كلما اقترب النقاش من المخدرات، ارتفع منسوب الخوف.
تُستدعى الكلمات القاسية سريعًا: الانحراف، الضياع، الفساد، النهاية.
تُقدَّم المخدرات أحيانًا كقصة أخلاقية بسيطة، بطلها شخص اختار الطريق الخطأ، ونهايتها تحذير جاهز للأبناء والطلاب والعائلات.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الحكاية المختصرة.
فتعاطي المخدرات لا يبدأ دائمًا من رغبة في التحدي، ولا يتحول إلى اعتماد بسبب ضعف الإرادة وحده.
في كثير من الحالات، يدخل الألم النفسي، والبطالة، والعنف، والفراغ، والضغط الاجتماعي، والفضول، وسهولة الوصول إلى المواد المخدرة، في صناعة مسار طويل يصعب اختصاره بعبارة واحدة.
وفي 26 حزيران/ يونيو من كل عام، يحضر اليوم الدولي لمكافحة إساءة استعمال المخدرات والاتجار غير المشروع بها بوصفه مناسبة للتذكير بخطر عالمي متشعب.
لكنه يمكن أن يكون أيضًا فرصة لطرح سؤال أبعد من التحذير: لماذا تفشل لغة الوعظ وحدها؟ ولماذا لا يمكن التعامل مع المخدرات كقضية أمنية أو أخلاقية فقط، من دون النظر إليها بوصفها مسألة صحة عامة وكرامة إنسانية؟حين يصبح الخوف هو الرسالة الوحيدةولا يمكن إنكار أن الخوف مفهوم.
فالمخدرات قد تدمّر أجسادًا، وتفكك عائلات، وتدفع أفرادًا إلى العزلة أو العنف أو المرض أو الموت.
لا توجد حاجة إلى تلطيف الخطر أو تجميله.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الخوف إلى الرسالة الوحيدة.
فالخطاب الذي يكتفي بإخافة الناس قد ينجح أحيانًا في إثارة الانتباه، لكنه لا يضمن تغيير السلوك.
من يسمع التحذير وهو بعيد عن التجربة قد يتأثر للحظات.
أما من يعيش ضغطًا نفسيًا أو اعتمادًا فعليًا، فقد يسمع الرسالة نفسها كحكم نهائي عليه، لا كدعوة إلى المساعدة.
وحين تُقدَّم المخدرات باعتبارها" نهاية أخلاقية"، يصبح الشخص الذي يستخدمها خائفًا من الاعتراف.
يخشى أن يُطرد من البيت، أو يُفضح في محيطه، أو يُعامَل كعار عائلي، أو يُترك وحده في مواجهة ما لا يستطيع السيطرة عليه.
هكذا تتحول الرسالة التي يفترض أن تحميه إلى جدار يمنعه من طلب النجاة.
وتملك الكلمات أثرًا كبيرًا في هذه القضية.
فحين يُختصر الشخص في صفة واحدة، يُصبح من السهل نزع التعاطف عنه.
كلمة" مدمن" مثلًا تُستخدم غالبًا كوصمة أكثر من كونها وصفًا لحالة تحتاج إلى فهم وعلاج.
ولا يعني ذلك تبرير السلوك أو إنكار تبعاته على العائلة والمجتمع.
لكنّه يعني النظر إلى الشخص بوصفه أكثر من تعاطيه.
قد يكون ابنًا، أو أبًا، أو طالبًا، أو عاملًا، أو شخصًا مرّ بتجربة قاسية، أو إنسانًا فقد السيطرة على علاقة خطرة بمادة ما.
هذا الفارق في اللغة ليس تفصيلًا ناعمًا، لأنه يُحدّد الطريقة التي يتعامل بها المجتمع معه: هل يُدفع إلى الاختباء أم يُفتح أمامه باب العلاج؟ومن منظور الصحة العامة، لا يُنظر إلى اضطراب استخدام المخدرات كمسألة إرادة فقط، وإنما كحالة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية.
لذلك لا يكفي أن يُقال للشخص" توقف".
السؤال الأهم هو: كيف؟ من يساعده؟ أين العلاج؟ هل العلاج متاح؟ هل يمكنه طلبه من دون خوف من الفضيحة أو العقاب أو الإقصاء؟لماذا لا تكفي المحاضرات المدرسية؟وتبدأ كثير من حملات التوعية من المدارس والجامعات، وهذا مهم.
لكن المشكلة أن بعض هذه الحملات تبقى معلقة في لغة التلقين: لا تقترب، لا تجرّب، لا تخطئ.
يسمع الشبان الرسالة، ثم يخرجون إلى عالم أكثر تعقيدًا: أصدقاء، ضغوط، فضول، مشكلات منزلية، بطالة، قلق، محتوى رقمي يخفف صورة بعض المواد، وأسواق سرية تعرف كيف تصل إلى الهشاشة.
والوقاية لا تعني محاضرة موسمية فقط.
تعني بناء بيئات أقل دفعًا إلى المخاطرة.
تعني مدرسة قادرة على ملاحظة الطالب المنسحب أو العنيف أو الغارق في القلق.
تعني عائلة تستطيع الحديث من دون تهديد دائم.
تعني مساحات رياضية وثقافية، وخدمات صحة نفسية، وخطوط مساعدة، ومراكز علاج قريبة وغير مرعبة.
والأهم أن الوقاية الفعالة لا تتحدث مع الشباب كمتهمين محتملين، وإنما كأشخاص يحق لهم أن يفهموا أجسادهم ونفسياتهم ومخاطر ما يعرض عليهم.
فالرسالة التي تحترم عقل المتلقي أكثر قدرة على البقاء من الرسالة التي تكتفي بالصراخ في وجهه.
وواحدة من أخطر مشكلات المخدرات أن كثيرين لا يصلون إلى العلاج في الوقت المناسب.
لا يحدث ذلك دائمًا بسبب غياب الإرادة، وإنما بسبب الخوف من الوصمة، أو كلفة العلاج، أو ضعف الخدمات، أو الخلط بين العلاج والعقاب.
وفي مجتمعات كثيرة، تخشى العائلة أن تطلب المساعدة كي لا" ينكشف الأمر".
وقد يفضّل الشخص نفسه الإنكار لأنه يعرف أن الاعتراف سيغير نظرة الآخرين إليه.
في هذه المسافة بين الخوف والإنكار، يتعمق الاعتماد، وتكبر الخسائر، ويصبح التدخل أصعب.
وتبدأ الصحة العامة من كسر هذا الحاجز.
أن يعرف الناس أن طلب العلاج ليس فضيحة.
أن تفهم العائلات أن الإخفاء لا يحمي دائمًا.
أن تتوفر خدمات سرية وآمنة ومهنية.
أن يتم تدريب العاملين الصحيين والاجتماعيين على التعامل مع الحالات من دون أحكام جاهزة.
أن يشعر الشخص بأن الباب مفتوح قبل أن يصل إلى الحافة الأخيرة.
الصحة العامة لا تعني التساهلويخلط البعض بين الحديث عن الصحة العامة وبين التساهل مع المخدرات.
هذا خلط يضعف النقاش.
فالتعامل الصحي مع القضية لا يلغي خطورة الاتجار ولا مسؤولية الشبكات التي تستغل الفقر والاضطراب والحروب والأسواق الهشة.
ولا يلغي الحاجة إلى مكافحة الجريمة المنظمة التي تربح من الإدمان والمعاناة.
الفارق أن مقاربة الصحة العامة تميّز بين من يستفيد من السوق غير المشروعة، ومن يقع في دائرة الاستخدام والاعتماد ويحتاج إلى مساعدة.
الأول يحتاج إلى مساءلة وملاحقة.
الثاني يحتاج إلى حماية وعلاج واستعادة فرصة الحياة.
وحين يُعامل الجميع بالمنطق نفسه، يخسر المجتمع مرتين: لا ينجح في تفكيك الشبكات الكبرى، ولا ينجح في إنقاذ الأفراد الصغار الذين يمكن أن يعودوا إلى حياتهم لو وُجدت لهم يد تمتد في الوقت المناسب.
العائلة بين الخوف والإنكاروفي قلب هذه القضية تقف العائلة غالبًا مرتبكة.
قد ترى علامات التغير: عزلة مفاجئة، اضطراب في النوم، طلب متكرر للمال، تراجع دراسي أو مهني، غضب غير مفهوم، أصدقاء جدد، أو غياب طويل.
لكنها لا تعرف كيف تتصرف.
وتواجه بعض العائلات الأمر بالعنف.
بعضها يختار الصمت.
بعضها يحاول السيطرة الكاملة.
بعضها يذهب إلى الوعيد والتهديد.
في حالات كثيرة، لا يكون ذلك بسبب القسوة فقط، وإنما بسبب الخوف والعجز وغياب المعرفة.
وتحتاج العائلات إلى خطاب مختلف أيضًا.
خطاب يقول لها إن المواجهة مهمة، لكن الإهانة لا تعالج.
إن الحزم ضروري، لكن الطرد قد يدفع الشخص إلى خطر أكبر.
إن طلب المساعدة المهنية ليس اعترافًا بالفشل، وإنما بداية الطريق إلى حماية الشخص ومن حوله.
لماذا يحتاج المجتمع إلى لغة جديدة؟وتفشل لغة الوعظ وحدها لأنها ترى النتيجة ولا ترى الطريق.
ترى الشخص عند لحظة السقوط، ولا تسأل عمّا سبقها.
ترى المادة المخدرة، ولا ترى الفراغ الذي ملأته.
ترى الفعل الخطر، ولا ترى الألم أو الضغط أو الشبكة أو البيئة التي جعلته ممكنًا.
واللغة الجديدة لا تقول إن الخطر أقل مما هو عليه.
على العكس، هي تأخذ الخطر بجدية أكبر.
لأن من يريد حماية الناس لا يكتفي بتخويفهم، وإنما يبني لهم طرقًا للخروج.
لا يكتفي بإدانتهم، وإنما يسأل أين غابت الوقاية؟ أين تأخر العلاج؟ أين فشلت المدرسة؟ أين تخلت السياسات العامة عن الأكثر هشاشة؟في النهاية، لا تُهزم المخدرات بالشعار وحده.
تُهزم حين يصبح الحديث عنها صريحًا من دون فضيحة، وحازمًا من دون قسوة، وإنسانيًا من دون تبرير.
تُهزم حين يجد الشاب من يصغي قبل أن يتورط، وحين يجد من تورط طريقًا إلى العلاج، وحين تفهم العائلة أن الخوف الطبيعي لا ينبغي أن يتحول إلى صمت قاتل.
المخدرات خطر حقيقي.
لكن مواجهة الخطر لا تبدأ دائمًا من رفع الصوت.
أحيانًا تبدأ من تغيير السؤال: لا" كيف نرعب الناس منها؟ " فقط، وإنما" كيف نحميهم قبلها، ونساعدهم إن وقعوا فيها، ونمنع السوق التي تربح من هشاشتهم؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك