يحلّ 26 حزيران من كل عام - اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب- حاملاً معه قصص آلاف الأشخاص الذين نجوا من التعذيب أو فقدوا أحباءهم داخل السجون.
لكن ثمة ضحايا آخرون قلّما يُسلَّط الضوء عليهم؛ أطفال لم يدخلوا المعتقلات يوماً، لكنهم حملوا آثارها في تفاصيل حياتهم، بعدما غيّبت السجون آباءهم وتركتهم يكبرون وسط الخوف والحرمان والأسئلة التي لم تجد إجابات.
في سوريا، لم يكن التعذيب جريمة تنتهي عند أسوار سجون الأسد المخلوع، بل امتد أثره إلى البيوت، حيث تحولت الأمهات إلى معيلات وحيدات، والأجداد إلى آباء بدلاء، بينما كبر الأطفال وهم يحاولون فهم معنى أن يختفي الأب فجأة، من دون وداع، ومن دون قبر يزورونه أو خبر يطمئنهم.
قصص عمر ووفاء ووائل، التي رووها لموقع تلفزيون سوريا، ليست سوى نماذج لعائلات سورية دفعت ثمن الاعتقال والاختفاء القسري؛ إذ ورث الأبناء الخوف والفقد، وعاشوا طفولة لم تشبه طفولة أقرانهم.
" كنت أبحث عن أبي في كل رجل"كان" عمر" في السابعة من عمره عندما اختفى والده قسرياً على يد قوات النظام المخلوع من أحد حواجز الغوطة الشرقية بريف دمشق، لم يدرك حينها معنى الاعتقال أو الاختفاء، لكنه فهم سريعاً أن الرجل الذي كان ينتظره كل مساء لن يعود.
بعد غياب الأب، تبدّلت حياة الأسرة بالكامل، ووجدت والدته نفسها مسؤولة عن طفلين، في حين تخلّت عائلة والده عنهم، فلم يبقَ لهم سوى منزل الجد (والد أمه)، الذي سافروا برفقته إلى مصر، حيث عاشوا سنوات مثقلة بالفقر والعوز.
كبر" عمر" وهو يفتقد وجود الأب في أبسط تفاصيل حياته، واضطر إلى ترك المدرسة في الحادية عشرة من عمره، ليبدأ رحلة العمل في سن يفترض أن يحمل فيها حقيبته المدرسية لا أدوات العمل.
تنقل بين أعمال كثيرة قبل أن يستقر في أحد المطاعم، حيث قرر أن يتعلم كل ما يستطيع، لا لأنه كان يحلم بمهنة بعينها، بل لأنه أراد أن يخفف عن والدته شيئاً من الألم الذي عاشته منذ اختفاء زوجها.
لم يكن التعب هو الأصعب بالنسبة إليه، بل الفراغ الذي تركه والده، يقول إن كل موقف مهم في حياته كان يعيده إلى السؤال ذاته: " لو كان أبي هنا، ماذا كان سيفعل؟ "ومع مرور السنوات، لم يعد يتمنى عودة والده بقدر ما تمنى معرفة مصيره، يقول إن" أكثر ما يؤلمه أنه لا يعرف أين يرقد، ولا يملك قبراً يقف عنده، ليخبره كيف عاش، وكيف كبر، وكم مرة احتاج إليه ولم يجده".
في داخله حديث طويل لم يستطع قوله يوماً، يتخيل نفسه واقفاً أمام قبر والده، يخبره عن الليالي التي نام فيها جائعاً، وعن الضرب الذي تعرض له من جده وأخواله، وعن المدرسة التي اضطر إلى تركها، وعن والدته التي أنهكها الانتظار، ثم يعده بأنه سيبقى رجلاً يرفع اسمه، حتى وإن حُرم من أن يكبر إلى جانبه.
أم فقدت الزوج.
وأطفال فقدوا الطفولةلم يكن الاعتقال في سوريا يعني غياب شخص واحد عن المنزل، بل كان بداية انهيار حياة كاملة، فعندما يُقتاد الأب إلى المجهول، تصبح الأسرة كلها رهينة لذلك الغياب؛ أم تكافح وحدها، وأطفال يكبرون قبل أوانهم، وبيت يتحول إلى مساحة انتظار لا تنتهي.
هذا ما عاشته" وفاء"، ابنة مدينة داريا في ريف دمشق، منذ اعتقال زوجها على أحد حواجز قوات النظام المخلوع في كانون الأول/ديسمبر 2012.
خرج الأب ذلك اليوم في منطقة خان الشيح غربي دمشق ليشتري الحليب لطفله الرضيع (8 أشهر) وبعض المستلزمات، بعدما جف حليب والدته من شدة الخوف والقصف، لكنه لم يعد.
آخر ما بقي من ذلك اليوم كان رواية طفلها البكر، الذي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره آنذاك، حيث عاد إلى المنزل باكياً بعدما شاهد قوات النظام المخلوع يوقفون والده تحت تهديد السلاح، قبل أن يقتادوه إلى جهة مجهولة.
لم يدرك الطفل معنى الاعتقال، لكنه فهم أن والده اختفى، وأن عليه أن يحمل هذه الذكرى طوال حياته.
تقول" وفاء" إن أطفالها الخمسة، لم يخسروا أباهم فقط، بل خسروا الإحساس بالأمان.
فمنذ ذلك اليوم، أصبحت أصوات السيارات العسكرية، ووقع الأقدام على أبواب المنازل، وحتى طرق الباب ليلاً، كافية لإثارة الرعب في نفوسهم.
تروي" وفاء" أن أبناءها عاشوا سنوات كاملة وهم يشعرون بأنهم متهمون فقط لأن آباءهم غائبون، وأكثر ما بقي في ذاكرة أطفالها لم يكن النزوح ولا الفقر، بل الخوف.
وتضيف أن أحد أبنائها ظل أشهراً طويلة غير قادر على النوم إلا وهو يحتضنها بقوة، في حين عاد آخر إلى التبول اللاإرادي بعد مشاهدته لحظة اعتقال والده.
وحتى بعد انتقالهم إلى لبنان وابتعادهم عن الحرب، بقي الخوف يسكن أجسادهم الصغيرة، وكأنهم حملوا المعتقل معهم أينما ذهبوا.
في لبنان، بدأت محاولة جديدة لبناء الحياة، التحق الأطفال بالمدارس، وخضعوا لجلسات دعم نفسي، بينما عملت الأم في أي مهنة تستطيعها؛ من إعداد المناقيش إلى العمل في المراكز المجتمعية، لتؤمن الحد الأدنى من احتياجات أطفالها.
شيئاً فشيئاً، عاد بعض الاستقرار إلى حياتهم، لكن غياب الأب ظل الفراغ الأكبر.
كبر الأبناء وحصلوا على الشهادة الثانوية، ودخل الشبان سوق العمل، في حين تزوجت البنات، إلا أن نجاحاتهم لم تمحُ سؤالاً ظل يرافقهم منذ طفولتهم: أين أبي؟
تقول" وفاء" إن أبناءها تعلموا الاعتماد على أنفسهم، لكنهم دفعوا ثمناً باهظاً لذلك.
فقد كبروا وهم يحملون مسؤوليات لا تناسب أعمارهم، وحاولوا أن يكونوا سنداً لأمهم، بينما كانوا في الحقيقة أطفالاً يحتاجون إلى من يسندهم.
وترى أن معاناة أبناء المعتقلين لا تنتهي بالإفراج عن آبائهم أو بمعرفة مصيرهم، لأن سنوات الطفولة التي سُرقت منهم لا يمكن استعادتها، ولأن الخوف الذي تربى داخلهم لا يغادر بسهولة.
لقد كان التعذيب، بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، أكثر من ممارسة داخل السجون؛ كان واقعاً عاشوه في بيوتهم، وفي نزوحهم، وفي مدارسهم، وحتى في أحلامهم.
" كبرت وأنا أكره الدنيا كلها".
وائل بين غياب الأب وتخلي الأملم يكن" وائل" ابن حمص، قد تجاوز الثانية عشرة من عمره عندما اعتُقل والده قبل أكثر من عشر سنوات، كان شقيقه الأصغر لا يزال في السابعة، ولم يكن أي منهما يدرك أن تلك اللحظة ستكون بداية حياة مختلفة تماماً، حياة يكبران فيها من دون أب، ومن دون أم أيضاً.
بعد اعتقال الأب، انهارت الأسرة، ومع ضيق الحال وثقل المسؤولية، غادرت والدتهما وتزوجت، تاركة الطفلين في رعاية جدهما وجدتهما.
منذ ذلك اليوم، لم يفقد وائل والده فقط، بل شعر أنه فقد والدته أيضاً.
يقول إن أصعب ما في الأمر لم يكن الفقر، ولا تبدل البيوت، بل الإحساس بأن العالم كله تخلى عنه دفعة واحدة.
كبر في منزل جده، الذي حاول أن يكون أباً مرة أخرى، بينما كانت جدته تخفي دموعها كلما سألها حفيدها عن والده.
كانت تردد له أن الأيام ستكشف الحقيقة، لكنه كان يكبر في حين الأسئلة تكبر معه، من دون أن تأتي الإجابات.
غياب الأب بالنسبة إليه لم يكن مجرد ذكرى، بل فراغاً رافقه في كل مراحل حياته.
في الأعياد، وفي المناسبات المدرسية، وفي كل نجاح صغير، كان يشعر بأن شيئاً ناقصاً، وأن الشخص الذي كان يتمنى أن يشاركه تلك اللحظات لم يكن موجوداً.
ومع مرور السنوات، تحول الحنين إلى غضب.
يقول" وائل" إن مرحلة من حياته كانت مليئة بالكراهية، حتى إنه كان يردد في داخله: " كنت أكره كل شيء في الدنيا.
"لم يكره الناس، بقدر ما كان يكره الظلم الذي حرمه من أب يعيش معه، ومن أم تبقى إلى جانبه، كان يشعر أن طفولته سُرقت منه، وأنه أُجبر على مواجهة الحياة قبل أن يتعلم كيف يعيشها.
لم يجد أمامه خياراً سوى الاعتماد على نفسه.
تعلّم منذ سن مبكرة أن يعمل، وأن يتحمّل المسؤولية، وأن يخفي ضعفه كي لا يثقل على جدّه وجدّته، اللذين بذلا ما في وسعهما ليؤمّنا له ولشقيقه حياة كريمة، رغم تقدّمهما في السن.
كلما كبر" وائل"، ازداد شعوره بأنه يحتاج إلى والده أكثر، احتاجه حين دخل مرحلة المراهقة، واحتاجه عندما بدأ العمل، واحتاجه كلما واجه قراراً صعباً في حياته، كان يبحث عن صورة الأب في كل رجل يكبره، ثم يعود ليكتشف أن أحداً لا يستطيع أن يملأ مكانه.
أما شقيقه الأصغر، فقد عاش الفقد بطريقة مختلفة، لم يحتفظ إلا بذكريات قليلة عن والده، حتى إنه بات يخشى أن ينسى ملامحه مع مرور السنوات، بينما كان" وائل" يحاول أن يحكي له كل ما يتذكره عنه، وكأنه يخشى أن يموت الأب للمرة الثانية إذا اختفت ذكراه.
ورغم كل ما مر به، لم يسمح وائل للألم بأن يهزمه، قرر أن يبني حياته بنفسه، وأن يعتمد على عمله وجهده، مؤمناً أن أكثر ما كان يتمناه والده لو كان حياً، هو أن يراه رجلاً قادراً على الوقوف من جديد.
لكن هذا النجاح، كما يقول، لا يعوض سنوات الطفولة التي ضاعت، ولا يمحو ذلك السؤال الذي لازمه منذ أكثر من عقد: ماذا لو عاد أبي؟لم يكن" وائل" ضحية التعذيب داخل زنزانة، لكنه حمل آثاره في حياته كلها، فحين يُنتزع الأب من أسرته، لا يُعتقل شخص واحد فقط، بل تُسجن طفولة كاملة، ويُترك الأبناء ليخوضوا معركة النمو وحدهم، حاملين جراحاً لا تُرى، لكنها تلازمهم حتى بعد أن يكبروا.
في سوريا، لم يقتصر التعذيب على الجدران الإسمنتية وغرف التحقيق، بل امتد إلى غرف الأطفال التي غاب عنها الآباء، وإلى الأمهات اللواتي اضطررن إلى أن يكنّ الأم والأب معاً، وإلى أبناء كبروا وهم يحاولون تذكّر ملامح رجل أخذته السجون ولم يعد.
وبينما ينتظر بعضهم خبراً عن آبائهم حتى اليوم، رافضين تصديق أنهم لن يعودوا، يحاول آخرون بناء حياة جديدة فوق ركام سنوات طويلة من الفقد.
في المقابل، تاه بعض الأطفال في هذه الحياة، وضاع مستقبلهم.
غير أن الحقيقة التي تجمعهم جميعاً هي أن التعذيب لم ينتهِ عند باب المعتقل، بل خرج منه ليسكن ذاكرة الأبناء، ويخلّف جيلاً كاملاً يحمل آثار جريمة لم يرتكبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك