في الشروق، عدد السبت 17 يناير الفائت، نشرت محكية: «في روب ديشمبر بسجن النسا»، حيث استدعيت لمناظرة مريضة بسجن النساء.
اكتشفت أنها شابة مصابة بسل رئوي، وتسعل دفقات من الدم تدنيها من الموت إن لم تنقل فورًا إلى الطوارئ.
وعند انصرافي انتبهت أن يدي وصدري وأكمام «الروب ديشمبر» المستعار كانت غارقة بدم المريضة.
اغتسلت جيدًا، ونصحني الشاويش المرافق أن أترك الروب أمام باب زنزانتنا، وفي الصباح أعطيه لـ«الوله هادي» يغسله بماء مغلي وصودا، و«يحمصه» في الشمس.
في الصباح لم أجد الروب أمام باب زنزانتنا، كما لم أسمع صوت «هادي» وهو في طريقه إلى المغسلة.
توقفنا أنا وزملاء الزنزانة حائرين، ولمح حيرتنا شاويش بوابة العنبر، فأتى إلينا يطمئننا أن «الباش شاويش»، وهو يسلّم الوردية، أبلغه أن يعطي الروب لـ«هادي يا هادي»، الذي يخرج مبكرًا من زنزانته ليبدأ عمله بالمغسلة، يغسله ويعيده إلينا بعدما يجف.
وعقب ضاحكًا على ظننا بأن أحدهم سرق الروب، قائلًا: «ما تخافوش.
هنا الحرامية بياخدوا إجازة من الشغل لغاية ما يخرجوا! ».
بعد يومين، عند العصر، بينما أهم بمغادرة زنزانة عيادتي لدخول زنزانة أربعتنا تأهبًا لإعطاء «التمام» وإغلاق الزنزانات، سمعت صوت هادي وهو يردد لازمته: «يا هادي يا هادي»، ثم سكت إذ أوقفه سمير خارج «العيادة»، وأتى يخبرني أن «هادي الملعون» يحمل بين يديه «لفة»، ويقول إنها «أمانة» يريد تسليمها لي.
استوقفني تعبير «هادي الملعون»، وقلت لسمير أن يدخله.
ودخل هادي يحمل الروب مطويًا بين يديه، ولم يكن في حاجة إلى خلع حذاء أو شبشب أو أي شيء في قدميه، إذ هما، وكما يُريان دائمًا، حافيتين، مبيضتي الجلد المتجعد والمتهرئ بتأثير سنين من النقع في البلل، تحت أرجل بنطلون السجن الأزرق الكالح المشمر حتى ركبتيه.
أخذت منه الروب، وحاولت أن أعطيه مقابل عمله، وإذ به، بكلماته اللاهثة وصدره الخافق وتقطع أنفاس مريض ربو مزمن، لا يريد نقودًا، بل أن أكتب له:«خم.
خم.
خَمس جوا.
جوا.
جوابات.
تـ.
تـ.
تظلم.
لرئيس.
رئيس النيابة! ».
كان سمير معتادًا أن يقف بقربي، فأشر له بالابتعاد، ووجدته يبتسم بسخرية، بينما هادي يصر على رفضه أخذ نقود ويستبدلها بأن أكتب له جوابات التظلم الخمسة تلك.
ونظرًا لبدء طرقات مفتاح بوابة العنبر الحديدي الكبير على حديد البوابة، وصوت أحد الشاويشية يرفع صوته: «كل واحد على زنزانته.
التمام ها يبدأ»، أنهيت الجدل مع هادي موافقًا أن أكتب له «جواباته الخمسة» تلك.
فخرج، وخرجنا أنا وسمير من زنزانة «العيادة» ليغلقها عسكري التمام، وكان يلح عليّ خاطر أن أسأل سمير: لماذا يصف ذلك المسكين بأنه ملعون؟ ! ولماذا يسخر منه؟ !لكن صفارة بدء التمام دوت، فأسرع سمير إلى زنزانته في الطابق الثاني، ودخلت أنا زنزانة أربعتنا المجاورة، أحمل الروب ديشمبر الذي عاد يحمل دفء الشمس، وتفوح منه رائحة النظافة.
في الصباح التالي، وبعد فتح أبواب الزنزانات للخروج إلى الحمامات ابتداءً من السابعة، ثم فتح بوابة العنبر للتريض في ردهة العنبر أو الحوش، أو البقاء في الزنزانات مفتوحة، خرجت إلى زنزانة «عيادتي»، ووجدت سمير قد سبقني إليها، كومرجي محترف!بينما لم يكن احترافه الذي أدخله السجن سوى «تعدد جرائم النشل».
اختاره لي الشاويش الضخم الأكول الضاحك، المشهور باسم «كوزا الموزا»، ليساعدني في العيادة لأنه «واد نضايفي خفيف ورِئم، وأمانته مضمونة»، وقد كان كذلك بالفعل.
وجدته يجلس متربعًا على حافة البرش قرب الباب.
ألقيت عليه تحية الصباح، فنهض وأفسح لي المكان لأدخل وأجلس في الركن، بجوار رفي كتبي وأدواتي الطبية، المكونين من قفصي جريد أتى بهما سمير.
ناديته وسألته: لماذا يقول عن المسكين «هادي يا هادي» إنه ملعون؟بدا سمير متململًا وضائقًا بما تحمله الإجابة، وقال بامتعاض وغضب مكتوم، بينما تنقلب الضاد دالًا، والصاد سينًا، والطاء تاءً في لهجته:«دا واخد خمستاشر مُشدد في أضية وسخة.
أوسخ أضية».
ولما سألته عما تكون أوسخ قضية هذه، أخبرني أنها «أضية هتك عرض طفل صغير.
واللا هو طفله.
عيلة».
ذهلت.
لم أستطع تصديق أن هذا البائس «هادي» قد فعل ذلك الجرم الذي يشمئز منه حتى المجرمون.
وأضاف وهو يهز رأسه بألم ونفور:ولما كانت لدي «صحوبية مرحة» مع الشاويش «كوزا الموزا»، سألته عن قضية هادي، فأكد لي ما أخبرني به سمير، وأضاف ما أفزعني.
قال إن «هادي» محكوم بخمسة عشر عامًا «أشغال شاقة»، قضى منها خمس سنوات بدأها بشهر واحد في ليمان طرة، وعندما عرفت قضيته بين مساجين التأبيدة في الليمان، الذين لا يهمهم أن يعاقَبوا بتأبيدة ثانية أو ثالثة، حيث لا أمل لهم في الخروج أحياء من سجن تأبيدتهم الأولى، هؤلاء عندما علموا بتهمة هادي، فتكوا به، وأوسعوه لطمًا وركلًا، واغتصبوه بعصا، فكاد يموت لولا نقله مخفورًا إلى القصر العيني.
عملوا له عملية كبيرة، ومكث شهرًا في المستشفى حتى تعافى، لكن «عقله اتلحس»، فحولوه إلى سجن المنصورة لقربه من محل إقامة أهله في قرية من نواحي دمياط، ظنًا أنه لن يعيش طويلًا، لكنه عاش «بربع عقل».
وفي مسلسل كابوسي معتم، وضح لكوزا الموزا أنني تفاعلت معه بانقباض، فأراد أن ينهيه بما ظن أنه يخفف انقباضي، فاستطرد يقدم لي ما يراه طرفة في هذا الهم كله.
أخبرني أن هادي، ككل المساجين العاملين بالمغسلة، يحصل على مبلغ يحول له شهريًا إلى كانتين السجن، ليشتري منه ما يريد من أطعمة وأشربة أو صابون أو سجائر.
كما أنه يكسب من عمل إضافي نظير قيامه بغسل ملابس «ملكي» غير ملابس السجن لبعض المساجين، لكنه ينفق هذا كله في شراء ورق وأظرف وطوابع بريد، لزوم جوابات يكتبها له أحد المساجين، مقابل أن يشتري له هادي شيئًا من الكانتين، ثم يرسلها لرئيس النيابة، أي رئيس نيابة، مطالبًا بخروجه من السجن لأنه «مظلوم».
بعد يومين من إحضار هادي للروب نظيفًا جافًا ومطويًا بعناية، جاءني في «العيادة» يحمل كيسًا باليًا من القماش، فتحه وأخرج كدسة من أظرف الرسائل، وكدسة أخرى من الورق الخالي، ثم مجمع طوابع بريد، واستل من كل ذلك خمسة أظرف وخمس أوراق وخمسة طوابع، وناولني إياها طالبًا أن أكتب له خمس رسائل لرئيس النيابة يطلب «الإفراج عنه لأنه مظلوم».
كان سمير يقف معنا وسط الزنزانة بجوار هادي ويبتسم بهزء، فطلبت منه أن يتركنا.
جلست، ودعوت هادي للجلوس بعد أن أخذت منه مكونات رسائل تظلمه الخمس التي يريدني أن أكتبها.
ظل واقفًا يتلفت بحيرة وما يشبه الخوف، فمددت يدي شادًا يده ليجلس.
كنت أجلس على «البورش» متربعًا، وجلس أمامي محاولًا أن يتربع، لكنه لم يستطع، وفي محاولته المتلوية للتربع لمحت بفزع تشوه جلد قدميه الحافيتين، وقد ابيض متجعدًا متهرئًا بأثر «النقع» لسنوات في البلل الحار بأرضية المغسلة.
ظل يتلوى ويتلفت في جلسته، فمددت يدي وربت على كتفه، ثم شددت ذقنه نحوي لينظر إليّ، فسكن وبدا أنه هدأ أو كبت ذعره في داخله.
حاولت فتح حديث معه أطل منه على داخله الملتبس الذي يثير فضولي، فلم أحظ منه إلا بأنه يريد خمسة جوابات لرئيس النيابة للإفراج عنه لأنه «مظلوم! ».
يئست، فنهضت واقفًا، ورأيته ينهض بطريقة غريبة تؤكد عطب مفاصل ساقيه؛ يرتكز أولًا على أربع، ثم يتساند بيديه على ساقيه حتى يقف.
ولم يكن يبدي أية علامة على الألم، بينما تصرخ بالألم طقطقة مفاصله وهو يرتفع بجذعه المنحني، ويقف أمامي لاهثًا تتقطع أنفاسه.
ربت على كتفه المتهدل أطمئنه أنني سأكتب رسائله الخمس لرئيس النيابة، فمضى متلفتًا، وما إن خرج إلى ردهة العنبر حتى سمعت نداءه يرن بين بلاط العنبر والجدران الصماء والدرج الحديدي:«يا هادي.
يا هادي.
يا هادي».
ووضعني رنين ندائه الآلي، الذي يبدو خاليًا من أي انفعال، موضع تساؤل محير: هل هو جانٍ حقيقة وارتكب واعيًا ذلك الإثم البغيض الهائل؟ أم أنه مختل عقليًا من البداية وارتكب ما ارتكبه من فظاعة وهو في غياهب الاختلال، فكان يستحق إيداعه في مصحة أمراض عقلية لا سجنًا رهيبًا لعتاة الإجرام؟سؤال ظل يحيرني، حيرة لم تغادرني منذ ذلك الحين، وكانت مباشرة الإيلام فترة حبسي في سجن المنصورة، التي لم يمض يوم منها دون سماعي لنداء ذلك البائس، يردده في هرولته حافيًا مبتلًا شبه عارٍ:نداء يبدو بسيطًا واضحًا، لكنه من هذه النفس البشرية، بل حطام هذه النفس، لم أره إلا نداءً للرحمن الرحيم، أن يرفق به من ظلمات نفسه التي ارتكبت أبشع الإثم، إن كان قد ارتكبه، أو ينتشله من مظلومية حلت به في عالم مدجج بمكر مستمرئي الآثام، يرتكبونها ويلبسون غيرهم من المساكين أوزار ارتكابها.
راحت الأيام تمضي بي في السجن وتتمادى، وبدأت ألاحظ كوني لم أعد أنفعل برنين نداء هادي «يا هادي» كلما مر بي، وكففت عن كتابة رسائله العبثية للريح، ربما بتأثير استطالة سجني وشؤم مطالبة النيابة لي بالمؤبد كمتهم أول في أحداث انتفاضة يناير 77 بالمنصورة.
تملكني اليأس لاحتمال تخلفي عن امتحان التخرج، ومع ذلك لم أكف عن قراءة كتب الطب بشغف، شغف غير مسبوق، لا مرجع له ولا حافز إلا عملي الطبي «الودي» في هذه «العيادة» الزنزانة، الذي توسع ليشمل استشارات طبية تخص أمراض نساء وأطفال بعض المساجين، بل وصل إلى تغاضي إدارة السجن عن قيامي بتوقيع أكثر من كشف على رضع وأطفال عبر كوة في بوابة السجن الصماء، يزاح غطاؤها لأمد يدي وسماعتي الطبية عبرها لأكشف على رضيع أو طفل تحمله أمه خارج البوابة.
سبعة أشهر كانت هذه العيادة الزنزانة وهالتها هي مجد روحي، وأساس نجاحي بشكل غير مسبوق في امتحان التخرج.
قبل امتحان التخرج بثلاثة أشهر عرضت قضيتنا في محكمة استئناف المنصورة، وتطوع للدفاع عني وعن زملائي الثلاثة في الجلسات الأولى الدكتور عصمت سيف الدولة، أما المرافعة النهائية فكانت مشهودة للجليل النبيل الأستاذ أحمد نبيل الهلالي، واستمرت مرافعته – عني تحديدًا – عدة ساعات، إذ كان موقفي معضلًا لأنني لم أرفض فقط نصيحة بعض المحامين المحليين بإنكار مشاركتي في التظاهر، بل أكدت أنني شاركت وسأشارك في التظاهر السلمي كحق دستوري للتعبير عن الرأي، فحملني قرار الاتهام كل ما نتج عن أحداث هذه الانتفاضة كمحرض، وطلبت لي النيابة عقوبة السجن خمسة وعشرين عامًا.
وأتذكر أن النبيل أحمد نبيل الهلالي، في منتصف المرافعة، اعتذر للمحكمة عن الإطالة، فرد عليه القاضي الجليل:«كمّل يا أستاذ نبيل.
إحنا جايين نسمعك».
وصدر الحكم ببراءتي وبراءة زملائي الثلاثة، فدوى التصفيق والهتاف من الحشد الكثيف داخل المحكمة وخارجها، وحتى أطراف حي «المختلط» العريق بمدينة زهرة العمر ومناط الحنين.
خرجت من السجن قبيل بدء امتحانات التخرج بثلاثة أشهر، وقدمت أفضل أداء لي في سنوات دراستي – النافرة والنزقة – كلها، ويقيني أن مذاكرتي وملامستي للطب عبر تلك العيادة الزنزانة كانت ركيزة هذا النجاح.
ثم بدأت سنة «الامتياز» في مصحة صدر دمياط.
وبعد شهر واحد قرر الدكتور محمد عبدالله، مدير المصحة، أنني قادر على القيام بعمل العيادة الخارجية منفردًا، وأدرجني ضمن النواب والأخصائيين في جدول المسؤولية عن المصحة كلها في المناوبات الليلية.
أما هديته المذهلة، فكانت منحي مفتاح استراحة مدير المصحة لأقيم فيها، قائلًا لزملائي الذين كانوا كلهم من دمياط:«دا له مزاج خاص.
سيبوه لوحده».
وفي هذه الاستراحة البديعة، التي تحمل فخامة أزمنة مضت، وتطل على حديقة صغيرة لأجمل الشجيرات والزهور، كتبت معظم أقاصيص كتابي الأول «الآتي».
وللغرابة، وكأنما بمفارقة استدعاء الفرح للأسى، عادني في هذا النعيم سماع أصداء ذلك الصوت ترن في فضاء عنبر السجن:ظل هذا الرنين، الذي يختلط فيه اللعن بالإشفاق، يطاردني، ولم أحسم موقفي منه إلا في أبعد مكان عشت به لبضع سنوات، ببلد آخر وقارة أخرى.
فأثناء عملي ودراستي في «كييف»، بمستشفى «بافلوف»، توطدت صداقة أبوية مع أستاذ طب نفسي روسي عجوز، لم يكن المشرف على رسالتي، لكنني كنت أرجع إليه دائمًا، وقد دعاني لأصحبه في مهمة خاصة جدًا، ضمن باقة من الطبيبات والأطباء دارسي الماجستير والدكتوراه.
بعد مسافة ووقت من السير في الغابة كثيفة النباتات وسامقة الأشجار، فوجئت ببناية بيضاء! لم أعرف بوجودها ولم أسمع بها، رغم مضي سنة ونصف على وجودي في المكان.
كانت سجنًا أبيض في أبيض؛ بياضًا صامتًا يلون أبوابه المصفحة، وقضبان نوافذه، وهياكل وقضبان أقفاص استحضار نزلائه للفحص النفسي.
كما كانت ثياب العاملين به بيضاء، وكذلك ثياب نزلائه مرتكبي جنايات يشك في ارتكابهم لها تحت تأثير المرض العقلي.
أحضروا موضوع «النقاش الإكلينيكي» ليجلس في قفص وراء قضبان بيضاء لا تحجبه عنا، ولا تعيق نقاشنا معه، إذ كنا نجلس على مقاعد – بيضاء أيضًا – في مواجهة ذلك القفص.
كان شابًا أشقر عشرينيًا، وسيمًا، بجسد رياضي فارع، وكان البروفيسور قد أخبرنا بتهمته قبل إحضاره إلى قفص المناظرة.
تهمة فظيعة لا يرتكبها إلا شيطان، بل شيطان مجنون.
فقد ركب قطار الليل، الذي يتوقف متمهلًا في محطات متباعدة، وخلال توقف القطار في كل محطة يهبط ويدخل أقرب بيت يصل إليه، يقتل إنسانًا أو أكثر في ظلمة الليل، ويعود هادئًا إلى القطار، حتى محطة تالية، وقتلى آخرين.
قتل اثني عشر إنسانًا في ليلة واحدة، بين إناث وذكور، معظمهم مسنون وأطفال.
وعندما قبض عليه لم ينكر ما ارتكبه، لكنه لم يجب عن السؤال الأهم:وقد وجهه إليه البروفيسور، فهز رأسه بامتعاض بارد، بل حتى بتبلد.
وعندما راحت الأسئلة من مجموعتنا تحاول استفزازه بتذكيره أن ما ارتكبه سينتهي به إلى الإعدام، ظل على امتعاضه وبروده وتبلده.
لا أعرف لماذا لم أشارك في توجيه الأسئلة إليه، ربما لأنني كنت غارقًا في تأمل مظهره الوسيم والمتناقض مع بشاعة جريمته متمادية التوحش.
أنهى البروفيسور والزملاء سؤاله، وحضر رجلان قويّا البنية في ثياب تمريض بيضاء، قاداه بطريقة تشل حراك ذراعيه وكتفيه لإخراجه من القفص، والذهاب به إلى غرفته الانفرادية المصفحة البيضاء في الداخل.
وأطبق علينا الصمت، وتركه البروفيسور مطبقًا لبضع دقائق، ثم فتح باب النقاش لتشخيص الحالة.
استمر النقاش لبعض الوقت دون أن أشارك فيه، وطال صمتي لأنني كنت بعيدًا، أتفرس في امرأة تقف وراء قضبان نافذة بغرفة «عزل» بقسم الحريم بمستشفى العباسية، الذي بدأت نيابة التخصص به، منتويًا مجاذبة الحديث معها لإرواء فضولي تجاه غرابة وتوحش جريمتها، التي كانت حديث الصحافة والناس حينها.
لقد قتلت زوجها، وقطعت جسمه وعبأت أجزاءه في أكياس، راحت تتخلص منها في صناديق القمامة وفي الأركان المهجورة.
كانت ممتلئة، بيضاء محمرة، تمضغ – بآلية – شيئًا تأكله، ناظرة إلى اللاشيء عبر قضبان نافذة عزلها.
وأذكر جيدًا أن رؤيتي لها كانت تضعني في حالة وجدانية غريبة، تغمرني بشعور مقبض، أخرس، دفعني إلى الانصراف مغمومًا.
وعندما سألني البروفيسور عن تشخيصي لذلك الشاب القاتل السفاح، نزيل السجن الأبيض الروسي، وجدت نفسي أستعيد ما شعرت به حيال تلك المرأة وراء القضبان، البيضاء أيضًا، في مستشفى العباسية.
نفرني تبلدها، وظل يشعرني بالنفور كلما تذكرتها.
ووجدت إحساسي بها يطابق إحساسي بذلك القاتل المتسلسل الشاب الروسي الأشقر البارد.
«لا أدري.
لم أحس به.
لم أحبه ولم أكرهه.
لكنني وددت لو يختفي من أمامي، أو أمضي بعيدًا عنه! ».
قلت ذلك، فوجدت البروفيسور يقطب بجدية، مشيرًا بسبابته نحوي، فترقبت ما سيقوله.
وكعادته عندما يوشك أن يقول شيئًا مهمًا علينا أن ننتبه إليه، أطرق البروفيسور برأسه صامتًا لبرهة من الوقت مع صمتنا، ثم رفع رأسه، ولاحت لنا ملامح جديته عندما يريدنا أن نصغي بتركيز لما سيقول.
بتمهل، ثم بانطلاق، أخذ يشرح أنه في حالات نادرة من الفصام، لا يعثر الطبيب النفسي على أي عرض كلاسيكي من أعراض الفصام يشخص به المريض، لكنه إذا أحس به وكأنه يطل عليه «من وراء حاجز زجاجي سميك»، باردًا إن حكى أو صمت، فعليه أن يضع تشخيص الفصام الجسيم نصب عينيه، ويتابع الحصول على بقية أعراضه.
يومها كنت مغتبطًا أن أستاذي الصديق رأى في «اللا إجابة» التي أبديتها شيئًا ذا قيمة تشخيصية، لكنني فكرت حينها:ليكن أن هذا القاتل فصامي، فصامًا جسيمًا، باردًا، أو ميت الروح حد البشاعة.
ما هي عقوبته على قتل اثني عشر إنسانًا بلا سبب، وببرود ميت حي «زومبي»؟زومبي مسخه الفصام، أو سحره سحرة الفودو، فصار أداة قتل بليدًا متسلسلًا، مذبحة، ويمكن أن يكرر المذبحة؟وبرغم أن الزومبي في موروث «هايتي» هو جانٍ، ضحية وأداة لا واعية لساحر شرير، إلا أنهم – وحتى لا يكرر القتل دون وعي أو إرادة – كانوا يقطعون رأسه، أو يحطمونها، ويحرقون جسده لمنع عودته، أو يطعمونه الملح حتى يستعيد وعيه المفقود، فيموت من هول الإحساس ببشاعة ما ارتكب.
قلت ذلك للبروفيسور، فهز رأسه وأطرق مليًا، ثم رفع رأسه يحدثني ويُسمع الجميع:«نحن هنا لنشخص، لا لنعاقب، هذا دور القضاء.
لكن، منطقيًا، يتحتم منع هذا" الكائن" من تكرار القتل، بعزله في سجن جنائي أو مصح نفسي، وتشخيصنا هو الذي سيرجح حكم القضاء في اختيار أحد السجنين له، فعلينا أن ندقق البحث، ونكرره، حتى نطمئن إلى قرار».
وهنا.
أتاني من بعيد، بعيد، رنين ذلك النداء، بين جدران وبلاط وقضبان عنبر سجن المنصورة:الرسم للفنانة الألمانية كاته كولفيتز (1867 – 1945):اشتهرت برسوم الفقراء، والسجناء، والثكالى، وضحايا الحرب، والجوعى.
فقدت ابنها في الحرب العالمية الأولى، ثم حفيدها لاحقًا، فتحولت أعمالها إلى مراثٍ إنسانية.
كانت تنتمي إلى «المدرسة التعبيرية»، لكنها لا تستخدم صخب الألوان، ومعظم أعمالها بالفحم، فباتت أقرب إلى الألم الصامت، ووُصفت بأنها:«ضمير إنساني مرسوم بالفحم».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك