قناة التليفزيون العربي - حصاد العرب في مونديال 2026: بين إنجازات تاريخية لامست المجد وصدمات غير متوقعة هزت الجماهير وكالة الأناضول - روته: ثورة الصناعات الدفاعية في تركيا ستفيد جميع دول الناتو وكالة الأناضول - لبنان والسعودية تبحثان تعزيز التعاون الزراعي الثنائي روسيا اليوم - اليمن.. صاعقة رعدية تتسبب بوفاة خمسة أفراد من أسرة واحدة في محافظة إب قناة التليفزيون العربي - مفاوضات جديدة حساسة تعيد ملف سلاح الفصائل العراقية إلى الواجهة..فهل تنجح بغداد في احتوائه؟ روسيا اليوم - واشنطن توضح سبب منحها طهران الضوء الأخضر لتصدير نفطها لمستويات قبل الحرب روسيا اليوم - الولايات المتحدة تقدم لفنزويلا 150 مليون دولار ومجموعتين للبحث والإنقاذ قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة | التفاهم الأمريكي الإيراني وعبور مضيق هرمز بسلام قناة الشرق للأخبار - اشتعال الموقف في مضيق هرمز.. ما تداعيات الهجوم على سفينة الشحن السنغافورية؟ الجزيرة نت - إسرائيل تعلن تصفية 6 أشخاص جنوبي لبنان وحزب الله يصفه بالانتهاك الفاضح
عامة

سيميائيّة الفضاء في "أصوات عالية من الشّمال" لهيام الفرشيشي : من وهم الاتّساع إلى لولب الانغلاق

جريدة المغرب
جريدة المغرب منذ 1 ساعة

يُعدُّ الفضاء السَّرديُّ أحد المكوِّنات الجوهريّة في تشكيل بنيةالنَّصّ الأدبيّ، فهو ليس مجرَّد وعاء مكانيّ محايد، تجري فيه الأحداث، بل هو بنية دلاليّة فاعلة تشارك في إنتاج المعنى وصياغة رؤية العالم....

يُعدُّ الفضاء السَّرديُّ أحد المكوِّنات الجوهريّة في تشكيل بنيةالنَّصّ الأدبيّ، فهو ليس مجرَّد وعاء مكانيّ محايد، تجري فيه الأحداث، بل هو بنية دلاليّة فاعلة تشارك في إنتاج المعنى وصياغة رؤية العالم.

ومن منظور النَّقد الحديث، يتجاوز الفضاء بعده الجغرافيّ الصّامت، ليصبح" فضاءً سيميائيًّا" مشحونًا بالعلامات والقيم والرّموز، حيث يتقاطع فيه المادّيّ بالمتخيَّل، والواقعيّ بالنَّفسيّ.

ويغدو المسرح الّذي تتحدَّد فيه حركات الشَّخصيّات وصراعاتها، وهو اللَّبنة الّتي تبني عليها الكتابة عوالمها، سواء بوصفه فضاءً للانعتاق، أو مكانًا للقمع.

وفي رواية" أصوات عالية في الطَّريق إلى الشَّمال"، لهيام الفرشيشي، يبرز الفضاء كبنية مركزيّة محرِّكة للحكي، تتأرجح سيميائيًّا بين إغواء الاتِّساع وحقيقة الانغلاق، ضمن حركة لولبيّة تضيق باستمرار، لتعرية المسكوت عنه في الفضاء الجغرافيّ، وفي فضاء النَّصّ أيضا.

ومن هنا تبرز إشكاليّة هذا الطَّرح، في تساؤله عن آليّات تحوُّل الفضاء من وعاء حاوٍ وممتدّ، إلى سلطة قامعة ومخاتلة؛ فكيف تضافرت ثنائيّة الاتِّساع والضّيق، عبر حركة اللّولب السَّرديّ، في تعرية زيف وعود هذا الفضاء؟ وكيف انتهى هذا الانغلاق المكانيّ بمحاكمة ميتاسرديّة، تضيق فيها جدران النَّصّ على السَّاردة نفسها، محوِّلة الإبداع من فضاء للحرّيّة، إلى ساحة للمساءلة؟ تبدأ الرّواية بممارسة تمويه دلاليّ، يغري القارئ والشَّخصيّات بأفق واسع من التَّحرُّر.

منذ العتبات، وتحديدًا منذ صورة الغلاف، الّتي توحي بطبيعة خضراء ممتدّة ومنفتحة، حيث تنطلق الأشجار حرّة تطاول عنان السّماء، وتنطلق الفتاة أكثر حرّيّة.

ويدعم العنوان هذه الحرّيّة؛ فالأصوات العالية كانت قطعًا حرّة في قول ما تريد، وكان طريقها نحو الشَّمال، شمال المتوسّط، فضاء النّور والحرّيّات.

ولا يتوقَّف إيهام الاتِّساع عند الغلاف، بل يمتدّ إلى العتبات الدّاخليّة، فالكاتبة جالت شرقًا وغربًا، حاضرًا وماضيًا، لتنوّع عتباتها؛ فربط غابريال غارسيا ماركيز ونجيب محفوظ النَّصّ بالرّواية عالميًّا وعربيًّا، وأحال حضور شكسبير على تراجيديا المصير الإنسانيّ، وجسَّد لورنس ثورة الجسد والوجدان، وصدع راي برادبري بصرخة الحرّيّة ضدّ القمع والجهل.

وغاص بنا أحمد خالد توفيق في عمق الاجتماعيّات، أمّا فرويد، فقد أخذنا إلى أعماق النَّفس البشريّة بتقلّباتها وخيباتها.

لتغدو كلّ هذه الاستشهادات جواز سفر معرفيّ للمتلقّي، يوحي بالتنوّع والاتِّساع والرّحابة، ومنح الشَّخصيّات شعورًا بالانتماء إلى فضاء إنسانيّ عظيم، يتجاوز ضيق هذه القرية الجبليّة التّونسيّة.

الحكاية أيضًا تبدأ مبشّرة بالانفتاح والحرّيّة؛ فالسَّاردة تنطلق في رحلة نحو الشَّمال الغربيّ لحضور حفل زفاف، والحرّيّة حرّيّات هنا: حرّيّة السّفر عبر الطّريق الممتدّ، وحرّيّة غابات الشَّمال الغربيّ ممتدّة الخضرة ربيعا، و البياض شتاء، ثمّ حرّيّة الأجساد الّتي تنطلق في فضاء الأعراس، منتشية، معبّرة عن فرحها بالرّقص.

فضاء لقاء السَّاردة، الملتقطة لتفاصيل الحكاية، بخيرة بطلة الحكاية، كان واسعا ممتدّا أيضا، في وسط الدّار الفسيح، تحت شجرة التّوت الممتدّة الفروع.

و القرية بغاباتها المتشعّبة كانت فضاءً فسيحًا تتريّض فيه خيرة، وكانت المدينة فضاء حرّيّة آخر في العاصمة التّونسيّة مهرب الفتاة من محاصرة العادات والتّقاليد في قريتها.

و باريس ولندن مجالًا أشدّ رحابة للباحثات عن الحرّية، حتّى الأماكن المغلقة في الرّواية كانت متّسعة؛ فالفيلا المهجورة كانت فضاء خيرة للتخلّص من قيود جدّيها والتّمتّع بحرّيّتها، و الغرفة الّتي حبسها فيها الجدّ كانت رحبة بمكتبتها، الّتي فتحت لها آفاق المعرفةالسّحريّة.

وكان القبو معبرها إلى الحرّيّة، ببابه السّرّيّ المخفيّ؛ فكان حضنًا واسعا لها، كما احتضن الفلّاقة ذات زمن، وحماهم من بطش المستعمرين.

ويمتدّ هذا الاتِّساع من الفضاء الجغرافيّ، ليشمل فضاء النَّصّ، الّذي كان فسيحًا تمارس فيه الكاتبة بناء أكوانها السَّرديّة بكلّ حرّيّة.

تتقاطع فيه النّصوص وتتراسل الفنون بكلّ أريحيّة.

بيد أنّنا، ما إن نتوغّل في الأحداث، حتّى تبدأ حركة اللّولب، تضيق تدريجيًّا فنتراجع خطوات إلى الوراء، لنعيد قراءة العتبات؛ فصورة الغلاف، الّتي بدت منفتحة، تكشف، بتدقيق سيميائيّ، عن ضبابيّة تحجب الرّؤية، وتوحي بصعوبة الحركة في الفضاء.

وأغصان الأشجار تمتدّ أفقيًّا في أعلى الصّورة، لتشكّل إطارا يحبس الفتاة داخل الفضاء الضيّق، وعنوان الرّواية أشارلأصوات عالية و لكنّ علوّ الصوت مردّه صراخ الكثرة المهمَّشة، وضجيج انكسارها.

وينحسر المكان، لولبيًّا، في الفضاءات المفتوحة الّتي غدت شراكًا للمغتربين؛ فالقرية غدت حصارًا يطبق على أنفاس خيرة، تحت سطوة القيل والقال والعادات المتحجّرة.

والمدينة، استحالت فضاء شقاء، تُجلد فيه بالعصا، تحت وقع المطر المنهمر، ولندن، مدينةغمرفيها الضّباب سارّة، وهو ضباب الاغتراب في فضاء لن تنتمي إليه، وإن حاولت.

أمّا الأمكنة المغلقة، فقد فقدت رحابتها المفترضة؛ فحوش الجدّ، الّذي تحيط به أشجار الصّنوبر والفليّن، والمعلّق في تلال غامضة، وقد طُليت غرفه بالدّهن الغامق، لن يعكس حتمًا سوى ذلك الضّيق الّذي يسجن قاطنيه يكتم أنفاسهم، وينذر بعتمة مصائرهم.

وتصل ذروة الانكماش في الفيلات الّتي ضاقت و إن رحبت، فمن الفيلا المهجورة، الّتي استُلبت فيها إرادة خيرة، تحت وطأة المخدّرات والمسكرات، إلى فيلا لافايات، الّتي تحوّلت إلى فضاء تتوزّع فيه كاميرات المراقبة لتحوّلًه إلى سجن ّ، يُلغي الخصوصيّة ويصادر الأمان.

وينتهي هذا اللّولب في أصغر حيّز ممكن، وهو الجسد، بل إنّه زنزانة أخرى، تُجلد بسياط العادات والتّقاليد في الرّيف.

فهذا الجسد المدنّس بالقوّة، يجب أن يُسجن لمواراة سوءاته، ويجب أن يُجلد عقابًا على تمرّده، وبحثه عن سبل الإفلات من القيود.

ولم يتوقّف الانكماش اللّولبيّ عند حدود الجغرافيا والجسد، بل امتدّ ليشمل فضاء النَّصّ ذاته؛ ففي تحوّل ميتاسرديّ، تقتحم الشّخصيّات بيت المؤلّفة، وتتمرّد على القلم، محوِّلة النَّصّ من مساحة حرّيّة، إلى قاعة محاكمة، تحاسب فيها الشّخصيّات خالقتها، رافضة ملامح الانكسار الّتي رُسمت لها.

ليستحيل النّصّ سجنًا، يحاصر إرادة السَّاردة، ومن ورائها الكاتبة.

وانكمش فضاء الفنون الّذي توهمنا رحابته، تحت وطأة الزيف.

إنّ هذا الانكماش اللّولبيّ للمكان لم يكن مجرّد تحوّل هندسيّ مادّيّ، بل كان مختبرًا نقديًّا، فجّر حزمة من القضايا الحارقة، الّتي مسّت جوهر الوجود الإنسانيّ؛ فكلّما ضاق الحيّز المكانيّ، اتّسعت فجوة الأسئلة الوجوديّة والاجتماعيّة إذ طرح ضيق الفضاء في فيلا لافايات قضيّة زيف الحداثة، واستبدال الحرّيّة بالرّقابة التّقنيّة؛ والتّكنولوجيا، الّتي يُفترض أن تخدم الرّفاه، تحوّلت إلى أداة لانتهاك الخصوصيّة وسلب الأمان، ممّا كشف عن وجه الحداثة القامع، الّذي جلب معه أدوات السّيطرة، لا قيم التّحرّر وجسّد ضيق الحوش طوق العادات والتّقاليد المضروب حول النّساء في مجتمعاتنا الرّيفيّة وكان فضاء المدينة، معبّرا عن الاستلاب الطّبقيّ وصراع المركز والهامش وكشف الضّباب في لندن وباريس عن الاغتراب المزدوج، ووهم الشّمال، والهويّة المأزومة.

و طرح ضيق الفضاء الفنّيّ قضيّة غربلة الفنون وتساقطها تحت زيف الأطماع المادّية الّتي تقايض زهيدا القيم الإنسانيّة بحفنة من المال.

إذن تكشف الرّحلة السّيميائيّة في رواية أصوات عالية في الطّريق إلى الشّمال عن أنّ الفضاء ليس وعاء محايدًا، بل هو قوّة فاعلة يتدرّج لولبيًّا من إيهام الاتِّساع إلى حقيقة الانغلاق فمن رحابة العتبات الكونيّة وبياض الثّلج، وخضرة الغابات، ، انتهت الشّخصيّات إلى حصار خانق، بين الضّباب والسّياط وكاميرات الرّقابة وانتهت السَّاردة إلى سجن ميتاسرديّ، وضعت أوتاده هذه الشّخصيّات الّتي برمت بوضعها، فتمرّدت على سلطة القلم، لتعلن أنّ تغيير حال المهمّشين لن يكون إلّا بمعاول إرادتهم، ورغبتهم في التّحرّر من كلّ القيود.

بقلم: الباحثة نجاة الوسلاتي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك