في واقعة مؤلمة، خرج أب لمتابعة مباراة كرة قدم جمعت بين مصر ونيوزيلندا، ثم اصطحب ابنه البالغ من العمر عامين ونصف العام في طريقه إلى الحضانة قبل التوجه إلى عمله.
لكن الروتين اليومي انتهى بكارثة لم يتخيلها أحد.
فبعد وصوله إلى مقر عمله، نسي الأب أن طفله لا يزال نائمًا في المقعد الخلفي للسيارة، ولم ينتبه إلى الأمر إلا بعد ساعات، عندما اتصلت به زوجته لتخبره أن الحضانة تتساءل عن سبب عدم وصول الطفل في موعده المعتاد.
عندها هرع الأب إلى سيارته في حالة من الانهيار، لكنه كان قد تأخر كثيرًا، إذ فارق الطفل الحياة بعدما تعرض لساعات طويلة وصلت لـ 6 ساعات متواصلة داخل سيارة مغلقة تحت درجات حرارة مرتفعة.
ورغم قسوة الحادثة، فإنها ليست الأولى من نوعها، كما أنها لا ترتبط بالضرورة بالإهمال أو عدم الاهتمام بالأطفال، بل يربطها العلماء بحالة نفسية وعصبية معروفة تُسمى “متلازمة الطفل المنسي”.
أكثر من ألف طفل فقدوا حياتهموفقًا لبيانات منظمة CT Safe Kids المتخصصة في رصد إصابات ووفيات الأطفال، توفي أكثر من 1050 طفلًا منذ عام 1990 نتيجة تركهم داخل السيارات والتعرض لدرجات حرارة مرتفعة.
كما تشير البيانات إلى أن متوسط عدد الأطفال الذين يفقدون حياتهم سنويًا داخل المركبات يبلغ نحو 37 طفلًا، سواء بسبب نسيانهم داخل السيارة، أو تركهم فيها عمدًا لفترة من الوقت، أو دخولهم المركبة دون ملاحظة من ذويهم.
ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو محدودة مقارنة بأسباب الوفاة الأخرى، فإن المختصين يعتبرونها جرس إنذار دائمًا للآباء والأمهات، خاصة أن مثل هذه الحوادث يمكن الوقاية منها بالكامل.
لماذا يكون الأطفال أكثر عرضة للخطر؟بحسب الإدارة الوطنية الأمريكية لسلامة المرور على الطرق السريعة (NHTSA)، فإن أجسام الأطفال ترتفع حرارتها بمعدل أسرع من البالغين يتراوح بين 3 و5 مرات، ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بضربة الشمس القاتلة خلال فترة قصيرة.
وتؤكد الإدارة أن الوفيات الناتجة عن الحرارة داخل السيارات تعد السبب الرئيسي لوفيات الأطفال المرتبطة بالمركبات بعيدًا عن حوادث التصادم.
وفي الأيام الحارة، قد تتجاوز درجة الحرارة داخل السيارة المغلقة 50 أو حتى 60 درجة مئوية خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يشكل خطرًا قاتلًا على الأطفال الصغار.
ما هي متلازمة الطفل المنسي؟بحسب ما نشره موقع PubMed الطبي، فإن “متلازمة الطفل المنسي” هي حالة يفقد فيها الأب أو الأم الإدراك المؤقت بوجود طفل رضيع أو صغير في المقعد الخلفي للسيارة، رغم معرفتهما المسبقة بأنه موجود.
ويفسر الباحثون هذه الظاهرة بأن الدماغ يدخل أحيانًا في حالة تُعرف باسم “القيادة التلقائية” أو Autopilot Mode، حيث يعتمد على العادات والروتين اليومي المتكرر، بينما يتراجع نشاط الذاكرة الواعية المسؤولة عن متابعة التفاصيل الجديدة أو غير المعتادة.
ولهذا السبب يؤكد العلماء أن ضحايا هذه الظاهرة ليسوا بالضرورة أشخاصًا مهملين أو غير مبالين بأطفالهم، بل قد تحدث لأي شخص مهما كان مستواه التعليمي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
وتزداد احتمالات وقوعها عند التعرض للإجهاد النفسي، أو الحرمان من النوم، أو الانشغال الشديد، أو عند حدوث تغيير مفاجئ في الروتين اليومي المعتاد.
يشير الباحثون إلى أن الإنسان يعتمد في كثير من تصرفاته اليومية على ما يُعرف بـ”الذاكرة الحركية” أو Motor Memory، وهي القدرة على أداء مهام متكررة بصورة تلقائية دون الحاجة إلى تركيز واعٍ في كل خطوة.
وعندما يقود الشخص سيارته وفق مسار معتاد اعتاد عليه يوميًا، قد ينفذ الرحلة كاملة اعتمادًا على هذا النمط التلقائي، ما يزيد احتمالات تجاهل معلومة جديدة أو غير معتادة، مثل وجود طفل نائم في المقعد الخلفي.
ولهذا يرى الخبراء أن الظاهرة ليست دليلًا على غياب الحب أو الرعاية، وإنما نتيجة خلل مؤقت في آلية عمل الذاكرة والانتباه تحت تأثير الضغط والتعب وتغيير الروتين.
هل تستطيع التكنولوجيا منع هذه المأساة؟خلال السنوات الأخيرة، بدأت شركات السيارات تطوير تقنيات مخصصة للحد من حوادث نسيان الأطفال داخل المركبات.
وتشمل هذه التقنيات أنظمة استشعار ورادارات قادرة على اكتشاف وجود طفل داخل السيارة، وبعضها يتمتع بحساسية تسمح برصد حركات التنفس الدقيقة حتى أثناء النوم.
كما زُودت العديد من السيارات الحديثة بأنظمة تنبيه تطلب من السائق فحص المقاعد الخلفية قبل مغادرة المركبة، بالإضافة إلى تطبيقات وإشعارات عبر الهواتف الذكية تذكّر الآباء بوجود أطفال داخل السيارة.
وتعمل شركات سيارات كبرى على تطوير أنظمة إنذار تلقائية يمكنها إطلاق تنبيهات فورية عند اكتشاف طفل بمفرده داخل المركبة، في خطوة يتوقع الخبراء أن تصبح جزءًا أساسيًا من معايير السلامة في السيارات خلال السنوات المقبلة.
كيف يمكن الوقاية من متلازمة الطفل المنسي؟يوصي المختصون بعدد من الإجراءات البسيطة التي قد تنقذ حياة طفل:* وضع حقيبة الطفل أو أحد متعلقاته الأساسية في المقعد الأمامي لتذكير السائق بوجوده.
* الاعتياد على تفقد المقعد الخلفي في كل مرة قبل مغادرة السيارة.
* التنسيق مع الحضانة أو جهة الرعاية للاتصال فورًا في حال عدم وصول الطفل في موعده المعتاد.
* عدم ترك الأطفال داخل المركبات المغلقة تحت أي ظرف، حتى لفترات قصيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك