دمشق ـ «القدس العربي»: مثُل مفتي الجمهورية السابق أحمد حسون، الخميس، أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، لمواجهة اتهامات بالتحريض على القتل والمساهمة المعنوية في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بمحاسبة شخصيات بارزة من أركان النظام السابق ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا.
وعقدت الجلسة في القصر العدلي في دمشق برئاسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وعضوية المستشارين عبد الحميد الحمود وحسام عبد الرحمن، وبحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي، والنائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، إلى جانب ممثلين عن منظمات حقوقية محلية ودولية.
وخلال الجلسة، تلا رئيس المحكمة لائحة الاتهام الموجهة إلى حسون، والتي تضمنت اتهامات باستغلال موقعه الديني الرسمي لتحقيق مصالح شخصية، وبناء شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ خارج الأطر الرسمية، شملت رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، ومدير إدارة المخابرات العامة السابق علي مملوك، وعدداً من كبار ضباط الجيش، إضافة إلى قادة الميليشيات الطائفية التي شاركت في القتال إلى جانب قوات النظام خلال سنوات النزاع.
كما شملت الاتهامات إلقاء المتهم محاضرات وخطابات أمام عناصر وضباط في جيش النظام السابق، دعاهم خلالها إلى مواصلة دعم النظام ومواجهة معارضيه، فضلاً عن ظهوره في وسائل الإعلام بتصريحات اعتُبرت تحريضية ضد المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وضد اللاجئين السوريين الذين فروا من العمليات العسكرية، ولا سيما في مدينتي حلب وإدلب.
ووفق ما ورد في لائحة الاتهام، تضمنت بعض تلك التصريحات دعوات صريحة لتدمير مناطق معارضة للنظام.
وتضمنت اللائحة أيضا اتهامات بتقديم تأييد علني، مستند إلى صفته الرسمية والرمزية كمفتي للجمهورية، لشخصيات وقادة عسكريين متهمين بارتكاب جرائم حرب، من بينهم عصام زهر الدين وقاسم سليماني.
كما نُسب إليه تأييد التدخلين الروسي والإيراني في سوريا، رغم الاتهامات الموجهة للقوات والميليشيات المشاركة فيهما بارتكاب انتهاكات واسعة ومجازر بحق المدنيين السوريين، الأمر الذي اعتبرته النيابة العامة شكلاً من أشكال الدعم والتحريض المعنوي والسياسي والديني للجرائم المرتكبة خلال سنوات الحرب.
أطلق تصريحات تحريضية ضد المدنيين في مناطق المعارضةوأوضح القاضي العريان أن الوقائع المنسوبة إلى حسون تجعله شريكاً أساسياً في التحريض والحث وتقديم المساندة المعنوية، إضافة إلى إضفاء الشرعية الدينية والسياسية على ممارسات نظام الأسد وحلفائه، مع علمه بالسياق العام للانتهاكات وبالطبيعة المنهجية والواسعة النطاق للهجمات التي استهدفت مناطق مدنية مأهولة بالسكان خلال النزاع المسلح.
وأضاف أن هذه الأفعال تندرج ضمن إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم أو العفو، استناداً إلى قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي، فضلاً عن الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية الصادر في 13 آذار/مارس 2025، الذي استثنى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والجرائم المرتكبة في عهد النظام السابق من مبدأ عدم رجعية القوانين.
وأشار رئيس المحكمة كذلك إلى أن قانون العقوبات السوري يجرّم الأفعال المنسوبة إلى حسون، ولا سيما ما يتعلق بالتحريض على القتل العمد، والتدخل في جرائم القتل، والمساهمة في أعمال من شأنها إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، إضافة إلى إثارة النعرات المذهبية والعنصرية واستغلال النفوذ لتحقيق منافع مادية.
فيما أكد ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي أن القضية المعروضة أمام المحكمة لا تتعلق بشخص عادي، بل بشخصية شغلت أحد أعلى المناصب الدينية في البلاد، وكان يفترض بها أن تؤدي دوراً في التهدئة وحماية السلم الأهلي، إلا أنها، حسب ما ورد في ملف الدعوى، استغلت موقعها للتحريض وتبرير أعمال القتل وإضفاء الشرعية عليها.
وأضاف أن المتهم استثمر موقعه كمفتي لمدينة حلب ثم كمفتي للجمهورية لتوسيع شبكة علاقاته مع مسؤولي النظام السابق وأجهزته الأمنية، وشارك في عدد من اللقاءات والمحاضرات ذات الطابع التحريضي، كما ارتبط اسمه بتصريحات إعلامية تضمنت تهديدات وتحريضاً ضد السوريين في الداخل والخارج، فضلاً عن دعمه العلني لشخصيات وقوات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
وأشار ممثل النيابة إلى أن حسون أجرى خلال سنوات النزاع عدة مقابلات تلفزيونية وإذاعية تضمنت، حسب وصفه، تحريضاً ضد الثورة السورية والداعمين لها.
واستشهد في هذا السياق بتصريح سابق للمتهم وجّهه إلى الدول الأوروبية، قال فيه إن أي هجوم أوروبي على سوريا سيدفع أبناء سوريا ولبنان إلى التوجه نحو أوروبا «كطالبي شهادة».
واعتبرت النيابة أن هذا الخطاب يندرج ضمن إطار التحريض على القتل، مشيرة إلى وقوع هجمات إرهابية في عدد من الدول الأوروبية بعد فترة من إطلاق تلك التصريحات.
وأكد الراضي أن الأفعال المنسوبة إلى المتهم لا تقتصر على حدود الخطاب الإعلامي، بل تمثل، وفق ملف الدعوى، مساهمة مباشرة في توفير الغطاء الديني والمعنوي لعمليات القتل والانتهاكات التي ارتكبت بحق المدنيين خلال عهد النظام السابق، ما يجعلها مرتبطة بجرائم واسعة النطاق ومنهجية.
وفي ختام مرافعته، طلب ممثل النيابة العامة من المحكمة الاستمرار في إجراءات محاكمة أحمد حسون وفق الأصول القانونية، مؤكدا أن الجرائم المنسوبة إليه تعد من الجرائم الجسيمة التي لا يشملها العفو العام ولا تسقط بمرور الزمن، حيث رفعت الجلسة إلى 16 من تموز/يوليو المقبل لاستكمال سماع شهود الحق العام.
وكانت قوى الأمن الداخلي اعتقلت حسون في آذار/مارس عام 2025.
وشهد يوم الأربعاء، أولى جلسات محاكمة المتهم وسيم الأسد المتورط بجرائم عدة بحق الشعب السوري خلال عهد النظام السابق، كما بدأت في الـ 26 من نيسان/أبريل الماضي محاكمة عاطف نجيب، بهدف كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المتورطين وفق الأصول القضائية.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك