تحوّلت المفرقعات والشّهب النارية في المغرب إلى مصدر حقيقي للحوادث والمآسي، خصوصاً أنّ استعمالها يتكثف بمناسبة ذكرى عاشوراء أو ما يُعرف بـ" يوم زمزم" في البلاد، وما تحصده من إصاباتٍ ووفيات تثير التساؤل حول مدى تطبيق القانون لردع المخالفين.
عادت ظاهرة المفرقعات والشّهب النارية لتُلقي بظلالها على شوارع المغرب، وسط تحذيرات متزايدة من مخاطر هذه المواد على السلامة العامة، خصوصاً في صفوف الأطفال والمراهقين الذين يُقبلون على استعمالها بشكل مكثف بمناسبة الاحتفال بذكرى عاشوراء أو ما يُعرف بـ" يوم زمزم" في المغرب، والذي يُحتفل به كلّ عام في العاشر من شهر محرم في التقويم الهجري.
وعلى الرغم من تسبّبها في سقوط ضحايا كل عام، ومنع استعمالها بمقتضى القانون، تحوّلت المفرقعات والشّهب النارية أخيراً إلى مصدر حقيقي للحوادث والمآسي، كما كانت الحال بالنسبة للطفل نور الدين (12 عاماً) الذي تعرّض لإصابةٍ خطيرة بمدينة المحمدية غربي البلاد، إثر انفجار مفرقعات نارية بالقرب منه، ما سبَّب تضرّر عينه اليُمنى بشكل كامل، في حين يتمسك الأطباء بخيط أمل رفيع لإنقاذ العين اليُسرى من خلال تدخل جراحي دقيق.
ويعيد الحادث المؤلم إلى الأذهان ما يعيشه المغاربة كل عام بمناسبة ذكرى عاشوراء، من تحوّل أحياء كثيرة إلى ما يشبه ساحات معارك بين الأطفال، بسبب المفرقعات والشّهب الاصطناعية التي تُطلق منذ بداية شهر محرم، وتتكثف مع اقتراب ليلة العاشر منه، حيث تبلغ ذروتها.
وخلال الأعوام الأخيرة، عرف المغرب حوادث خطيرة ومميتة من جراء المفرقعات، إذ توفي في 17 يوليو/تموز 2022 طفل لم يتجاوز عمره 13 عاماً في مدينة المحمدية، إثر إصابته بشهب اصطناعي.
كما أودت مفرقعات عاشوراء بحياة شاب في مدينة الدار البيضاء في العام 2018، بعد إصابته بشظية في عنقه.
واعتاد الأطفال المغاربة على اقتناء ما يسمّونه" قنبول" (المفرقعات) خلال الأيام التي تسبق الاحتفال بعاشوراء، فيتراشقون بها، أو يرمونها على المارّة أحياناً، لإثارة ردات أفعالهم، علماً أنّها تُحدث ضوضاء وتثير قلق المرضى، وقد تؤدّي إلى إصابات وإعاقات جسدية ووفيات، بالإضافة إلى ما تسبّبه من اندلاع حرائق في المنازل والمحال التجارية والسيارات، وخسائر مادية.
وخلال الأيام الأخيرة، عمد الأمن المغربي إلى اعتقال عدد من الأشخاص في مدنٍ عدّة، في خطوة استباقية للحدّ من انتشار المفرقعات والشّهب النارية، تزامناً مع اقتراب احتفالات ذكرى عاشوراء.
فيما أسفرت العمليات الميدانية عن حجز كميات مهمة من المفرقعات، في وقتٍ تشير فيه المعطيات إلى أنّ حجم المضبوطات على المستوى الوطني قد يصل إلى مئات الآلاف سنوياً، بفعل تنامي الطلب وتعدّد قنوات الترويج داخل الأسواق العشوائية وبعض الأحياء الشعبية.
وعلى الرغم من تجريم ترويج المواد المتفجرة، تجد طريقها إلى أيدي عدد من الأطفال والمراهقين، على الرغم من مخاطرها، ما يثير أسئلة حول مدى تطبيق القانون رقم 22.
16 المتعلق بتنظيم المواد المتفجرة ذات الاستعمال المدني والشّهب الاصطناعية الترفيهية والمعدات التي تحتوي على مواد نارية بيروتقنية، الصادر في يونيو عام 2018، لردع المخالفين والحدّ من التجاوزات.
وتنصّ المادة 54 من القانون على أنّه يُعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وبغرامة مالية تُراوح بين 50 ألف درهم (نحو 5 آلاف دولار أميركي) و500 ألف درهم (نحو 50 ألف دولار) أو بإحدى العقوبتين، كلّ مَن يحوز من دون مبرّر قانوني موادَّ أوليةً أو موادَّ متفجرة أو شهباً اصطناعية ترفيهية أو معدات تحتوي على مواد نارية بيروتقنية، أو يقوم بإدخالها بطريقة غير قانونية إلى التراب الوطني.
كما يحظر القانون صنع واستيراد وتخزين المتفجرات والشّهب الاصطناعية الاحتفالية من دون ترخيص.
وينصّ على غرامة تُراوح بين 10 آلاف درهم (نحو ألف دولار) و20 ألف درهم (نحو ألفَي دولار) بحقّ كلّ من يستغلّ مصنعاً أو مستودعاً لا يحكم إدارة سجلاته وتصاميمه بشكل منتظم، أو يمتنع عن تقديمها لأعوان الإدارة أو لا يُوافي الإدارة بالمعلومات المطلوبة، بالإضافة إلى كلّ مَن استورد الشّهب الاصطناعية الترفيهية من الفئة الأولى أو صنّعها، أو خزّنها أو تاجر بها أو وزّعها، وكلّ مَن عرقل المراقبة التي تقوم بها الإدارة.
ويقول رئيس الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، عبد الواحد الزيات، لـ" العربي الجديد"، إنّ عودة المفرقعات إلى شوارع وأزقة المدن المغربية، خلق حالة من القلق والانزعاج والخوف على سلامة الأشخاص والممتلكات، موضحاً أنّ تلك المواد تشكّل تهديداً حقيقيّاً لسلامة مُستخدميها، ولا سيّما الأطفال الذين يمثّلون الفئة الأكثر استهدافاً واستهلاكاً لها.
ويرى الناشط المدني أنّ انتشار المفرقعات في شوارع المغرب احتفالاً بذكرى عاشوراء يُخلّف مآسيَ أسرية، ويكبّد المنظومة الصحية وصناديق الضمان الاجتماعي تكاليف مادية، فضلاً عن تداعياتٍ نفسية.
ويتابع: " يجب أن ينتهي هذا الواقع الذي نعيشه كلّ عام.
وأعتقد أنّنا أمام ممارسات خاطئة تحتاج إلى التصحيح، وإلى جهودٍ يتعيّن بذلها على مستوى الإعلام والتوعية في المدارس بشأن مخاطر تلك المواد، فضلاً عن ترتيب جزاءات وعقوبات صارمة بحقّ مُمتهنِي تهريب المفرقعات، وتشديد المراقبة من قبل الجمارك المغربية على المنتجات المستوردة، خصوصاً من الصين".
ويشدّد الزيات على ضرورة توعية الأسر لأبنائها، وتحمّل المؤسسة التشريعية ووزارة الصناعة والتجارة مسؤوليتهما تجاه ما يقع من مآسٍ ناجمة عن استعمال المفرقعات، من دون نسيان دور وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في التوعية، مؤكّداً ضرورة الحزم إزاء هذه الممارسات التي تُخلّف عاهاتٍ دائمة ومُكلفة على المستويين النفسي والاجتماعي.
يُشار إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر مُحَرّم في التقويم الهجري، ويُسمَّى عند المسلمين بيوم عاشوراء، وهو اليوم الذي نجّى الله فيه النبي موسى من فرعون، ويصادف اليوم الذي قُتِل فيه الحسين بن علي، حفيد النبي محمد في معركة كربلاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك