تعودت أن أرجع كل فترة لجرائد زمن الإخوان، وسأنعش ذاكرتكم من خلال بعض الفقرات حول حدث أعتقد أنه قد تبخر من الذاكرة، وهو دستور الإخوان، وحتى لا تكون ذاكرتنا كذاكرة السمك، نستعيد التفاصيل من تلك الجرائد:في الفترة التي أعقبت انتخاب الرئيس محمد مرسي عام 2012، كانت مصر تسابق الزمن للخروج من المرحلة الانتقالية بوضع دستور جديد للبلاد.
وكانت الآمال كبيرة في أن يصبح هذا الدستور وثيقة تجمع المصريين بعد ثورة يناير، لكن ما حدث كان على العكس تماماً، إذ تحولت عملية كتابة الدستور إلى واحدة من أكبر الأزمات السياسية التي شهدتها البلاد، وأسهمت بصورة مباشرة في تعميق الانقسام الذي سبق أحداث 30 يونيو، تولت الجمعية التأسيسية، التي اختير أعضاؤها من البرلمان، مهمة صياغة الدستور.
ومنذ الأسابيع الأولى ظهرت اعتراضات من أحزاب مدنية وقوى ليبرالية ويسارية، إضافة إلى عدد من القضاة وممثلي الكنائس، الذين رأوا أن تشكيل الجمعية لا يعكس التنوع السياسي والفكري والديني للمجتمع المصري، وأن تياراً واحداً أصبح صاحب التأثير الأكبر في كتابة الوثيقة التي يفترض أن تنظم حياة جميع المصريين، ومع استمرار المناقشات، بدأ عدد من أعضاء الجمعية ينسحبون احتجاجاً على ما وصفوه بعدم وجود توافق حقيقي حول المواد الدستورية.
وتركزت الخلافات حول قضايا عديدة، من بينها طبيعة الدولة، وصياغة المواد المتعلقة بالشريعة الإسلامية، وحدود الحقوق والحريات، واستقلال القضاء، وصلاحيات رئيس الجمهورية، ودور القوات المسلحة.
ومع كل انسحاب جديد، كانت المعارضة تؤكد أن الدستور يفقد صفته التوافقية، بينما كان مؤيدو الجمعية يرون أن الانسحابات كانت محاولة لتعطيل كتابة الدستور وإطالة المرحلة الانتقالية، وزادت الأزمة تعقيداً عندما أصبحت الجمعية التأسيسية مهددة بأحكام قضائية قد تقضي بحلها.
وفي أواخر نوفمبر 2012 عقدت الجمعية جلسة طويلة استمرت حتى ساعات الفجر، انتهت خلالها من التصويت على جميع مواد الدستور في وقت قياسي، ثم أرسل المشروع إلى رئيس الجمهورية الذي دعا سريعاً إلى إجراء استفتاء شعبي عليه في ديسمبر من العام نفسه، هذا التسارع أثار غضب المعارضة، التي رأت أن وثيقة بهذا الحجم كان ينبغي أن تناقش على نطاق أوسع، وأن يحصل المجتمع على وقت كافٍ لقراءة موادها وإبداء الرأي فيها، بدلاً من الانتهاء منها وإرسالها للاستفتاء خلال أيام قليلة، أما أنصار الرئيس، فاعتبروا أن سرعة الإنجاز كانت ضرورية حتى لا تبقى مؤسسات الدولة في حالة فراغ دستوري، وأن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو الفيصل الديمقراطي بين المؤيدين والمعارضين، وجاء الاستفتاء ليحسم الأمر قانونياً، إذ وافق نحو 64% من المشاركين على الدستور، لكن نسبة المشاركة بلغت قرابة ثلث الناخبين فقط.
ومن هنا استمر الخلاف؛ فالمؤيدون أكدوا أن الدستور اكتسب شرعيته عبر استفتاء شعبي حر، بينما قالت المعارضة إن انخفاض نسبة المشاركة، إلى جانب غياب التوافق أثناء صياغة الدستور، يعني أن الوثيقة لم تحقق الإجماع الوطني الذي كانت تحتاج إليه البلاد في تلك المرحلة الحساسة، ولم تكن أزمة الدستور مجرد خلاف قانوني حول نصوص أو مواد، بل تحولت إلى أزمة ثقة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع.
فقد شعر كثيرون بأن الدولة تسير في اتجاه يغلب فيه منطق الأغلبية السياسية على فكرة التوافق الوطني، بينما رأى آخرون أن كل خطوة نحو استكمال مؤسسات الدولة كانت تواجه بمحاولات متكررة للتعطيل، لهذا أصبحت أزمة دستور 2012، إلى جانب الإعلان الدستوري، والخلاف مع القضاء، وأحداث الاتحادية، واحدة من أهم المحطات التي مهدت لحالة الاستقطاب الحاد التي عاشتها مصر خلال عام حكم الرئيس محمد مرسي، وانتهت بخروج مظاهرات 30 يونيو 2013، التي غيّرت مسار الحياة السياسية في البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك