فرانس 24 - مونديال 2026: إيغليسياس مهاجم إسبانيا الذي لا يخشى التحدث عن القضايا "غير العادلة" فرانس 24 - مونديال 2026: فوز معنوي لتركيا على بدلاء الولايات المتحدة 3-2 العربي الجديد - سحب شهادة الدكتوراه من رمز علمي في فرنسا فرانس 24 - مونديال 2026: رونار لا يشعر بأي ندم رغم الإخفاق مع تونس العربي الجديد - تركيا تنتصر على أميركا بثلاثية وأستراليا تخطف بطاقة التأهل العربية نت - مدير عام وكالة الطاقة الذرية: نأمل أن نكون في إيران قريباً فرانس 24 - مباشر: المحادثات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن ستستمر ليوم إضافي سويس إنفو - بالأرقام: قطاع الأدوية السويسري يواجه منافسة متصاعدة العربية نت - فيديو ابن أنشيلوتي يفجر أزمة في البرازيل بسبب نيمار روسيا اليوم - المعارضة التركية تتهم الحكومة بتحويل أنقرة إلى "مدينة أشباح" بسبب قمة "الناتو"
عامة

في اليوم العالمي لضحايا التعذيب.. أرقام وشهادات وجرح سوري لم يندمل

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ 1 ساعة

في السادس والعشرين من حزيران من كل عام، يستعيد العالم اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، بوصفه مناسبة للتذكير بأن التعذيب ليس انتهاكاً عابراً يمكن تجاوزه بمرور الزمن، بل جريمة تمس كرامة الإنسان، وتتر...

في السادس والعشرين من حزيران من كل عام، يستعيد العالم اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، بوصفه مناسبة للتذكير بأن التعذيب ليس انتهاكاً عابراً يمكن تجاوزه بمرور الزمن، بل جريمة تمس كرامة الإنسان، وتترك آثارها في الضحايا وعائلاتهم والمجتمعات التي عاشت تحت الخوف.

في سوريا، لا تحضر هذه المناسبة كذكرى رمزية فقط، بل كملف مفتوح على مئات آلاف الضحايا، ومئات آلاف العائلات التي مرّت بتجربة الاعتقال أو الفقدان أو البحث عن مصير مجهول.

فمنذ عام 2011، تحوّل التعذيب داخل السجون ومراكز الاحتجاز إلى أحد أكثر وجوه العنف قسوة في البلاد، وإلى أداة ممنهجة لإخضاع المجتمع وكسر المعارضين وترهيب المدنيين.

لا تختصر الأرقام حجم الجريمة، لكنها تكشف بعض ملامحها.

فوفق بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بلغ عدد الضحايا الذين قضوا تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الطبي داخل مراكز الاحتجاز منذ عام 2011 نحو 45 ألفاً و342 شخصاً، بينهم 225 طفلاً و117 امرأة.

كما لا يزال ما لا يقل عن 157 ألفاً و287 شخصاً في عداد المعتقلين أو المخفيين قسراً ومجهولي المصير، في واحدة من أكبر حالات الإخفاء القسري في المنطقة.

التعذيب كسياسة لا كاستثناءتتفق شهادات ناجين وتقارير حقوقية على أن التعذيب في سوريا لم يكن نتيجة تجاوزات فردية معزولة، بل جزءاً من نمط واسع داخل أجهزة أمنية وسجون ومراكز احتجاز متعددة.

تعددت الأساليب، من الضرب والتعليق والصعق والحرمان من النوم والطعام والعلاج، إلى الإذلال والتهديد والعزل، لكن النتيجة كانت واحدة: تحويل جسد المعتقل ونفسيته إلى ساحة للعقاب والسيطرة.

هذا النمط هو ما يجعل الحديث عن التعذيب في سوريا حديثاً عن بنية كاملة، لا عن حادثة أو سجن بعينه.

فالشهادات المتقاطعة، والصور المسربة، والوثائق الحقوقية، والمحاكمات التي جرت في دول أوروبية، كلها تشير إلى منظومة استخدمت الاعتقال والتعذيب بوصفهما أداة حكم وقمع، لا مجرد إجراء أمني.

ولا تقتصر هذه الخلاصة على شهادات الناجين والوثائق الحقوقية فحسب، إذ تشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن أكثر من 99 في المئة من الوفيات الموثقة تحت التعذيب منذ عام 2011 وقعت داخل مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد المخلوع، ما يعكس الطابع المنهجي والمؤسسي لهذه الانتهاكات.

ومع أن كثيراً من الضحايا لم تتح لهم فرصة الحديث، فإن الناجين حملوا معهم أجزاء من الحقيقة: أسماء زملاء اختفوا، وأوصاف زنازين، وطرق تحقيق، وأصوات سجانين، وأخباراً مبعثرة عن معتقلين لم يعودوا إلى بيوتهم.

وفي كثير من الأحيان، أصبح الناجي شاهداً على مصيره ومصير غيره في آن معا.

صيدنايا.

رمز لمأساة أوسعيحتل سجن صيدنايا مكانة خاصة في الذاكرة السورية المعاصرة، لا لأنه السجن الوحيد الذي شهد انتهاكات، بل لأنه تحول إلى رمز مكثف لما يمكن أن تبلغه آلة الاعتقال حين تعمل بعيداً عن الرقابة والقانون.

وتحدثت تقارير حقوقية وشهادات ناجين عن إعدامات ومحاكمات صورية وتعذيب ممنهج وحرمان من الغذاء والرعاية وظروف احتجاز قاتلة.

وقد وصفت منظمة العفو الدولية السجن، في أحد تقاريرها، بعبارة تختصر فداحة ما جرى داخله: " المسلخ البشري".

وقدرت المنظمة في تقريرها الصادر عام 2017، أن ما بين 5 آلاف و13 ألف شخص أُعدموا شنقاً في سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2015، استناداً إلى شهادات ناجين ومسؤولين سابقين وخبراء.

لكن اختزال ملف التعذيب في صيدنايا وحده قد يحجب اتساع الجريمة.

فالسجون والفروع الأمنية ومراكز الاحتجاز المنتشرة في سوريا شكّلت معاً خريطة واسعة للخوف.

لذلك، فإن صيدنايا ليس سوى الاسم الأكثر شهرة في شبكة أكبر من الانتهاكات التي طالت السوريين.

ومع أن صيدنايا أصبح الاسم الأكثر حضوراً في الذاكرة السورية، فإن منظمات حقوقية دولية وسورية تؤكد أن الانتهاكات لم تقتصر عليه، بل شملت شبكة واسعة من السجون ومراكز الاحتجاز والفروع الأمنية في مختلف أنحاء البلاد.

صور قيصر.

حين تحولت الجثث إلى دليلشكّلت الصور التي سرّبها المصور العسكري فريد المذهان، المعروف باسم" قيصر" واحدة من أكثر الأدلة البصرية صدمة في الملف السوري.

فقد أظهرت أكثر من 50 ألف صورة مسربة، جثامين لمعتقلين بدت عليها آثار التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، وحملت أرقاماً بدلاً من الأسماء، كما لو أن الإنسان اختُزل إلى ملف أو جثة في أرشيف رسمي.

ولا تكمن أهمية هذه الصور في قسوتها فقط، بل في دلالتها القانونية والسياسية.

فهي لم تكن رواية شفوية يمكن إنكارها بسهولة، بل مادة بصرية خضعت لفحوص وتحليلات مستقلة، واستُخدمت في حملات حقوقية ودعاوى قضائية وملفات توثيق دولية.

وبحسب معطيات استندت إلى تحقيقات الطب الشرعي الدولية، التي تولت فحص ملف" قيصر"، خضعت آلاف الصور المسربة لتحليلات جنائية وتقنية متخصصة، في حين أكدت تحقيقات دولية مستقلة ومنظمة هيومن رايتس ووتش صحة الصور وعدم تعرضها للتلاعب، ما عزز قيمتها كأدلة استخدمت لاحقاً في حملات التوثيق والمساءلة القضائية.

وأصبحت هذه الصور لاحقاً جزءاً أساسياً من الأدلة التي استندت إليها منظمات حقوقية دولية وجهات تحقيق مستقلة في توثيق الانتهاكات المرتكبة داخل مراكز الاحتجاز السورية، كما أسهمت في دفع عدد من الدول الأوروبية إلى فتح تحقيقات قضائية استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.

ومع ذلك، تبقى هذه الصور شديدة الحساسية بالنسبة لعائلات الضحايا.

فكثير من السوريين بحثوا في الوجوه والأرقام عن أب أو ابن أو أخ أو زوج.

وبين الحاجة إلى كشف الجريمة وحق العائلات في الكرامة، ظلّ ملف الصور مثالاً صارخاً على أن التوثيق قد يكون ضرورياً ومؤلماً في الوقت نفسه.

المختفون قسرياً.

الألم المعلّقلا يقتصر ملف التعذيب على من تأكدت وفاتهم أو خرجوا من السجون.

فهناك عشرات الآلاف ممن لا تزال عائلاتهم تجهل مصيرهم.

الاختفاء القسري في الحالة السورية ليس مجرد غياب، بل حالة مستمرة من العذاب للعائلات: لا خبر مؤكد، ولا جثمان، ولا قبر، ولا إجابة رسمية.

تعيش هذه العائلات بين احتمالين قاسيين: أن يكون الابن أو الأب أو الأخ لا يزال حياً في مكان ما، أو أن يكون قد مات منذ سنوات من دون أن تعرف الأسرة.

هذا الفراغ يحول الزمن إلى انتظار طويل، ويجعل كل معلومة أو شهادة أو قائمة أسماء حدثاً قد يفتح الجرح من جديد.

لذلك، فإن كشف مصير المخفيين يجب أن يكون في قلب أي مسار للعدالة.

فلا معنى كاملاً للمساءلة من دون حق العائلات في معرفة الحقيقة، ولا تعافياً اجتماعياً ممكناً بينما يبقى مصير آلاف الأشخاص معلقاً بين الإنكار والصمت.

وتشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن ما لا يقل عن 157 ألفاً و287 شخصاً ما زالوا في عداد المعتقلين أو المخفيين قسراً ومجهولي المصير، وهو رقم يعكس اتساع هذا الملف وتعقيداته الإنسانية والقانونية، ويجعل معرفة الحقيقة مطلباً أساسياً لعائلات الضحايا.

وتؤكد الأمم المتحدة أن قضية المفقودين والمخفيين قسراً في سوريا تمثل واحدة من أكبر أزمات الاختفاء القسري في العالم المعاصر، ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إنشاء المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا عام 2023.

النساء والأطفال في ملف التعذيبتُظهر الأرقام والشهادات أن النساء والأطفال لم يكونوا خارج دائرة الاعتقال والتعذيب والاختفاء.

فقد وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أن النساء والأطفال تعرضوا لأشكال متعددة من التعذيب والعنف الجنسي والاختفاء القسري داخل منظومة الاحتجاز خلال سنوات النزاع.

وتطرح هذه الانتهاكات أبعاداً إضافية للجريمة، لأن آثارها لا تتوقف عند حدود الضحية المباشرة، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع.

فالنساء الناجيات يواجهن أحياناً عبئاً مضاعفاً: ألم التجربة نفسها، ثم الخوف من الوصمة الاجتماعية أو سوء الفهم أو تحميل الضحية مسؤولية ما وقع عليها.

أما الأطفال، سواء كانوا ضحايا مباشرين أو أبناء لمعتقلين ومختفين، فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة خوف مبكر من العالم.

بعضهم كبر من دون أب أو أم، وبعضهم عاش سنوات الانتظار مع عائلة تبحث عن خبر، وبعضهم حمل ذاكرة عنف أكبر من عمره.

وتوضح إحصاءات موثقة نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية سورية ودولية أن 225 طفلاً و117 امرأة قضوا تحت التعذيب منذ عام 2011.

كما لا يزال نحو 3700 طفل في عداد المختفين قسرياً، إلى جانب 11 ألفاً و268 امرأة معتقلة أو مختفية قسرياً.

كذلك وثقت الجهات الحقوقية 11 ألفاً و553 حالة عنف جنسي ضد الإناث داخل مراكز الاحتجاز خلال سنوات النزاع.

لم يبقَ ملف التعذيب السوري حبيس التقارير الحقوقية.

فقد وصل إلى ساحات قضائية دولية ووطنية في عدد من الدول، لا سيما عبر مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي أتاح ملاحقة متهمين بارتكاب جرائم جسيمة خارج سوريا.

وشكّلت محاكمة الضابط السابق أنور رسلان في ألمانيا محطة بارزة في هذا المسار، إذ انتهت بإدانته والحكم عليه بالسجن المؤبد لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.

ولم تحقق هذه المحاكمة العدالة لكل الضحايا، لكنها فتحت باباً مهماً أمام استخدام الشهادات والوثائق والأدلة في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات.

وأسهمت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا (IIIM)، التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2016، في جمع وتحليل وحفظ الأدلة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، دعماً للمحاسبة أمام المحاكم الوطنية والدولية.

وتتواصل المسارات القضائية المرتبطة بملف التعذيب على أكثر من مستوى، من بينها الدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية من قبل هولندا وكندا ضد سوريا بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، إلى جانب ملاحقات قضائية تجري في عدد من الدول الأوروبية استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.

كما تحضر جهود أممية ودولية تتعلق بالمفقودين وتوثيق الجرائم، إلى جانب مطالب سورية مستمرة بإنشاء مسارات عدالة انتقالية تضع الضحايا في مركز العملية، لا في هامشها.

فالعدالة لا تعني العقاب وحده، بل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

العدالة الانتقالية.

امتحان الضحايا أولاًفي البلدان الخارجة من العنف، لا تكون العدالة الانتقالية مجرد شعار سياسي، بل امتحاناً لطريقة تعامل الدولة والمجتمع مع الماضي.

وفي سوريا، يزداد هذا الامتحان تعقيداً بسبب حجم الانتهاكات، وتعدد الضحايا، واتساع ملف المفقودين، وضعف الثقة بالمؤسسات.

أي مسار جاد للعدالة يجب أن يبدأ من الضحايا وعائلاتهم: حقهم في معرفة الحقيقة، وحقهم في الاعتراف، وحقهم في الوصول إلى ملفات أبنائهم، وحقهم في التعويض والرعاية، وحقهم في أن تُروى قصصهم من دون استغلال أو إنكار.

ولا يمكن اختزال العدالة في محاكمات رمزية، مهما كانت أهميتها.

فالمطلوب أيضاً بناء سجل وطني موثوق للضحايا والمختفين، وحفظ الأدلة، وحماية الشهود، ودعم العائلات، وتفكيك البنى التي سمحت للتعذيب بأن يصبح سياسة.

وعلى الصعيد السوري، أُنشئت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم رقم 20 لعام 2025، وتتمثل مهمتها في كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا، وحفظ الذاكرة الوطنية بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

لا يطالب ضحايا التعذيب وعائلاتهم بالذاكرة من أجل البقاء في الماضي، بل من أجل منع تكراره.

فالنسيان، في مثل هذه الجرائم، لا يكون حياداً، بل قد يتحول إلى شكل من أشكال الإفلات من العقاب.

إن حفظ ذاكرة التعذيب في سوريا لا يعني تحويل الألم إلى خطاب دائم من الانتقام، بل تثبيت حق الضحايا في الحقيقة والكرامة والإنصاف.

فكل اسم يُوثق، وكل شهادة تُحفظ، وكل عائلة تعرف مصير ابنها، وكل مسؤول يُحاسب وفق القانون، هي خطوة في طريق طويل نحو عدالة لا تزال بعيدة لكنها ضرورية.

في اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، تقف سوريا أمام ملف لا يمكن طيه ببيان أو مناسبة أو تقرير.

إنه ملف يتعلق بمعنى الدولة، وبحدود السلطة، وبحق الإنسان في ألا يتحول جسده إلى أداة عقاب، ولا ذاكرته إلى سجن مفتوح.

وبين صور لم تُمحَ، وأسماء لم تُعرف، وناجين يحاولون استعادة حياتهم، تبقى العدالة هي الطريق الوحيد كي لا تتحول الذاكرة إلى عبء أبدي، وكي لا يبقى التعذيب جرحاً مفتوحاً في جسد السوريين ووعيهم.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك