القدس العربي - قراصنة صوماليون يهددون بقتل بحارة مصريين وهنود لتأخر الفدية CNN بالعربية - مشهد غير متوقع.. سفارة كوريا الشمالية تقع في مكان غريب في لندن وكالة سبوتنيك - السلطات المصرية تكشف ملابسات إطلاق نار على رهبان داخل دير الجزيرة نت - رئيس وزراء المجر: نسعى لاستيفاء شروط الانضمام لليورو بحلول عام 2030 قناة الجزيرة مباشر - حقيقة سيطرة إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر في جنوبي لبنان وكالة الأناضول - في خان يونس.. هواة "التزلج " يتحدون الدمار الإسرائيلي سكاي نيوز عربية - السجن أكثر من قرن.. تفاصيل الحكم على "إسكوبار الصحراء" الجزيرة نت - ماذا دار في كواليس الوساطة القطرية الباكستانية حول إيران؟ وكالة سبوتنيك - الجيش الإسرائيلي: مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان تخضع لسيطرة قواتنا بالكامل وكالة الأناضول - جمباز.. انسحاب روسيا من كأس التحدي العالمي للجمباز الإيقاعي
عامة

ثالوث (أمومة، غرفة أطفال مبعثرة، شغف الكتابة)

جريدة المغرب
جريدة المغرب منذ ساعتين

نُشرعمن خلال هذه الإطلالة بابا على منجز روائي وشاعر فرنسيمعاصر، هو كريستيان بوبانChristian Bobinالذي عاش بين 1951 و2022. وقضى طفولته بين رفوف مكتبة العائلة. استهوته الكتابة منذ صغر سنه، وتابعخلال سن...

نُشرعمن خلال هذه الإطلالة بابا على منجز روائي وشاعر فرنسيمعاصر، هو كريستيان بوبانChristian Bobinالذي عاش بين 1951 و2022.

وقضى طفولته بين رفوف مكتبة العائلة.

استهوته الكتابة منذ صغر سنه، وتابعخلال سنوات شبابه تكوينا فلسفيا، أدى به إلى الولوعب أفكار أفلاطون وسبينوزا، وكيركيغارد.

أصدر مؤلفه الأول" رسالة أرجوانيةLettre pourpre" في سن الخامسة والعشرين.

واتسمت أعماله الأولى بالاختصار، بحيث تم تصنيفها أدبيا بين الخاطرة والمقابسة والكتابة الشعرية النثرية.

عرفالشهرة مع حلول تسعينات القرن الماضي، وذلك بعد نشر كتابيّه الأكثر مبيعا ونقصد: " فستان الاحتفال الصغيرLa petite robe de fête" و" الأسافل Le Très-Bas".

بيد أنه فضّل الاعتكافمبتعدا عن الانظار.

ليحصل سنة 2016 على جائزة الأكاديمية الفرنسية تقديرا لأعماله.

وتسندله جائزة أمير مقاطعة موناكو سنة 2020، على أن تعود له إثر وفاته جائزة الغونكورGoncourt، تقديرا لأعماله الشعرية.

قامت منشورات غاليمارEditions Gallimardالبارسية خلال السنة الأخيرة من حياته (2022) بنشر مختارات من أعماله في أكثر من ألف صفحة، وضعلهاتقديما مخصوصا، وحملتعنوان: " جهات السماء المختلفة Les différentes régions du ciel".

تحوّل" كريستيان بوبان" إلى مصدر إلهامللشعراء والروائيين الذين احتفظوا مثلهبمطلق دهشتهمإزاءأبسط مظاهر الحياة.

وشكّلت الكتابة لديه رسما للوحات تحيل علىزوايا غير مطروقة لوقائعمغرقةفي البساطة، تمّ التعرّض لها وفق تصور أدبيمخصوصيقع بينالرواية والمذكرات والشعر النثري.

ولأن تلك الكتابة تندرج ضمن تصوّر تأملي، فإنهاقد ضارعتفي عمقها معاني النصوص الدينية، والعروض التأملية، حال ردّهالمعاني إنسانيةحساسةتحيل علىمطبّات الطفولة، وإلى مدلول الوجود، ومعنى الغياب، بحيث شكّلتمختلف تلكالأعمال المستقلةبذاتها، ما يشبهقِطَعلغزPuzzleاستهدفت الخاطرة التأملية البليغة الدلالة، والقصيد النثريبحرسهالملائكي، والمذكرات المترعةبعميق الأحاسيس الجوّانية.

ما نعرضه هنا هو ترجمة لومضات بليغةمن تلك المختارات، نقرّب عبر دلالاتهامضمون هذا الأثر الأدبي الرفيع من قراء اللغة العربية.

حتى وإن اكتفى ما ترجمناه إلى لغة الضاد بإعادة ثلاث منتقيات تحيلتباعا على ثلاث شذراتمختارة تعكسنثريا تأملات جوانية حاولت تقديم أجوبة لثلاثأسئلة احتفظت أزلا بغموضها لتبدوعصيّة عن كل تعريف.

فما الذي يمكن أن تعنيه الأمومة؟ ، وهل يختفي الله في غرف الأطفال المبعثرة؟ وما الذي يعنيه الشغف بالكتابة على الحقيقة؟ يعودالمقتطفالأول إلى نص ترجمة ألفها" بوبان" في حق مسار حياة" القديس سان فرنسوا الأسيزيSaint François d’Assise" (ت 1223م)، شكّلت حال صدورها سنة 1992 عرضا أدبيا فارقا في جنسه، تقصّى مختلف أطوار تشكُل مسعىهذا القديس المسيحي، وحاملا عنوانا مربكايستقيم رده إلى لفظة" أسافل Le Très-Bas" 1 - أمومة".

جميلة هي، لا بل أكثر من ذلك، هي الحياة ذاتها في رقة الفجر الساطع.

لم يتهيأ لكم أن عرفتموها أو شاهدت أعينكم صورة لها، غير أن حسنها جليّ بداهة، في الضوء المنبعث من كتفيها حال حنوّها على المهد، مصغية لأنفاس رضيع لم يزل كتلة لحم وردية متخلّقة.

إنسان صغير أقل حَوْلا من صغار القطط ومستنبت الشجيرات.

جميلة هي من أجل هذا الحب الذي تنـزعه لتدثّر عراء وليدها.

جميلة هي بقدر تجمّلها في مغالبة إعيائهامُلبّية نداء صغيرها.

كلّ الأمّهات يمتلكن هذا الجمال، كلهن يقوين على السمو لبلوغ تلك الحقيقة المحفوفة بألطاف خفية.

جميع الأمهات يمتلكن ذلك اللطف المستفز لغيرة الخالق، لطف مجلّلبدثار ذلك الحب، واحدا أحدا مضلّلا بشجرة الأبد.

جمال الأمهات يتجاوز أمجاد الطبيعة.

جمال يفوق التصوّر ذاك الذي يمكن تضمينه للتعبير ابتسارا عن تلك المرأة في تحفّزهاللإصغاء لدبيب الحركة في أعضاء وليدها.

الجمال أمر لم تثره أحاديث يسوع وألِف غيره اللغو بخصوصه، في حقيقة اسمه يكمن الحب.

يأتي الجمال من الحب، تماما مثلماينبجس النهار من سطوع الشمس المشرقة، لينبعث من إعياء امرأة منهكةتصر على مواصلة الهدهدة تهدئة لروع صغيرها.

يخوض الآباء الحروب أو يُفْضُون إلى أعمالهم ومكاتبهم، يُـمضون عهودافي تصنّع تحمل مسؤولية الاجتماع البشري وأرزائه في مكابدة وجلد.

ذاك قدرهم وتلك أعمالهم الجليلة المُذهبة لأعمارهم.

يمثل الآباء شيئا آخر غير ذواتهم الحميمة في أعين من ينجبون.

يُجهدون أنفسهم في تجسيم دور حماة الجماعة المخلصين لما تجود به العقول المدبّرة للقوانين والأحكام، بينما لا تمثل الأم إزاء مولودها شيئا، فهي ليست قبالته، بل تحيط به، لكي تحل في أعماقه، فتنتبذ موضعا خارج تلك الأعماق يجسّم الأماكن كلها، ترفع وليدها على أطراف أناملها عاليا تزفّه للحياة الأبدية.

تحمل الأمّهات وزر العناية الإلهية، ذاك عشقهن وأجّل اهتماماتهن، وهو مَضْيعتِهن أيضا وصولجان مُلكهن.

لكيتكون أبا ينبغي عليك تتصنّع لعب دور الآباء، أما معنى أن تكون أمّا فذاك ما لن يقدر أحد على استجلائه أبدا، لأنه شيء غامض لا يشبه في الخلق شيئا، مطلق لا يتناسب مع أي شيء.

فالأمومة تحمّل للأقصى درجات التعببمنتهى مصابرة ورباطة جأش.

ذاك ما لا تقدر عليه سوى الأمهات، حتى من نصنفهن ضمن أفشلهن.

فالأم على قاب قوسين أو أدنى من مطلق، في ألفة معجزة ليس بمقدور الآباء فهم مدلولها.

فهممنهمكون أزلا في تحقيق أغراضهم وملء مواقعهم والحفاظ على منازلهم الاجتماعية.

بينماليس للأمهات من منزلة ترجى أو من موقعيتنافسن على احتلاله أهم مما أنجبنه.

يخرجن إلى الحياة في ذات الوقت الذي يضعن فيه ولدانهن، ليس لهن مثل الآباء سبْق على ولدانهن، سبْق تجربة أو" كوميديا" يتصنعن لعبها أبدا على مسرح المجتمع.

تتعقب الأمهات الزمن خطوة بخطوة مع أبنائهن، مُحاطات في المشيئة بألطاف السكينة مكلّلات بالرضا.

ما استبق خالص الجمال غير عميق الحب، لكن من أين يأتيهذا الفيض من العواطف؟ يتحدّر الجمال عن الحب، عن العناية، عن بسيط التواضع عن تواضع التواضع.

تواضع حيّيبذلالحياة لحمل وديع لا يستطيع أن يقتات بنفسه، لا يعرف من معاني الحياة غير دموع أمير في المهد يحذق التأوّه مُناديا بصيحات تستجلب ما نأى عنه، فيستفيق الحب مع خطوات أم ملبّية نداءه.

يستفيق في أثرها الله مُثبّتا أقدامها الواهنة من فرط التعب والإرهاق، تعبُ أيام الخلق الأوَلِ، وأولى سنوات الطفولة.

ليس من باب المغالاة أن نعتقدأنه ينبغي أن تقتلع منّا الحياة القلوب حتى نسميها بذلك الاسم.

من هاهنا ينبعث العالم، وخارج ذاك يقع العدم.

ليس هناك من لطف أشمل من لطف أمهات أرهقتهن أحضان المهاد.

يمتلك الرجال العالم ليبقى للنساء امتلاك الخلود المحتضن للعالم والرجال.

تتمثل القداسة في مصادفة استكشاف الأطفال لكنوز حنو الأمومة ولطفها، مع اثمارلمدلول النعمة حتى تعم الجميع ضرعا وزرعا، كبير الكائنات كما صغيرها.

ليس هناك في الحقيقة من وجود للقديسين، ليس هناك غير غبطة ولطف ناسلانعن أمومة تحتضن الكائنات ومطلق الكون.

أمومة تتخطّى فرط التعب، تبتلع الموت لتُشرع أبواب البهجة في أحضانها.

حتىنقول عن أحد أنه قد بلغ شأو القديسين، فذاكيعني ببساطة أن مسار حياته قد تفتّق عن جسم ناقل للبهجة، تماما مثل مادةتنقل الحرارة دون اختزانها.

كذا ينبغي تعظيم امرأة تَقْبَلُأن يلتهمها فرط التعب، ترمق التعافي ترميقا.

يسافر الرجال إلى جميع الأزمنة بعيدا، يتغرّبون عن بلدانهم، عن طفولتهم، ليصادفوا أنصاف أجسادهم المكمّلة لأرواحهم، حتى وإن لم يألفوالأبعدمن جارتهم.

فما يبحثون عنهيقبع في أحلك زوايا أعماقهم.

المرأة هي أبعد ما يوجد في العالم بالنسبة للرجل، فهي القادرة بجميل لطفها أن تنـزّل في غفوة من تُحب ملائكة تخترع له ولها عشقا لم يتلألأ نوره قبل صنيعها، فيذرف في لوعة ما أخذ بلبّه دمعا مدرارا، مُستعِيضاعن كبريائه بهشاشة الوجد المُعَنَّى، مشاركا غيره في الافتتان بمطلق الجمال لا في قوة البطش.

تُرضع الأمهات صغارها حليبا مزاجه أحلام الصبي الغضة، ينفجر من أثدائهن كشرخ سعيد.

تنبثق أحلامهن من أسرار طفولتهن، لتصل شفاههن ترانيموضعت خصيصا لهدهدةرضيع، فيسري في أحاسيسه مثل عطر شذيّلا تُبلي الأيام رائحته.

ما يلتقطه حدس الأم في اسم مولودها هو ما تدسّه بين جسمه وروحه، تماما مثلما تعمد إلى دسّ الخُزامى بين لحافين.

باللقب العائلي يلتحق الطفل بعالم الأموات خلفا عن سلف، ويتصل باسمه بعالم الأحياء الرحب ومجال المُمكنات، فيَنْشَدُّعندها إلى قافلة العاشقينعلى شاكلة المبشّرين والقديسين، يحتضن هشاشة الحياة ليحوّلها إلى كلمات مُبهرة تناسب ترنيما ساحراتبدعه ذائقة الشعراء وتشدوا بهحناجر والمغنين، وقد يصيبالأمرين معا، مُبشرا من فرط الوجد مٌغنّيا، أوحَوَارِيًّا أصابه العشق في مقتل.

" جهات السماء المختلفة، منشورا غاليمار، باريس 2022، كتاب" الأسافل" 1992، الفصل التاسع، " صفّ النساء، وضحك اللهLe Camp des femmes le rire du Dieu"، ص- ص457 – 461.

2 –غرف الأطفالالمبعثرة".

نحن بحاجة لشيء واحد حتى نتعرف على جميع الأشياء.

نحتاج إلى وجه واحد حتى نتعرّف على جميع الوجوه.

نتدرّبعلىالنظر كما علىمعاودة المشي إثر مرض منهك، خطوة بعد خطوة، حُلما بعد حلم.

نحن نعجز عن تعريف ما ينير درب الحياة أو المسك به.

فما نقوله يصمت، وما نمسك به يضيع.

ليس بمقدورنا ادعاء التحكمّفيما نحيا، الاعتقاد في ذلك يشبه من يصرّ على المسك بيده حفنة ماء.

نحن لا نملك غير ما ينفرط بين أصابعنا ليقتاتمن الشعوربالمحبة، من شجرة في الحلم، أو من وجه نبصره في مطبق الصمت، أو ضوء يتلألأ في أوج السماء.

كل ما دون ذلك لا يعني شيئا.

هناك من يحتفظ بجميعالأشياء، في حين أن هناك من يعمد إلى ترتيب ما بدا له مبعثرا داخلغرف بيته أو أقصتهالذاكرةوالتهمه النسيان.

هناك من يحتفظ بكل شيء، يحشرهداخل دُرج بخزانة أو بصندوق كلمات أوبكتاب ذكريات، معتقدا أنه قد يحتاجهيوما ما، حتى وإنتبين له لاحقا أنه ما من فائدة فيما أتاه لما أصرّ على استبقاء ما بعثره الأزمنة والأيام.

يتشابه من أصرّ على الحفاظ على مختلف تلك الأشياء، ومن تخلّص منها، في احتفاظهما بمالا نجرؤ عن التفريط فيه.

قد يتعلق الأمر بقبس من نور، أو بشيء يعزّعلينا قطع الرجاءمن حصوله، قد يكون اسمايحرّكمجرد سماعه لواعج الحنين بداخلنا.

قد لا يزيد الأمر عن لطخة على حائط، أو شجرة عند نافدة بيت، أو ساعة حظّ ضمن يوم لازمه الضجر.

قد يشبه الأمرشعورا بالإخلاص الصامت لجميع ما علق بذواتنا وإن انتهى فصلهبالكامل، وقد يحيل أيضا على تجربة عشق منطوية على ذاتها حدّ الجمود، تَقِرُ في غياهب الروح كقعر سحيق في حفير.

لعل ذاك الشيء الذي أصبح مصدر فتنة لنا دون سبب أو حاجة، هو كل ما بقي من شعاعالنور، أو من غبار ملأ سماء زرقاء.

قد يحصل لنا ما يشبه ذلك مع كتاب وقع بالصدفة بين أيدينا، أو مع كوب قديم يروق لنا ترشف ما يحتويه من نبيذ، وقد يصادفنا عند الاستماع إلىترنيم نشيد، ونغم معافى.

وقد يحصلمع ما أصرّ على مرافقتنا أو متابعتنا دون فكاكلأبسط أجزاء الكون أو الروح.

حتىنستفيقلحظة فيبدو لنا أن ذلك الشيء لم تبليه الأيام ولم يطُلهالتغيير، فقد احتفظسحرهبنفس البريق، فآثرنا الاحتفاظ به مذوقعت عليه أعيننا لأول مرة.

تنشّد الحياة في الغالب الأعم إلى أشياءقرّرنا هكذا الاحتفاظ بها دون غيرها، ليس لها من دلالة، ولا تنطوي على أي فائدة.

غير أنمرور الزمان أضاف لها بريقا جذّابا وسحرا لا يقاوم.

ما لا يصلح لأي شيء، يمكن أن تحتاجه أشياء كثيرةتتصلبالعالم وتلتصق بالروح ببهجة وفرطبهاء، قد نقبل التخلي عن كل شيء فيما عدا ذلك الشيء.

يحتمل الأمر تذكيرناباسم، أو وقوفنا عند رسم، أو استذكارنالسماء ربيعية صافية لم تتمكن صروف الدهرمن فسخهاعن خواطرنا.

هشاشة تدفعك إلى لزوم حدّ والعودة إليه كلما رَمَحْتَ بعيدا، منحدر وئيد يأخذك إلى ذات المنفى، خَدَرٌ ساحر على جسد.

نفي تشيؤ، أو فتنةحدث مهيبأولغز طفولة غضة.

كل ما اكتسب قيمة في نظرنايشع ببريقه فيحرك المشاعر فينا، لنحتفظ به كجزء من ذواتنا.

لا يعرف الآباء شيئا عن غرف الأطفال.

يذهب بهم الظنأنمن واجبهم تنظيم ما بعثروه، حتى وإنعادتجميع الأشياء إلىفوضهاالأليفة بعد تنظيمها، عناصر القداسة براهين عن وجود باريها.

فوضى الأشياء هي ما يشكل مكاتب المؤلفين، حاجة ملحّة للاحتفاظبما لا فائدة ترجى من بقائه.

أفئدة الكتاب لا تبتعد كثيرا في فوضها وبعثرتها عن غرف أطفال.

" جهات السماء المختلفة، منشورا غليمار، باريس 2022، (ما ينقُص الأشياء La part manquanteنشر لأول مرة سنة 1989) الفصل السادس، " براهين مبعثرة عن وجود اللهLes preuves en miettes de l’existence de Dieu"، ص- ص 304 – 307.

3 –شغفالكتابة".

ينسل الكتُّاب عن صباهم، يأتونلملاقاتنا غير مكترثين بما يرتدونه.

ولئن ما بدت لنا نظراتهم حادة ودقيقة، فإن ما يخطّونهغالبا ما تغلب عليهالرهافة.

يحملون ذلك في دواخلهم، لينكشف في نبرة أصواتهم.

هم أشد قرب من الطارئ العابر، من الشعور بالإعياء، من فكرة التعب ذاتها.

هم هناك على قاب قوسين منالمهم، من كلما لا يذكر لذاته.

فعل الكتابة يعني وحدة المنطوق في عزلته، وعبور في جمال يخطفالصوت منّا.

سحر ما تحدثه الأيام عندمانعي أننا نحياها على الحقيقة، نور يسري في دافق دمائنا.

تلتهم نيران الكتابة الكلمات قبل أن تنصرفمعالسحائب الهاربة، نيزك يسقط لتوّه على أرض باردة خالية من كل عمار، يعيد ترتيب الحياة من جديد.

يضارع عنف الكاتب مايصدر عن صبي طال تقييدنالجلوسه بحذونا.

له من العمر خمسون، وتلك سنّ نفتح حال بلوغها سجل محصلة سعينا، نطرح سؤالا محرجا يوازنبين نجاحاتنا واخفاقاتنا.

ما نربحه على حساب العالم نخسره بالضرورة في معترك الحياة.

ليس لمن يكتبون منأمر ذلك شيئا، هم لم يبرحوا مربع اللعب منذ صباهم، من دون انشغالبأرباح أو خسائر.

هم لن يكفّوا عنتشييد مكعبات الصمت على سطح ورقة، مشيدينمن تعاريج حبر أزرق قصورا من نور.

ما الذي يعنيه النجاح في معترك الحياة إذا لم يكن ما ذكرنا؟ عنتُ صبيّ أو إخلاص بسيط لما نحب، رفض لكلما لايقتلع الألبابمنّا، وسير في طريقيمكن أن تنتهيبحتفنا.

كيفلنا أن نتدرب علىصروف الزمان أو أن ندرك معنى النهاياتوالفناء؟ القطيعة مع الذات أقصر الطرق لحصول الكشف، قطيعة مع الأكوان كما مع الأعمار.

ما الكتابة غيرتجربةتُعرّللذات وللروح في آن، تجربة فقد وعدم.

المقبلون على الكتابة يبحرون إلى أبعد من ذواتهم، يسيرون بخطى متعبة في بياض الثلوج، ويُعبّرون عن هشاشتهم بكلمات ذئب.

كلمات عارية لها شحوب قفاز مقلوب، كلمات تعكس حقيقة غيابهم.

ملاكٌ هو ذاك الذي يولد من غيابنا، يقف في الخلف من ورائنا.

ميلاده من ميلادنا.

طفل البدايات ينضو شابا ثم كهلا يدخّر أنفاسه، مُمْسكاالفأس بيديه.

حالة انتظار هو في الليل كما في النهار، لا تصدر عنه لائمة، أو تعبير عنرغبة.

هو هناك خلفنا في تأهّب لا تعرف كللا أو سهوا، فلا الخلود إلى النوم يمكن أن يلهيه، ولا الوقوع في الوله بوسعه أن يٌنسيه.

حضور دون انقطاع، إخلاصمن دون محبّة.

ما الذي يمكن أن تعنيه الكتابة غير تعقب أثر ذلك الملاك في تجاعيد جبل الثلج، حتىإذا ما بدرت منّا التفاتة، أبصرناأثر نصل الفأس من لمعانه، يُرفعإلى أعلىواضعا بضربة قاطعةحدا لعقدة الحكاية ولكاتبهافي آن.

" جهات السماء المختلفة، منشورا غليمار، باريس 2022، (ما ينقص من الأشياء La part manquante نشر لأول مرة سنة 1989) الفصل الحادي عشر، " الكاتبL’écrivain"، ص- ص 322 – 324.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك