يفرض الاتساع المتدرج للحرب التجارية بين القوى الكبرى اليوم سلسلة جديدة من إجراءات متقابلة، فبينما تتحرك واشنطن وبروكسل لتقييد الواردات الصينية في القطاعات ذات القيمة التكنولوجية العالية، ترد بكين بتشديد أدوات حماية سلاسل التوريد ومحاولة تثبيت صورتها كمدافع عن النظام التجاري القائم على القواعد.
وتُظهر تصريحات وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك -كما نقلتها صحيفة غلوبال تايمز الصينية- انتقال التركيز من الرسوم الجمركية التقليدية إلى استهداف قطاعات محددة مثل الروبوتات الصناعية والروبوتات الشبيهة بالبشر، تحت شعار مواجهة" الروبوتات المدعومة من الدولة".
list 1 of 4الرابحون والخاسرون من نسخة ترمب الجديدة للرسوم الجمركيةlist 2 of 4هل يدخل الاتحاد الأوروبي في حرب تجارية مع الصين؟list 3 of 4من البرازيل إلى غانا والمكسيك.
الصين تبني عالمها الموازيlist 4 of 4الصين تهدد بالرد على قيود أوروبية جديدة وسط تصاعد التوترات التجاريةوقد لمح لوتنيك إلى أن بلاده تدرس فرض إجراءات إضافية على واردات الروبوتات الصينية، رغم خضوعها لرسوم جمركية، مبررا ذلك باعتبارات الأمن القومي وسباق" الأذرع الروبوتية".
ويرى المدير العام لمجموعة تكنولوجيا تطبيقات المستهلك شيانغ لي غانغ في حديثه للصحيفة أن" هذا الخطاب يندرج تحت نمط أمريكي متكرر لتسييس التجارة، إذ تقدم القدرة التنافسية للصناعات الصينية بوصفها ناتجة عن دعم حكومي غير عادل"، مضيفا أن" تفوق الصين في الروبوتات مبني على تكامل سلسلة التوريد الوطنية، وتراكم الابتكار ووتيرة التطبيق التجاري السريع".
وتستدل الصحيفة في تقريرها بتقديرات" مورغان ستانلي" التي ترجّح وصول عدد الروبوتات الشبيهة بالبشر عالميا إلى نحو مليار روبوت بحلول عام 2050، مع اتساع الفجوة لصالح الصين في هذا المجال، مما سيضاعف حساسية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه هذا القطاع.
" قانون ماتش" الأمريكي يسعى لفرض تنسيق إلزامي على حلفاء واشنطن في قيود تصدير التكنولوجيا والعتاد إلى الصينأوروبا بين الضغط والمخاطرلا تقل الصورة تعقيدا في أوروبا، إذ تتقدم النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي نحو ما وصفه المستشار نوح باركن في قسم الصين بشركة الأبحاث" روديوم"، بأنه أقرب لحظة حاسمة في سياسة أوروبا تجاه الصين منذ سنوات، مؤكدا أن" ارتقاء الصناعة الصينية في سلسلة القيمة، جعلها المنافس الأشرس لقطاع التصنيع الأوروبي الذي يتمحور معظمه حول ألمانيا".
ويشير تقرير صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست إلى أن معهد الاقتصاد الألماني يعزو خسارة نحو 400 ألف وظيفة صناعية بين عامي 2019 و2025 إلى السياسات التجارية الصينية، مع تزايد العجز التجاري الأوروبي واعتماد سلاسل إنتاج في دول وسط أوروبا وشرقها على السوق الألمانية المتأثرة أصلا بالمنافسة الصينية.
في موازاة ذلك، تتبلور داخل بروكسل دعوات لتسريع استخدام أدوات دفاع تجارية، من رسوم وقائية وحصص، عبر آليات حماية قطاعات معينة، في محاولة لإعادة رسم شروط الوصول إلى السوق الأوروبية أمام السلع الصينية، خاصة في السيارات الكهربائية والمنتجات الخضراء ذات الكثافة التكنولوجية.
وتُظهر مواقف بعض قادة دول الاتحاد الأوروبي -كما تنقل الصحيفة ذاتها- تحوّل بعض الدول من نهج" الشريك والمنافس والخصم" في آن واحد تجاه الصين، إلى خطاب أكثر تشددا يركز على حماية القدرة التنافسية الأوروبية، ولو على حساب العلاقات الاقتصادية مع بكين.
ولم تعد الحرب التجارية هذه تقتصر على محور واحد، بل امتدت إلى خلافات بين الولايات المتحدة وحلفائها حول حدود الاتحاد ضد السياسات التجارية الصينية.
ونقل تقرير صحيفة هوان تشيو الصينية عن وزير التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي في هولندا سجورد شوردسما، انتقاده مشروع قانون" التنسيق متعدد الأطراف بشأن ضوابط تكنولوجيا الأجهزة" (قانون ماتش) الأمريكي الذي يسعى لفرض تنسيق إلزامي على حلفاء واشنطن في قيود تصدير التكنولوجيا والعتاد إلى الصين.
هذا القانون -وفق ما تنقله الصحيفة عن تقارير غربية- يمنح واشنطن عمليا ولاية قضائية ممتدة على سياسات التجارة الهولندية في قطاع الرقائق وأجهزة تصنيعها، بما يمس مباشرة مصالح شركات مثل" أيه إس إم إل" في السوق الصينية.
مدير مركز دراسات العلاقات الصينية الأوروبية بجامعة فودان جيان غوين بو، يفسّر لصحيفة هوان تشيو الموقف الهولندي بأنه" محاولة لحفظ هامش مناورة بين الالتزام بالتضييق على صادرات المعدات المتقدمة لصناعة رقائق الذكاء الاصطناعي، وبين الإبقاء على قنوات بيع وخدمة الأجهزة الأقل تقدما والمنتجات التي تم تصديرها بالفعل إلى الصين.
غير أن انضمام هولندا -في الوقت نفسه- إلى مبادرة" سيليكون بيس" بقيادة الولايات المتحدة لتنسيق سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، يكشف مأزق الدول الأوروبية الصغيرة في آليات التوازن بين متطلبات الأمن التكنولوجي الأمريكي، وحماية مصالحها التجارية مع الصين.
التشريعات الصينية تأتي في وقت تتوسع فيه قيود التصدير والاستثمار الأمريكية تجاه الصين، وتسرع فيه أوروبا ما تسميه سياسة تقليل المخاطرفي مواجهة هذه التحولات، تتحرك الصين على مستوى السياسات الداخلية والخارجية لتأمين الصناعة وسلاسل التوريد.
وتشير صحيفة تشاينا ديلي إلى أن مجلس الدولة أقر أول إطار تنظيمي مخصص لأمن السلاسل الصناعية وسلاسل التوريد، مع منح وزارة التجارة صلاحية فتح تحقيقات ضد أية إجراءات تمييزية أو تعطيل للمعاملات الطبيعية من جانب دول أو كيانات أجنبية.
وتتيح هذه الآلية القانونية لبكين فرض قيود تجارية أو منع استثمارات، أو فرض عقوبات على الأطراف التي تُعتبر تهديدا لأمن سلاسل توريدها، في شكل يشبه السلاح المضاد للحظر والعقوبات الغربية.
ويشير وانغ مينغ هوي، من مركز أبحاث تابع لمجلس الدولة، إلى أن هذه الخطوة تأتي في وقت تتوسع فيه قيود التصدير والاستثمار الأمريكية ضد الشركات الصينية، وتسرع فيه أوروبا ما تسميه سياسة تقليل المخاطر.
إلى جانب ذلك، لفتت تشاينا ديلي إلى آلية جديدة أقرتها وزارة التجارة لتشجيع الرقابة المجتمعية والإبلاغ العلني عن أية مخالفات في تصدير المعادن الإستراتيجية والمواد ذات الاستخدام المزدوج، بما يعزز قدرة الدولة على ضبط تدفقات المواد الحساسة في ظل حرب المعادن المتنامية.
إعادة تشكيل سلاسل التوريدويشير مجمل هذه التطورات إلى اتساع الحرب التجارية من مستوى الرسوم الجمركية والرقائق الإلكترونية إلى صراع منظم على هندسة سلاسل التوريد وقواعد النظام التجاري الدولي.
وتدفع الولايات المتحدة باتجاه نقل الإنتاج عالي القيمة بعيدا عن الصين، وتقييد وصول بكين لأدوات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، مستخدمة قوانين وطنية تمتد آثارها إلى خارج الحدود، في حين تتحرك أوروبا نحو تشديد دفاعاتها التجارية مع محاولة الحفاظ على مصالحها الصناعية.
في المقابل، تحاول الصين أن تجعل من التحكم في سلاسل التوريد سلاحها الدفاعي والهجومي في آن واحد، فهي أكبر مستخدم ومصنّع للروبوتات الصناعية في العالم، ويتسارع نمو صادراتها في هذا القطاع بين فيتنام والمكسيك وتايلاند -حسب غلوبال تايمز- مما يربط أجزاء من التصنيع العالمي بسلاسلها ويمنحها نفوذا إضافيا في أي عملية تفاوض على قواعد التجارة.
هذا الواقع يقود إلى عالم أكثر تجزؤا، تتعايش فيه مناطق" تحالفات سلاسل التوريد" بقيادة واشنطن أو بكين أو بروكسل، فيما تنحسر خيارات الدول المتوسطة والصغرى بين الانخراط في ترتيبات أمنية تكنولوجية تشدد القيود، وبين محاولة الحفاظ على حالة انفتاح اقتصادي.
وبالنظر إلى حجم التعقيدات الحالية، فإن أي تصعيد إضافي في هذه الحرب التجارية القانونية سيحمل كلفة مباشرة على الاستثمار والتوظيف والنمو في الاقتصادات الكبرى، ويعيد تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي بوصفه المحدد الرئيسي لشكل العولمة في السنوات القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك