في تطور لافت للمشهد السياسي السوداني، انطلقت أمس الأربعاء بالعاصمة السويسرية جنيف اجتماعات تشاورية تضم تحالف قوى الثورة “صمود”، والكتلة الديمقراطية، وتحالف قوى الحراك الوطني، وحزب الأمة القومي، في حراك دبلوماسي مكثف يرعاه المجتمع الدولي ويهدف إلى إنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية جديدة.
وتأتي هذه الاجتماعات – التي تستمر حتى 27 يونيو الجاري – برعاية وزارة الخارجية السويسرية ومشاركة الأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”، في وقت يشهد فيه الملف السوداني حراكاً دبلوماسياً متزايداً.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يمثل هذا الحراك تجاوزاً للمقترح السعودي الذي كان يرمي إلى تشكيل كيان مدني داعم للبرهان؟لم تعد الرياض تكتفي بدور الوسيط، بل انتقلت إلى محاولة هندسة المشهد السياسي السوداني من خلف الأبواب المغلقة.
فوفقاً لتقارير متخصصة، تقود المملكة اتصالات مكثفة مع شخصيات مدنية سودانية بهدف بناء كتلة سياسية تحظى بقبول دولي وتكون متحالفة مع البرهان.
غير أن هذه التحركات تصطدم بحقيقة أن القوى السياسية في جنيف تتجه نحو دعم مساري الرباعية والخماسية، وليس الانخراط في مشروع لتشكيل غطاء مدني للسلطة القائمة.
بل إن هناك رفضاً صريحاً من شخصيات محورية، في مقدمتهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
حمدوك يرفض.
وموقف ثابت: -كشفت مصادر سياسية أن حمدوك رفض الانخراط في أي ترتيبات أو تفاهمات سياسية ترعاها السعودية تهدف إلى استقطاب السياسيين نحو معسكر البرهان.
وأوضحت المصادر أن حمدوك يتمسك بموقفه الداعي إلى حل سياسي شامل يضع حداً للحرب ويؤسس لعملية انتقال مدنية مستقلة.
وفي رسالة واضحة، حذر حمدوك من أن “الصفقات السياسية التي أفشلت اليمن لا يمكن أن تمثل قارب نجاة للسودان”، في إشارة إلى مخاطر تكرار تجارب الإقحام السياسي التي تؤدي إلى مزيد من التعقيد بدلاً من الحل.
البرهان تحت طائلة العقوبات الأمريكية: -يأتي رفض القوى السياسية للبرهان في سياق تصاعد الضغوط الدولية ضده.
ففي 16 يناير 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على البرهان بموجب الأمر التنفيذي 14098، متهمة إياه بـ “اختيار الحرب على المفاوضات”، و”شن هجمات مميتة على المدنيين، بما في ذلك قصف مدارس وأسواق ومستشفيات”.
وتضمنت العقوبات حظر جميع ممتلكاته ومصالحه في الولايات المتحدة، وفرض عقوبات على الكيانات والأفراد الذين يتعاملون معه.
وجاء في بيان الخزانة أن قوات البرهان مسؤولة أيضاً عن “الحرمان الروتيني والمتعمد من الوصول الإنساني، واستخدام الحرمان من الغذاء كتكتيك حربي”.
وأكدت واشنطن أن البرهان “عارض العودة إلى الحكم المدني في السودان ورفض المشاركة في محادثات السلام الدولية”، مما يعزز موقف القوى السياسية الرافضة للتعامل معه كشريك موثوق.
القوى السياسية تتجاوز المقترح: -في ظل هذه المعطيات، يبدو أن اجتماعات جنيف تؤكد تجاوز القوى السياسية للمقترح السعودي.
فالمصادر أكدت أن الرؤى المطروحة تتجه نحو دعم مساري الرباعية والخماسية، بعيداً عن مشاريع تشكيل حاضنة سياسية للبرهان.
وهذا التوجه يعكس إدراكاً بأن أي ترتيبات سياسية يجب أن تنطلق من قاعدة شعبية وسياسية عريضة، وليس من رغبات خارجية تهدف إلى إدارة الأزمة دون حلها.
خلاصة: مقترح يواجه الرفض: -يبدو أن المقترح السعودي لتشكيل كتلة مدنية داعمة للبرهان يواجه مصيراً صعباً، إن لم يكن الرفض المعلن.
فالقوى السياسية في جنيف ترسم مساراً مختلفاً، وحمدوك يعلن رفضه القاطع، والعقوبات الأمريكية تلقي بظلالها على أي ترتيبات مستقبلية.
وفي المحصلة، قد تضطر الرياض إلى إعادة النظر في مقاربتها، والبحث عن صياغات أكثر توافقاً مع إرادة القوى السياسية السودانية، إن كانت تريد فعلاً المساهمة في إنهاء الأزمة وليس فقط إدارة تداعياتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك