وأوضحت د.
ياسمين أن التربة كانت تقتل الشتلات قبل أن تحصل حتى على فرصة للنمو.
كانت شديدة الملوحة، متماسكة أكثر مما ينبغي، وفاقدة للتوازن اللازم لاحتضان جذور صغيرة، و عمل فريق مؤسسة LEAF (مؤسسة العمل البيئي الصغير) ونساء منظمة «أصدقاء الطبيعة المجتمعية» على معالجة التربة، وزراعة الشتلات، ثم شاهدوا الكثير منها يموت.
فعادوا لمعالجة الأرض من جديد، وزرعوا من جديد.
وكلما ماتت شتلة استبدلوها بأخرى، وهي ممارسة يطلقون عليها اسم" التعويض".
قد لا تجد هذا المصطلح في أي دليل إرشادي، لكنه يلخص سنوات من التجربة والخطأ في كلمتين فقط.
وقد نجحت هذه الجهود؛ إذ بلغت نسبة بقاء الشتلات اليوم 80% ضمن مشروع يهدف إلى زراعة 100 ألف شتلة على امتداد نحو 100 هكتار من ساحل كيليفي.
وأشارت الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، إلى أن مؤسسة LEAF تساعد منظمة «أصدقاء الطبيعة» في إدارة مشتل للأشجار، كما تشتري منها الشتلات لإعادة زراعتها ضمن المشروع، بدلاً من اعتبار الجهد المجتمعي عملاً تطوعياً.
وهكذا تحصل النساء على دخل من زراعة الأشجار بدلاً من قطعها، مما يزيل الدافع للعودة إلى الغابات المتبقية واستنزافها.
فالحفاظ على الطبيعة عندما يحقق دخلاً غالباً ما يستمر لفترة أطول من دورة التمويل أو دورة الأخبار.
وهذا، ببساطة، هو معنى الاحترام: ليس الامتنان للعمل المجاني، بل الدفع مقابل العمل الماهر.
و «أصدقاء الطبيعة» هى مجموعة تقودها النساء.
وعندما سألت د.
ياسمين عضواتها عن شعورهن تجاه إيصال هذه التجربة إلى العالم، أجابت جميعهن في وقت واحد: " المرأة الأفريقية قوية".
وبعد سنوات من الزراعة في أرض لم تكن تعطي شيئاً في المقابل، بدا هذا التصريح وكأنه وصف للواقع أكثر منه شعاراً.
و أردفت د.
ياسمين فؤاد، أنه عندما تقف على هذه الأرض المستعادة، تدرك لماذا لا يمكن فصل الأرض عن المياه في هذا المكان.
ففي التربة المشبعة بالمياه تحت جذور المانجروف، يمكن للهكتار الواحد أن يخزن أكثر من ألف طن من الكربون، أي ما يقارب أربعة أضعاف ما تخزنه الغابات البرية.
وفوق سطح الأرض، تستطيع هذه الأشجار أن تخفض ارتفاع الأمواج بنسبة تتجاوز 66%، بينما تحمي غابات المانغروف حول العالم نحو 15 مليون شخص من الفيضانات سنوياً وتمنع خسائر تتجاوز 65 مليار دولار، كما تمنع تسرب مياه البحر المالحة إلى مصادر المياه العذبة الجوفية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية للشرب، وهو دور تزداد أهميته مع كل سنتيمتر إضافي من ارتفاع مستوى سطح البحر.
وتحت سطح الماء، تشكل جذور المانغروف حضانة طبيعية للأسماك يعتمد عليها ما يقدر بنحو 4.
1 مليون صياد في كسب رزقهم.
فعندما تتعافى الأرض، تستقر السواحل، وتتحسن المياه الجوفية، وتتعافى المصايد، ويصبح المناخ أكثر قدرة على الصمود.
ولفتت إلى أن هذا يعنى القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف.
فكثيراً ما يُنظر إلى الجفاف على أنه أزمة تبدأ عندما تجف الأنهار أو تفشل المحاصيل.
لكن الجفاف يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تفقد الأراضي المتدهورة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه.
إن استعادة النظم البيئية، مثل غابات المانغروف، تساعد الأراضي على الاحتفاظ بالرطوبة، وإعادة تغذية المياه الجوفية، وحماية المجتمعات من ضغوط المياه المتزايدة.
فالأراضي السليمة هي أحد أكثر أشكال الاستعداد للجفاف فعالية التي نملكها اليوم.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف غابات المانجروف في العالم قد تكون معرضة للانهيار بحلول عام 2050، وأن واحدة من كل خمس غابات منها مهددة بالفعل.
كما فقد العالم أكثر من 5,200 كيلومتر مربع من هذه الغابات بين عامي 1996 و2020، بسبب التوسع في الاستزراع المائي والزراعة والبناء الساحلي.
وفي الوقت نفسه، تعاني ما يصل إلى نصف المراعي في العالم من التدهور.
قد تختلف طبيعة الأراضي، لكن المعادلة واحدة.
و ترى الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، أن كيليفي لا تستطيع وحدها عكس هذا الاتجاه العالمي، لكنها تثبت أن الخسارة يمكن أن تتحول إلى تعافٍ خلال سنوات، وليس أجيالاً، إذا تم العمل على إصلاح التربة، وإذا حصل الأشخاص الذين يقومون بهذا العمل على مقابل عادل لجهودهم، كما أن الاستعادة تتعلق أيضاً بالغذاء، فعندما تتعافى الأراضي، تتعافى معها النظم الغذائية.
تعود الثروة السمكية، وتصبح التربة أكثر إنتاجية، وتتوافر المياه بشكل أكبر، وتصبح المجتمعات أقل عرضة للصدمات.
سواء على السواحل أو في المراعي أو في الأراضي الزراعية، فإن استعادة الأراضي تعزز الأنظمة التي تغذي الناس وتدعم الاقتصادات المحلية، ومنوهة على أنها قامت بهذه الزيارة عشية الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، وعلى مقربة من مدرسة فيبينغو الابتدائية المركزية، حيث ألقى نائب رئيس جمهورية كينيا الكلمة الرئيسية في الاحتفال يوم 17 يونيو، وخاطبت الحضور إلى جانب إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.
و قالت د.
فؤاد إنه في أغسطس المقبل، ستنتقل هذه الرسالة إلى مؤتمر الأطراف السابع عشر (COP17) في أولان باتور، حيث ستكون المياه أحد المحاور الرئيسية للمؤتمر إلى جانب المراعي.
فهذا النوع من المشاريع هو بالضبط ما ينبغي لمؤتمر معني باستعادة الأراضي أن يسلط الضوء عليه: مجتمع نجح في جعل الاستعادة مجدية اقتصادياً، وانتهى به الأمر إلى أرض تحتفظ بالمياه، وتحافظ على الثروة السمكية، وتصمد أمام العواصف، مشيرة إلى أنها عندما وقفت في كيليفي، تذكرت أن المستفيدين الحقيقيين من استعادة الأراضي ليسوا فقط المجتمعات الحالية، بل أيضاً الأطفال الذين سيرثون هذه المناظر الطبيعية في المستقبل.
فحول العالم، يتعرض أكثر من مليار طفل بالفعل لمخاطر مناخية متعددة.
وسيعتمد مستقبلهم، إلى حد كبير، على قدرتنا على استعادة الأراضي والمياه والنظم البيئية التي توفر الحياة والفرص للأجيال القادمة.
واختتمت كلامها قائلة" لنتعرّف على الأرض.
ولنحترم الأشخاص الذين يرعونها.
ولنستعد ما فقدناه".
فعلى هذا الساحل، استعادة الأرض واستعادة المياه هما الفعل ذاته, وكيليفي هي الدليل.
تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك