العربية نت - تقرير للأمم المتحدة يحذر من طفرة في تجارة المخدرات القدس العربي - من الركام إلى القرّاء.. بائع الكتب ينتشل المعرفة وينشرها في غزة التلفزيون العربي - مباريات اليوم في كأس العالم 2026.. مصر لحسم العبور والسعودية تتمسك بالأمل Tottenham Hotspur - توتنهام هوتسبير - Martin Dubravka's first interview as a Spurs player 💬 العربي الجديد - تونس: الحكم على سهام بن سدرين بالسجن 25 عاماً القدس العربي - روسيا تتعرض لواحدة من أكبر الهجمات بالمسيرات على أراضيها والقرم بعد إسقاط 660 مسيرة CNN بالعربية - طائرة ضخمة تحلق على ارتفاع أقدام قليلة فوق سطح الأرض.. وإدارة الطيران الفيدرالية تحقق سكاي نيوز عربية - البديوي: مجلس التعاون يرفض فرض رسوم في مضيق هرمز العربية نت - انتبه .. 5 مشكلات في شاشة هاتفك لا يجب تجاهلها قناة الجزيرة مباشر - How Did Israel Expand Its Occupation of Lebanese Territory?
عامة

بورسعيد.. عندما يصبح التراث قضية أمن قومي

مبتدا
مبتدا منذ 1 ساعة
1

فمنصات التواصل الاجتماعي امتلأت بالصور والآراء، والمقاهي والمنتديات شهدت نقاشات لا تنتهي، وانقسم الناس بين من يرى أن الحفاظ على التراث هو حفاظ على تاريخ المدينة وروحها، وبين من يؤكد أن التنمية لا ينبغ...

فمنصات التواصل الاجتماعي امتلأت بالصور والآراء، والمقاهي والمنتديات شهدت نقاشات لا تنتهي، وانقسم الناس بين من يرى أن الحفاظ على التراث هو حفاظ على تاريخ المدينة وروحها، وبين من يؤكد أن التنمية لا ينبغي أن تتعطل بسبب مبانٍ شُيدت منذ عشرات السنين.

وللوهلة الأولى، قد يبدو أن المجتمع منقسم إلى فريقين متعارضين، لكن الحقيقة تختلف كثيرًا عن هذا التصور، فمعظم أبناء بورسعيد، بل ومعظم المصريين، لا يختلفون حول الهدف، وإنما يختلفون حول الوسيلة، فلا أحد يرفض التنمية، ولا أحد يقبل ضياع تاريخ مدينته، الجميع يريد مدينة حديثة ومتطورة، وفي الوقت نفسه يريد أن تظل محتفظة بملامحها التي تميزها عن غيرها.

غير أن هذا الجدل، على أهميته، جعلنا ننشغل بسؤال صغير، ونغفل سؤالًا أكبر وأكثر خطورة: لماذا أصبحت قضية التراث والهوية مطروحة بقوة في هذا التوقيت تحديدًا؟ ولماذا تحولت المباني القديمة فجأة إلى قضية رأي عام؟ وهل الأمر مجرد خلاف عمراني، أم أن هناك أبعادًا أعمق تتعلق بالهوية والانتماء والوعي الوطني؟هذه الأسئلة تستحق أن نتوقف أمامها، لأن ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بمبنى قديم أو شارع تاريخي، وإنما يتعلق بطريقة نظرنا إلى أنفسنا، وإلى تاريخنا، وإلى المستقبل الذي نريد أن نصنعه لأبنائنا.

التنمية والهوية.

ليسا طرفين متعارضينمن الأخطاء التي يقع فيها كثيرون أننا نصور القضية وكأنها معركة بين التنمية والتراث، بينما الحقيقة أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تنجح إذا قامت على محو الذاكرة، كما أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميد المدن أو منعها من التطور.

فالمدن الكبرى في العالم لم تحقق مكانتها؛ لأنها هدمت تاريخها، وإنما لأنها أحسنت استثماره، فباريس، وروما، وإسطنبول، وبرشلونة، وغيرها من المدن العالمية، لم تنظر إلى مبانيها التاريخية باعتبارها عبئًا يعيق التنمية، وإنما اعتبرتها مصدرًا للقوة الاقتصادية والسياحية والثقافية.

ومن هنا، فإن القضية ليست اختيارًا بين الماضي والمستقبل، وإنما البحث عن الطريقة التي تجعل الماضي جزءًا من صناعة المستقبل.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه بورسعيد اليوم.

قد يتساءل البعض: لماذا يثار هذا الجدل الآن تحديدًا؟الإجابة لا ترتبط فقط بوجود مشروعات تطوير أو خطط عمرانية، وإنما ترتبط أيضًا بتحولات أكبر يشهدها العالم كله.

فنحن نعيش في عصر لم تعد فيه الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات فقط، بل أصبحت تُخاض بالأفكار، والصور، والمعلومات، والشائعات، ومحاولات إعادة تشكيل الوعي الجمعي للشعوب.

لقد تغيرت طبيعة الصراعات الدولية، فبعد أن كان الهدف في الماضي هو احتلال الأرض، أصبح الهدف في كثير من الأحيان هو احتلال العقول.

فإذا فقد المجتمع ثقته في تاريخه، وانقطعت صلته بتراثه، وضعف انتماؤه لهويته، يصبح أكثر قابلية للتأثر بالأفكار الوافدة، وأكثر استعدادًا لتقبل أي رواية بديلة عن تاريخه وحضارته.

ولهذا لم تعد الهوية قضية ثقافية فقط، بل أصبحت قضية أمن قومي.

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل انتقلت إلى ساحات أكثر تعقيدًا، تستهدف العقول قبل الحدود، والذاكرة قبل الجغرافيا.

فما يُعرف بحروب الجيل الرابع والخامس يعتمد على إضعاف الدول من الداخل، ليس بإسقاط مؤسساتها فقط، وإنما بإضعاف ثقة المواطنين في تاريخهم، وتشويه رموزهم، وإثارة الجدل المستمر حول ثوابتهم، حتى يتحول المجتمع إلى مجموعات متصارعة، ينشغل بعضها ببعض أكثر من انشغالها ببناء المستقبل.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تخسر مبنى تاريخيًا، وإنما أن تخسر الرابط الذي يجمع أبناءها حول ذاكرة مشتركة وهوية واحدة.

فالهوية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما هي الإحساس العميق بالانتماء، وهي الشعور بأن هذا الوطن له تاريخ نفخر به، وحاضر نشارك في بنائه، ومستقبل نتحمل جميعًا مسؤوليته.

ومن هنا، يصبح الحفاظ على التراث جزءًا من الحفاظ على هذا الانتماء.

ليست مصر دولة حديثة تبحث عن جذورها، بل هي واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية التي صنعت التاريخ وأسهمت في تشكيل الحضارة البشرية، ولهذا، فإن استهداف الهوية المصرية لم يبدأ اليوم، ولن ينتهي غدًا.

فمن وقت إلى آخر تظهر محاولات للتشكيك في التاريخ المصري، أو التقليل من قيمة الحضارة المصرية القديمة، أو تشويه اللغة والثقافة والفنون، أو التقليل من أهمية التراث العمراني الذي يمثل شاهدًا حيًا على تاريخ الدولة المصرية.

ولا تقتصر هذه المحاولات على الكتب أو الدراسات، بل تمتد إلى الفضاء الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمحتوى الرقمي الذي يصل إلى ملايين الشباب يوميًا.

ولهذا أصبحت مسؤولية الحفاظ على الهوية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل أصبحت مسؤولية المجتمع كله.

إذا كانت مصر تمتلك هوية حضارية فريدة، فإن بورسعيد تمثل إحدى الصفحات الأكثر تميزًا في هذه الهوية.

فهذه المدينة لم تنشأ مثل غيرها من المدن، وإنما ولدت مع واحد من أعظم المشروعات في التاريخ الحديث، وهو قناة السويس، لتصبح منذ لحظة ميلادها نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وبين البحرين، وبين ثقافات متعددة استطاعت أن تتعايش داخل مدينة واحدة دون أن تفقد روحها المصرية.

ولهذا اكتسبت بورسعيد، شخصية خاصة لا تشبه أي مدينة أخرى، فهي مدينة عالمية لكنها مصرية حتى النخاع، وهي مدينة انفتحت على العالم، لكنها لم تتخلَّ يومًا عن انتمائها الوطني.

كما أنها مدينة ارتبط اسمها بالمقاومة والصمود، بعدما سطر أبناؤها ملحمة وطنية خالدة خلال العدوان الثلاثي عام 1956، لتصبح بورسعيد رمزًا للعزة الوطنية، وليس مجرد مدينة ساحلية جميلة.

ولعل هذه المكانة هي التي دفعت الكاتب الإنجليزي روديارد كبلينغ إلى أن يقول: " إذا أردت أن تلتقي بشخص تعرفه ولم تحدد معه موعدًا، فاذهب إلى ميناء لندن أو ميناء بورسعيد".

ولم تكن هذه العبارة مجرد وصف أدبي، بل شهادة على المكانة العالمية التي احتلتها المدينة لعقود طويلة.

حين يتحدث البعض عن التراث، يظن آخرون أن المقصود مجرد مبانٍ قديمة فقدت صلاحيتها أو شوارع تجاوزها الزمن، لكن الحقيقة أن التراث أكبر من ذلك بكثير، فالتراث هو ذاكرة مدينة، وسجل شعب، وقصة وطن.

إن كل شرفة خشبية في بورسعيد، وكل مبنى بطرازه الأوروبي المميز، وكل شارع شهد مرور أجيال متعاقبة، ليس مجرد بناء من الطوب والحجر، بل صفحة من كتاب تاريخ المدينة، وعندما نفقد هذه الصفحات، فإننا نفقد جزءًا من روايتنا الوطنية، ونترك للأجيال القادمة ذاكرة ناقصة لا تعكس حقيقة ما كانت عليه بورسعيد.

والتراث لا يقتصر على المباني وحدها، بل يشمل الأغاني الشعبية، واللهجة البورسعيدية، والحرف التقليدية، والمقاهي القديمة، والأسواق، والقصص التي تناقلها الناس، والروح التي ميزت أهل المدينة عبر عقود طويلة، فهذه العناصر مجتمعة هي التي صنعت الشخصية البورسعيدية، ومنحت المدينة مكانتها الخاصة بين المدن المصرية.

ولهذا، فإن حماية التراث لا تعني حماية مبنى، وإنما حماية هوية.

قد يبدو اختلاف الآراء حول مستقبل المباني التراثية أمرًا مقلقًا، لكنه في الحقيقة يمكن أن يكون علامة صحية إذا أُحسن التعامل معه.

فالمدن الحية هي التي يناقش أهلها مستقبلها، ويهتمون بتاريخها، ويحرصون على المشاركة في رسم ملامح الغد، أما الخطر الحقيقي، فهو أن يتحول هذا الحوار إلى حالة من الاستقطاب، ينظر فيها كل طرف إلى الآخر باعتباره خصمًا، بينما الهدف في النهاية واحد.

ليس من الحكمة أن نصنف المجتمع إلى فريق يؤيد التنمية وفريق يدافع عن التراث، لأن هذا التصنيف غير دقيق، فمعظم أبناء بورسعيد يريدون مدينة حديثة، كما يريدون في الوقت نفسه أن تبقى مدينتهم محتفظة بخصوصيتها التي جعلتها مختلفة عن غيرها.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس انتصار رأي على آخر، وإنما بناء رؤية مشتركة، تقوم على الحوار العلمي، والاستماع إلى المتخصصين في التخطيط العمراني والترميم والآثار، إلى جانب إشراك أبناء المدينة أنفسهم في مناقشة مستقبل تراثهم.

فالتراث لا يخص الحكومة وحدها، كما لا يخص الخبراء وحدهم، بل هو ملك لكل مواطن يشعر بأن هذه المدينة جزء من تاريخه وهويته.

عندما تصبح الثقافة استثمارًاكثيرون ينظرون إلى الحفاظ على التراث باعتباره عبئًا ماليًا، بينما تثبت التجارب العالمية أن التراث يمكن أن يكون أحد أهم مصادر الدخل والتنمية.

فالمدن التي نجحت في الحفاظ على طابعها التاريخي أصبحت مقاصد سياحية عالمية، وجذبت الاستثمارات، وخلقت فرص عمل، وحولت مبانيها القديمة إلى متاحف، ومراكز ثقافية، وفنادق تراثية، ومكتبات، ومقاهٍ تحمل روح المكان.

ولم يتحقق ذلك لأنها رفضت التطوير، بل لأنها اختارت تطويرًا يحترم التاريخ.

وبورسعيد تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون نموذجًا مصريًا وعربيًا في هذا المجال.

فهي تجمع بين الموقع الجغرافي الفريد، والتاريخ الوطني، والتراث المعماري، والذاكرة الشعبية، وهو مزيج لا يتوافر في كثير من المدن.

ولهذا، فإن الاستثمار في التراث ليس إنفاقًا على الماضي، بل استثمار في المستقبل.

لقد أولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بالحفاظ على التراث العمراني، وأصدرت تشريعات تنظم حماية المباني ذات القيمة التاريخية والمعمارية، وهو أمر بالغ الأهمية.

لكن التجربة تؤكد أن التشريع، مهما بلغت أهميته، لا يحقق أهدافه إذا لم يصاحبه تنفيذ فعال، ورقابة مستمرة، ووعي مجتمعي.

فالقانون يستطيع أن يمنع الهدم، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق إحساسًا بالانتماء.

والتشريع قد يحمي مبنى، لكنه لا يستطيع أن يجعل المواطنين يدركون قيمته إذا غاب الوعي.

ولهذا، فإن الحفاظ على التراث يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ من المدرسة والجامعة، وتمر بالإعلام، وتنتهي بالمجتمع المدني، حتى يصبح الدفاع عن التراث سلوكًا يوميًا، وليس مجرد رد فعل عند وقوع أزمة.

التكنولوجيا.

حليف جديد للتراثوفي عصر الثورة الرقمية، لم تعد حماية التراث تقتصر على أعمال الترميم التقليدية.

فاليوم يمكن توثيق المباني التاريخية بتقنيات المسح ثلاثي الأبعاد، وإنشاء أرشيف رقمي يحفظ تفاصيلها للأجيال القادمة، وإنتاج أفلام وثائقية ومحتوى تفاعلي يعرف الشباب بتاريخ مدينتهم، بل وإطلاق تطبيقات إلكترونية تقدم جولات افتراضية داخل المناطق التراثية.

إن التكنولوجيا لم تعد خصمًا للتراث، بل أصبحت واحدة من أهم أدوات حمايته ونشره وتعريف العالم به.

وبالنسبة لبورسعيد، فإن توظيف هذه الأدوات يمكن أن يعيد تقديم المدينة للأجيال الجديدة، ليس باعتبارها مدينة من الماضي، بل مدينة تمتلك تاريخًا عريقًا وتستخدم أحدث وسائل العصر للحفاظ عليه.

بورسعيد.

مدينة الثقافة المستدامةإن الحديث عن التنمية المستدامة لا يقتصر على الاقتصاد أو البيئة فقط، بل يشمل أيضًا الثقافة.

فالمدينة التي تفقد هويتها الثقافية تفقد جزءًا من قدرتها على المنافسة، مهما بلغت قوة اقتصادها.

ومن هنا، فإن تحويل بورسعيد إلى مدينة للثقافة المستدامة ينبغي أن يكون مشروعًا استراتيجيًا، تتكامل فيه جهود الدولة والجامعة والمثقفين والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

فالثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل هي قوة ناعمة، ومورد اقتصادي، وأداة لتعزيز الانتماء، وجسر يربط الماضي بالمستقبل.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول التي حافظت على هويتها استطاعت أن تتجاوز أصعب الأزمات، بينما دفعت دول أخرى ثمنًا باهظًا عندما سمحت بقطع الصلة بين الأجيال وتاريخها.

ولهذا، فإن حماية الهوية ليست ترفًا ثقافيًا، ولا حنينًا إلى الماضي، وإنما ضرورة وطنية.

وفي حالة بورسعيد، فإن حماية التراث تمثل حماية لجزء أصيل من الهوية المصرية، لأن المدينة لم تكن يومًا مجرد ميناء أو محافظة، بل كانت دائمًا عنوانًا للصمود، وبوابةً لمصر على العالم، وواحدة من أهم روافد قوتها الناعمة.

نحو سردية وطنية للهوية البورسعيديةإن الحفاظ على الهوية البورسعيدية ليس مسؤولية جهة بعينها، بل هو مشروع مجتمعي متكامل تشارك فيه الدولة والمؤسسات الأكاديمية والثقافية والمجتمع المواطنون أنفسهم.

فكل مبنى تراثي يتم إنقاذه، وكل قصة وطنية يتم توثيقها، وكل قيمة أصيلة يتم غرسها في نفوس الأجيال الجديدة، تمثل خطوة جديدة نحو استدامة الهوية وحماية الذاكرة وصناعة المستقبل.

وإذا كانت الأمم تُقاس بقدرتها على بناء المستقبل، فإنها تُقاس أيضًا بقدرتها على صون ذاكرتها، وفي حالة بورسعيد، فإن الحفاظ على التراث ليس مجرد وفاء للماضي، بل يمثل: خط دفاع أول عن الهوية الوطنية المصرية، وأداة لمواجهة حروب الوعي، واستثمارًا استراتيجيًا في المستقبل، وضمانة حقيقية لاستمرار الشخصية البورسعيدية المتفردة للأجيال القادمة.

ويبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: أي بورسعيد نريد أن نورثها لأبنائنا؟هل نريد مدينة حديثة، لكنها بلا ذاكرة؟ أم مدينة تحفظ تاريخها، وتستثمره، وتبني عليه مستقبلها؟إن الحكمة تقتضي ألا نختار بين الأمرين، لأن التنمية الحقيقية لا تُبنى على أنقاض الهوية، كما أن الهوية لا يمكن أن تبقى حية إذا تحولت إلى متحف مغلق يرفض التطور.

إن المعادلة الصحيحة هي أن نجعل من التراث شريكًا في التنمية، لا ضحية لها، وأن نجعل من التطوير وسيلة لإحياء الذاكرة، لا لمحوها.

فالأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور ومبانٍ حديثة، بل تُقاس أيضًا بقدرتها على الحفاظ على ذاكرتها، واحترام تاريخها، وغرس الانتماء في نفوس أبنائها.

فالمدن لا تموت عندما تُهدم بعض مبانيها، وإنما تموت عندما ينسى أبناؤها قصتها، ويتخلون عن هويتها، ويختلفون على ذاكرتها أكثر مما يتفقون على مستقبلها.

ولذلك، فإن بورسعيد، بتاريخها العريق، وتراثها الفريد، ووعي أبنائها، قادرة على أن تقدم نموذجًا مصريًا رائدًا يؤكد أن التنمية وصون التراث ليسا طريقين متعارضين، بل طريق واحد يقود إلى مستقبل أكثر رسوخًا، وأكثر ازدهارًا، وأكثر وفاءً للهوية الوطنية المصرية، بل وأكثر ترسيخًا لثراء الشخصية المصرية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك