومنتخبهمنذ عقود قليلة، لم تكن علاقة التونسيين بمنتخبهم كما هي اليوم، فمقابل الفتور والغضب كان هناك الفخر والشعور بكونه تعبيراً مكثفاً عن الانتماء المشترك.
تشهد على ذلك كل مشاركة دولية، بل إن بعض المباريات الودية للمنتخب، من الستينيات إلى التسعينيات، كانت تجمع التونسيين أكثر من حضور مونديالي في السنوات الأخيرة.
بدأ الأمر منذ بدايات كرة القدم في تونس فجرَ القرن العشرين، من الأندية التي اكتسبت شرعيتها الجماهيرية من كونها تمثل الهوية العربية الإسلامية في مواجهة فرق الجاليات الأوروبية زمن الاستعمار الفرنسي.
وحين تشكّل المنتخب التونسي لأول مرة عام 1928 كان امتداداً لهذا المعنى المكثف للهوية الوطنية.
غير أن السلطة الاستعمارية كانت حريصة على خنق كل ما يمكن أن يتحول إلى رمز وطني جامع، فبقي المنتخب التونسي أقرب لفكرة لم تتح لها شروط الحياة والتطور إلا مع الاستقلال (1956) تحت رعاية دولة ناشئة تود تجميع عناصر التحديث وعوامل توحيد التونسيين.
سيتجسد ذلك الطموح في جيل النصف الثاني من السبعينيات، الجيل الذي لم يصنع فقط أشهر إنجاز في تاريخ المنتخب بالترشح للمونديال لأول مرة، بعد تجاوز كل كبار القارة؛ المغرب والجزائر ومصر ونيجيريا، بل أسّس أيضاً لعلاقة عاطفية استثنائية بين التونسيين وفريقهم الوطني.
توفرت وقتها عدة مواهب تشير للطاقة الشبابية التي تزخر بها البلاد.
وصادف أنها مواهب متكاملة في جميع خطوط الملعب لتخلق فريقاً متجانساً وناجعاً: أسماء كتميم الحزامي وحمادي العقربي وطارق ذياب وعلي الكعبي والحارس عتوقة، أو المدرب عبد المجيد الشتالي، سرعان ما تحولت إلى أيقونات شعبية.
طبعاً لم يحدث ذلك بعيداً عن أنظار الدولة ودورها الرعائي، ولكنها بدت في ذلك الوقت متأخرة بخطوة عما يطرحه المجتمع من طاقات.
حتى الصراعات السياسية والشخصية لم تكن قادرة على قطع الطريق على هذا المنتخب.
وقد استخرج فيلمٌ وثائقي بعنوان" ع البار" (2019، 90 دقيقة)، للمخرج سامي التليلي، بنية سردية لمسار منتخب تونس نحو ما سيسمى" ملحمة الأرجنتين"، حين وضع في خط متواز مشوار التصفيات وصراعات الخلافة السياسية والتوترات الاجتماعية في أواخر عهد الرئيس بورقيبة.
كان هناك من يجعل كل خطوة نحو المشاركة الأولى في كأس العالم نيشاناً على صدره وهناك من يترصّد كل عثرة ليدفع بها ورقة في سباق النفوذ.
في صائفة 1978، استطاع المنتخب التونسي أن ينتزع أول انتصار أفريقي وعربي في كأس العالم.
وفرض التعادل على منتخب ألمانيا بطل العالم في النسخة الماضية، لكنه فشل في العبور للدور الثاني بسبب الهزيمة أمام بولندا.
إذن، على مستوى النتيجة الأخيرة، لم يكن هناك ما يفسر الأسطرة التي سيعيشها هذا المنتخب وستكون عبئاً نفسياً على الأجيال اللاحقة.
لكن ما حدث هو أنه مثّل لحظة ترسخت فيها علاقة وجدانية عميقة في تونس مع كرة القدم، فقد وجد فيها التونسيون أفضل ما يعبّر عنهم، من انضباط وتوثب وتطلع لمقارعة الكبار.
كأنما قدّم المنتخب قصة ساحرة جمعت التونسيين حولها: أن يلعب في المسابقات الدولية كان يعني ضمنياً أن هناك فسحة للحلم بمحو فوارق مع دول أعرق في كرة القدم وأغنى بالموارد وأوسع مساحة وأكبر ديمغرافياً.
وبين 1978 و2026 يبدو المنتخب التونسي مرآة تنعكس فيها كيفية تعطل إنتاج المواهب الكروية.
جولة أخيرة في حديقة المواهب التونسيةطوال الثمانينيات، وحتى النصف الثاني من عقد التسعينيات لم تحقق تونس النتائج المأمولة، ولكنها حافظت على قدرتها على إنجاب المواهب الكروية.
ولقد توزعت هذه المواهب بشكل متوازن بين مختلف الأندية.
فمثلاً برز في الملعب التونسي عبد الحميد الهرقال وجمال ليمام، وفي الترجي خالد بن يحيى ولاحقاً عيادي الحمروني، وفي النادي الأفريقي لطفي وفوزي الرويسي والإخوة السليمي، وحتى الأندية البعيدة عن المراتب الأولى في البطولة الوطنية كشبيبة القيروان والأولمبي الباجي والملعب القابسي وأولمبيك الكاف كانت قادرة هي الأخرى على إنتاج لاعبين مميزين.
ولم تكن هذه مجرد وفرة رياضية، بل كانت دليلاً على وجود بنية اجتماعية-رياضية ما زالت قادرة على اكتشاف الموهبة وصقلها ومنحها فرصة الصعود.
في تلك السنوات كانت كرة القدم تؤدي وظيفة تتجاوز الرياضة.
لقد أصبحت مصعداً اجتماعياً موازياً للمصعد الأساسي: المدرسة.
فمن خلال الموهبة الكروية كان بإمكان شاب قادم من حي شعبي أو مدينة داخلية أن يحصل على الاعتراف الاجتماعي والمكانة والثروة.
وهل هي مجرد صدفة أننا حين نقف على تعطل مصعد الموهبة الكروية سنجد أن المصعد الاجتماعي الرئيسي قد تعطل هو الآخر؟عرفت الرياضة في مجملها عناية لا تنكر زمن حكم زين العابدين بن علي، بدءاً من 1987، وقد كانت عنواناً كبيراً ضمن سردية بناء شرعية سياسية جديدة قوامها تعداد الإنجازات، بدءاً من البنية التحتية الرياضية وصولاً إلى تحقيق الألقاب على مستوى المنتخب أو على صعيد الأندية.
وما كان يُدار حسب ميولات شعبية وتحت إشراف الدولة عن بعد بات يقع ضمن سياسات تضبط الأهداف وكيفية الوصول إليها.
وارتسم عقد اجتماعي ضمني جعل من" التنمية الرياضة" غطاء يمكن له أن يخفي تعطّل أشكال التنمية الأخرى، أو تكون لها بديلاً.
في منعطف التسعينيات، وتحت اشتراطات صندوق النقد الدولي، هبّت رياح العقلية الاستثمارية في تونس، لن تُستثنى من ذلك الرياضة ولا التعليم.
وما كان يسير بسرعة القطار في التسعينيات سرعان ما انتقل إلى سرعة الصاروخ في العقود اللاحقة.
دون سابق إنذار بدت المدرسة العمومية وقد انهارت ولم يبق لمن يريد لابنه تعليماً جيّداً سوى المدارس الخاصة، أما من كان يريد أن يجعل منه لاعب كرة قدم فعليه بمدارس خاصة أيضاً، واختفت تقريباً كل فرص المرور من التكوين عبر الأندية، أو صارت الأماكن فيها باهظة الثمن أيضاً، وقبل ذلك اختفت تلك المساحات التي لطالما ظهرت فيها المواهب من بطاح وساحات ومواقف سيارات يستغلها أبناء الأحياء للعب كرة القدم.
كان أول استثمار بارز في الرياضة زمن بن علي هو استضافة كأس أفريقيا 1994، وإلى جانب تهيئة المرافق والخدمات كانت لحظة لبناء أحلام وطموحات تتجاوز ما أنجز في عهد بورقيبة، وهو زخم ناء به لاعبو المنتخب التونسي خلال الدورة، وبينما كان الرئيس يستعد لإحراز كأس أفريقيا غادر المنتخب من الدور الأول.
كانت صدمة قاسية أن تفضي تلك الاستعدادات والاستثمارات إلى لا شيء.
عُهد للمدرب البولندي-الفرنسي هنري كاسبرجاك بإعادة بناء منتخب تونسي قادر على المنافسة.
بحث عن المواهب في جيل جديد فوجدها في أسماء مثل زبير بية وعماد بن يونس وهادي بالرخيصة ومهدي بن سليمان ورياض البوعزيزي وسامي الطرابلسي، وأنشأ منتخباً سرعان ما أنسى وصوله إلى نهائي كأس أفريقيا 1996 خيبة 1994.
وبعد ذلك سيصل المنتخب ذاته إلى كأس العالم بعد عقدين من الغياب، وتبدّى أن تجاوز إنجازات جيل 1978 بات قاب قوسين أو أدنى، غير أن المشاركة في مونديال 1998 كشفت حجم الفوارق مع الكرة العالمية، وجرى الاستثمار في الخروج من الدور الأول للتعجيل بطرد المدرّب كاسبرجاك ضمن صراعات كواليس أطفأت حالة من النشوة الجماعية التي أنتجتها كرة القدم طوال عامين تقريباً.
سنوات الاستيراد المفرط في تونسهل كان يعقل أن تستثمر السلطة في كرة القدم وتترك بعد ذلك الحصاد؟ لم يكن المنتخب غير واجهة لقطاع كرة القدم وهو يصعد تحت تغذية الدولة حتى أصبح أحد أجهزة الحكم.
وكان لا بدّ من ضبطه من أجل مناخ سوسيو-سياسي مستقر لصالح معادلة النفوذ السائدة وقتها.
لم تكن لحظة 1998 نهاية مشروع كاسبرجاك فحسب، كانت أيضاً بداية ظاهرة لم تعرفها الكرة التونسية من قبل وهي سيطرة فريق واحد على الألقاب، فخلال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات تداول الرباعي الترجي التونسي والنادي الأفريقي والنجم الساحلي والنادي الصفاقسي رفع الكؤوس وحصد البطولات بتفاوت طفيف، إلا أنه منذ 1998 وحتى 2004 ذهبت كل البطولات إلى الترجي وحده.
بشكل ما ارتسمت هيمنة الحزب الواحد، حزب التجمع الذي يقوده بن علي في الحياة السياسية، على كرة القدم.
ولم يكن ذلك ببعيد عن المقربين من بن علي الذين جعلوا البلاد مثل كعكة يتقاسمونها، وقد بدا أن صهر الرئيس سليم شيبوب ورئيس نادي الترجي قد استولى على قطعة الرياضة فيها.
مهما يكن من أمر، فإن ما حدث نزع المعادلة التنافسية التي حكمت الكرة التونسية لعقود، وعندها بدأ نضوب المواهب الكروية يتبدّى، خصوصاً مع التعويل أكثر فأكثر على اللاعبين الأجانب في الأندية لتحقيق التنافسية في المسابقات القارية، حتى أن البرازيليين كلايتون ودوس سانتوس اللذين انتدبهما النجم الساحلي مُنحا الجنسية التونسية لعدم توفر ظهير أيسر وقلب هجوم ناجعين في تشكيلة المنتخب التونسي في بداية الألفية.
وإلى ذلك، تمت العودة إلى سياسة البحث عن لاعبين من أصول تونسية ينشطون في الدوريات الأوروبية لتغطية بقية مواقع اللعب، كما حدث مع الحارس علي بومنيجيل قبيل خوض كأس العالم 2002، ومعه بدأت التشكيلة التونسية تتغير بشكل متزايد فتظهر أسماء معظمها للاعبين نشأوا وتكوّنوا خارج المنظومة المحلية.
هم تونسيون بلا شك، وكثير منهم أظهروا ارتباطاً حقيقياً بالقميص الوطني، لكنهم لم يمروا بدورة الإنتاج الكروي المحلية التي تعبّر عن عصارة وطن.
بدت هذه الأوراق ناجعة حين استلم المدرب الفرنسي روجيه لومير مقاليد المنتخب التونسي، وحقق حلم التونسيين بالتتويج بكأس أفريقيا عام 2004 على أرضهم.
كانت تشكيلة منتخب تونس في تلك الدورة نقطة التوازن التي لم تدم طويلاً بين جناحي الداخل والخارج، ففي ذلك الفريق اجتمع ما تبقى من قوة الإنتاج المحلي مع مساهمة أبناء الهجرة.
كان هناك حاتم الطرابلسي وجوهر المناري وزياد الجزيري وراضي الجعايدي وكريم حقي من جهة، وعادل الشاذلي ومهدي النفطي وسليم بن عاشور من جهة أخرى.
بعد ذلك بدأت الكفة تميل تدريجياً نحو التونسيين المولودين في أوروبا.
وما كان حلاً مؤقتاً بات ورقة أساسية لسد ثغرات المنتخب التونسي.
فجأة، لم يعد الحديث يدور حول تطوير ما تنتجه المنظومة المحلية، بل جرى البحث عن حلول تعوّض ما لم تعد المنظومة قادرة على إنتاجه.
بالتدريج تغيّر معيار النجاح التسييري، بعد أن كان نجاح المسؤولين الرياضيين يقاس بقدرتهم على اكتشاف المواهب وتطويرها، أصبح يقاس بقدرتهم على استقطاب لاعبين جاهزين تكوّنوا في مدارس كروية أجنبية.
وهكذا انتقل النموذج، من دون إعلان رسمي، من إنتاج المواهب إلى استيرادها.
حتى إذا وصلنا إلى كأس العالم 2026 لم يعد عدد اللاعبين الناشطين في الدوري المحلي سوى هامش صغير في تركيبة المنتخب.
ولم يعد بالتالي منتخب تونس يعكس صورة وفية للتونسيين كما كان يفعل سابقاً.
وأكثر من ذلك لم يعد يروي حكاية شيّقة، فتشظى سرده وتلعثم بين النتائج المتذبذبة والمخيّبة.
في كل ذلك، أليس ما حدث لكرة القدم هو عين ما حدث للزراعة التونسية؛ فقد استنزفت السياسات المتعاقبة الأرض إلى درجة أصبحت معها البلاد تعتمد أكثر فأكثر على التوريد لتلبية حاجاتها الغذائية.
وكما أخفقت تونس في البناء على إنجاز جيل 1978، لم تنجح أيضاً في تحويل التتويج القاري سنة 2004 إلى نقطة انطلاق جديدة.
كانت هناك انتظارات مرتفعة: كأس القارات 2005، كأس أفريقيا 2006 في مصر، كأس العالم 2006، كانت جميعها تبدأ بشكل مبشّر ثم ترتطم بسقوف غير مرئية، فلم يتجاوز المنتخب التونسي الدور الثاني من كأس العالم، بل فشل في الوصول إلى مونديال 2010 وكذلك 2014، فقد دخل مرحلة من التراجع مع مغادرة روجيه لومير.
مرة أخرى بدا الإنجاز وكأنه لحظة مكتفية بذاتها، لا حلقة في مسار متصاعد.
تلك السقوف غير المرئية التي ترتطم بها نتائج المنتخب كانت تتجلى في مسيرات اللاعبين التونسيين، سواء نشطوا في البطولة المحلية أو في الخارج بصفة محترفين أو بوصفهم أبناء مهاجرين.
على مدى سبعة عقود، لم يبلغ لاعب تونسي أندية الصف الأول في أوروبا.
وما ينطبق على اللاعبين يَسري على المدرّبين والمسؤولين في بلاد لا يكاد ينكر أحد أنها دخلت أزمة كفاءة عامة.
ومن هذه الزاوية تبدو نتائج منتخب تونس متماشية إلى حد كبير مع مستوى جميع المتداخلين في أمر الرياضة في البلاد، بما حصلوه من خبرات وقدرات تنافسية.
إنها صورة بلد ترتسم في منتخب يجد لاعبوه صعوبة في الانطلاق إلى الأمام وصناعة فرص التهديف، كما يجد شبابه صعوبة في صناعة فرص النجاح.
يجدون صعوبة في تركيب جُملة كروية متماسكة تحقق هدفاً، كما يجد التلميذ صعوبة في تركيب جملة سليمة لغوياً تؤدي معنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك