الرباط –« القدس العربي»: اختار حزب «التجمع الوطني للأحرار» مدينة فاس لإطلاق أولى محطات جولته في عدد من المدن والأقاليم لتقديم برنامجه للمرحلة المقبلة استعدادًا لانتخابات أيلول/ سبتمبر، واعتمد هذه المرة أسلوب التشويق من خلال الكشف التدريجي عن التزاماته قبل عرض البرنامج الكامل لاحقاً، والذي سيتوزع عبر أربعة محاور ضمن «الدروع الاجتماعية» وفق تسميته.
ويرى متابعون أن الحزب الذي يقود التحالف الحكومي الحالي تبنّى خطاب المعارضة في شكل برنامج، ووضع على رأسه القدرة الشرائية، وتشجيع الادخار لفائدة العاملين في القطاع غير المنظّم، وتحسين الأجور ومعاشات التقاعد، وتخفيف أعباء التعليم على الأسر.
كما أكد مواصلة دعم الدولة الاجتماعية والحماية الاجتماعية والعدالة المجالية (تحقيق العدالة التنموية بين الأقاليم).
وسجل بعض المراقبين أن هذا التوجه يعكس تحولاً مقارنة ببرنامج 2021 الذي ركز على التشغيل والنمو الاقتصادي، بينما يضع اليوم القدرة الشرائية وتحسين مستوى العيش ودعم الطبقة المتوسطة في صدارة الأولويات، رغم استمرار الغموض بشأن تفاصيل التمويل وآليات التنفيذ.
ولم يمر هذا الحدث مرور الكرام، خاصة أنه اعتبر بداية فعلية للتحركات السياسية والاستعدادات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فقد أثار الكثير من الجدل، وكان النقاش بخصوص الوعود أكثر منه حول البرنامج، واستحضر مدونون في مواقع التواصل الاجتماعي تصريح رشيد الطالبي العلمي، القيادي في الحزب الذي يشغل حالياً منصب رئيس مجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان المغربي)، حين أكد خلال الحملة الانتخابية لسنة 2021 أن الحزب إذا لم يفِ بوعوده «اضربونا بالحجر»، وهو التصريح الشهير الذي تحوّل إلى لازمة لدى منتقدي وعود الحزب صاحب شعار «الحمامة»، ويستحضر بشكل متكرر للتشكيك في مصداقية الوعود الانتخابية عمومًا وفي مدى قدرة الأحزاب على تنفيذ برامجها بعد الوصول إلى السلطة.
على مستوى بعض الأوساط السياسية والإعلامية، فقد انقسمت المواقف بين من يرى في المقترحات الجديدة استجابة للتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها المواطنون، وبين من يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتقييم حصيلة الولاية الحكومية الحالية قبل تقديم وعود جديدة للمستقبل.
ويبدو الفرق بين السياقين واضحًا، ففي انتخابات 2021 قدّم حزب «التجمع الوطني للأحرار» نفسه كبديل حكومي، واعتمد خطابًا يركز على خلق فرص العمل وتحفيز الاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي، بينما يرتكز الخطاب الحالي بشكل أكبر على حماية القدرة الشرائية وتحسين مستوى المعيشة ودعم الطبقة المتوسطة وتعزيز آليات الحماية الاجتماعية، وهي ملفات تشكل محور انتقادات توجهها المعارضة وفئات عريضة من الرأي العام للتدبير الحكومي خلال الولاية التي شارفت على الانتهاء.
وأكد الحزب أن البرنامج الجديد ثمرة سنوات من اللقاءات الميدانية والإنصات للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، كما يستند إلى تجربته في تدبير الشأن الحكومي خلال الولاية الحالية وإلى التحديات الجديدة التي يواجهها المجتمع المغربي.
ويركز الحزب الحكومي على ملف القدرة الشرائية باعتباره أولوية المرحلة المقبلة، معلنًا ما يصفه بمشروع متكامل لحماية الأسر المغربية من آثار ارتفاع تكاليف المعيشة.
وجاء أول محور ضمن ما سماها «الدروع الاجتماعية»، وهو «درع القدرة الشرائية»، الذي يهدف إلى حماية الأسر من آثار الغلاء وتقلبات الأسعار وتعزيز قدرتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
أما المحور الثاني فهو «درع الادخار»، الموجه أساساً للعاملين في القطاع غير المنظم والفئات التي لا تستفيد من آليات الادخار والحماية الاجتماعية التقليدية، بهدف تمكينها من أدوات تساعدها على تأمين مستقبلها الاقتصادي.
ويتعلق المحور الثالث بـ «درع الأجور والتقاعد»، حيث أعلن الحزب عزمه مواصلة العمل على تحسين الأجور وتعزيز معاشات التقاعد وتقوية أوضاع الطبقة المتوسطة.
أما المحور الرابع فهو «درع التعليم»، الذي يهدف إلى التخفيف من الأعباء المالية التي تتحملها الأسر المغربية في مجال التعليم ومواكبة تمدرس الأبناء في ظروف أفضل.
ويرى مراقبون أن البرنامج الجديد يجب أن يسبقه تقييم موضوعي لمدى تنفيذ الالتزامات التي قدمها الحزب خلال انتخابات 2021، خاصة تلك المتعلقة بخلق فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية ودعم الطبقة المتوسطة.
ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن أي وعود جديدة يجب أن تكون مرفقة بحصيلة مفصلة توضح ما تحقق وما لم يتحقق والأسباب التي حالت دون تنفيذ بعض الالتزامات.
وتمحورت بعض الانتقادات حول موضوع القدرة الشرائية، إذ يرى المنتقدون أن الحزب الذي يضع اليوم هذه القضية في مقدمة أولوياته هو نفسه الذي كان في صلب الجدل خلال الولاية الحكومية الحالية بسبب ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية وتأثر الأسر المغربية بموجات التضخم التي عرفها الاقتصاد العالمي.
ويتساءل هؤلاء عن مدى قدرة البرنامج الجديد على تقديم حلول مختلفة عما جرى اعتماده خلال السنوات الماضية.
ومن الملاحظات الأخرى التي يسجلها المنتقدون تلك المتعلقة بطبيعة المقترحات المعلنة نفسها، حيث يعتبرون أن ما تم تقديمه إلى حدود الآن يظلّ في إطار العناوين العامة والمبادئ الكبرى، في حين لم يقع بعد الكشف عن التفاصيل العملية المرتبطة بكيفية التنفيذ أو حجم التمويل أو عدد المستفيدين أو الكلفة المالية للإجراءات المقترحة.
ولذلك يرى هؤلاء أن الحكم النهائي على البرنامج يظل سابقًا لأوانه إلى حين الإعلان عن الصيغة الكاملة والتفصيلية للالتزامات.
في الجهة المقابلة، يقف أنصار الحزب للدفاع عن حصيلته، ويؤكدون أن تقييم التجربة الحكومية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية التي عرفها المغرب والعالم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك تداعيات الجفاف المتكرر وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية عالميًا وتأثيرات الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى الأوراش الاجتماعية الكبرى التي أطلقتها الدولة وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر وإصلاح القطاع الصحي والحوار الاجتماعي الذي أفضى إلى تحسين أجور عدد من الفئات.
ويخلص مراقبون إلى أن النقاش حول البرنامج الجديد لا يتمحور فقط حول محتوى المقترحات المعلنة في فاس، بل يرتبط أيضًا بالسؤال الذي يطرحه جزء من الرأي العام: هل كانت حصيلة الوعود السابقة كافية لتبرير إطلاق وعود جديدة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك