رغم إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بينهما ويشمل جبهة لبنان بين إسرائيل وحزب الله، رفضت إسرائيل الانسحاب من لبنان.
وسرع الجيش عمليات إخلاء أكبر عدد من قرى جنوب لبنان حتى نهر الليطاني واحتلالها بحجة إنشاء منطقة عازلة لحماية شمال إسرائيل من هجمات حزب الله.
وشملت أوامر الإخلاء أكثر من 100 قرية في جنوب النهر وشماله.
وبعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلبه من إسرائيل وقف إطلاق النار مع لبنان، وليس الانسحاب، رد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالقول إن قواته ستبقى في جنوب لبنان ولن تنسحب منه.
وكشف وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن مخطط لاحتلال منطقة" أمنية" حتى شمال نهر الليطاني على مساحة 10% من الأراضي اللبنانية.
ونشر الجيش الإسرائيلي خريطة على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر خطا أحمر، ومنع السكان من العودة إلى المنطقة الواقعة بين الحدود والخط الذي يشمل منطقة نهر الليطاني والوديان المحيطة به على مسافة 30 كيلومتراً من الحدود التي وسّعها مرة أخرى ليشمل منطقة جنوب نهر الزهراني، على بعد نحو 40 كيلومتراً من الحدود، ودمر الجسور فوق نهر الليطاني لعزل المنطقة الواقعة جنوب النهر عن بقية أنحاء البلاد.
وقال إنه عندما ينتهي القتال مع حزب الله، سيحتل المنطقة الواقعة أسفل الليطاني وسيهدم جميع البيوت في المنطقة وفقاً لنموذج رفح وبيت حانون في غزة.
أطماع إسرائيلية علنية في لبنانبعد احتلال جيش إسرائيل جنوب لبنان، نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل، عن ثمانية عشر نائباً متشدداً ينتمون إلى أحزاب الليكود وعوتسما يهوديت والصهيونية الدينية كتبوا رسالة إلى الحكومة يرفضون فيها الخطة العملياتية للجيش الإسرائيلي الرامية لإنشاء منطقة عازلة على شريط ضيق قرب الحدود في جنوب لبنان، ويطالبون بدلاً من ذلك بـ" احتلال والسيطرة الكاملة" على أراضي الجنوب حتى نهر الليطاني شمالاً، و" إجلاء" السكان المحليين بشكل كامل، ووضع أهداف من شأنها إحداث تغيير جذري في لبنان، بما في ذلك الاحتلال الكامل حتى نهر الليطاني والإجلاء الكامل للسكان".
وبالتزامن، قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن التركيز الإسرائيلي المستمر على جنوب لبنان ونهر الليطاني لا يمكن فهمه من زاوية التطورات العسكرية الراهنة فقط، بل يعكس رؤية إستراتيجية عميقة تشكّلت عبر عقود، يتداخل فيها الهدف الأمني بالمائي والجغرافي لرسم السياسات الإسرائيلية تجاه المنطقة.
وفي شهر إبريل الماضي، كتبت حركة تدعى مشروع بريطانيا فلسطين، وهي حركة بريطانية تدعو إلى المساواة في الحقوق بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مقالا بعنوان، هوس إسرائيل بنهر الليطاني اللبناني: هل هي نكبة أخرى في طور التكوين؟ قالت فيه إن عشرات المقالات الإسرائيلية الحديثة حول جنوب لبنان تشير إلى وجود إجماع واسع بشأن وضع نهر الليطاني ومستقبله.
ويُعبَّر عن هذا الإجماع غالبًا بكلمتين من أكثر الكلمات العبرية إثارةً للقلق وهما، " لا خيار"، أي أنه لا بديل عن احتلال جنوب لبنان والوصول إلى الليطاني، وجعله الحدود الشمالية الجديدة لإسرائيل.
وعندما وصلت القوات الإسرائيلية إلى نهر الليطاني في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، خرجت في نفس التوقيت حركة يمينية متطرفة تُدعى" أوري تسافون" تضم من بين قادتها شقيق سارة نتنياهو، تطلق على جنوب لبنان" الجليل الشمالي" وتدعو إلى سيطرة الجيش على المنطقة حتى النهر وإقامة مستوطنات هناك.
وتدعي أن نهر الليطاني ذكر في الكتاب المقدس بوصفه خطا حدوديا وامتدادا لنهر الفرات وأن نبي الله موسى وصف المنطقة بقوله أنها" أرض فيها جداول وأنهار وينابيع عميقة تتدفق إلى الوديان والتلال" وقال في سفر يشوع" من البرية وهذا لبنان إلى النهر الكبير، نهر الفرات، وإلى البحر الكبير عند مغرب الشمس يكون تشعبكم" وفق المقال.
أطماع ما قبل الاحتلال في نهر الليطانيلم تكن أطماع الكيان الصهيوني في نهر الليطاني وليدة معركة طوفان الأقصى وعقابا لحزب الله على انخراطه فيها إسنادا لقطاع غزة.
ويدرك الجيش أن احتلال جنوب لبنان لن يوفر منطقة عازلة من هجمات حزب الله، لأن الأخير يطلق المسيرات والقذائف من مناطق بعيدة في شمال نهر الليطاني.
ولكن الأحلام الإسرائيلية في جنوب لبنان، أو" الجليل الشمالي" كما تسميه طمعا في مياه النهر وسهوله الخصيبة قديمة ومستمرة من قبل إعلان قيام الدولة في سنة 1948.
وبعد الحرب العالمية الأولى، أرسل حاييم وايزمان، زعيم الصهيونية وأول رئيس لإسرائيل، رسالةً إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ديفيد لويد جورج، قال فيها إن المنظمة الصهيونية العالمية تعتبر السيطرة على وادي نهر الليطاني أمراً أساسياً للوطن القومي اليهودي.
وكتب ديفيد بن غوريون في سنة 1919 يقول إن نهر الليطاني الذي يسميه العرب نهر القاسمية هو الخط الفاصل بين جزئي الأرض، لذا، ينبغي أن يكون هو الحدود الشمالية لأرض إسرائيل.
وكتب الجغرافي أبراهام براور في كتابه" جغرافية أرض إسرائيل" الصادر في 1929 أن الحدود الشمالية ينبغي أن تكون وادي عيون ونهر القاسمية، أي نهر الليطاني.
وفي عام 1941، اجتمعت لجنة دولية منبثقة عن الانتداب البريطاني لدراسة مقترحات لإعادة تخصيص موارد المياه الإقليمية، وأوصت بتأجير 84% من مياه نهر الليطاني في لبنان لدولة يهودية محتملة لدعم الري والتنمية الاقتصادية.
وحاول ديفيد بن غوريون إقناع بريطانيا بضم نهر الليطاني بما هو حدود فاصلة طبيعية لدولة يهودية مستقبلية، وزعم أن لبنان لا يستغل مياه النهر الذي يوفر الاحتياجات الزراعية لدولة اليهود المزعومة، ولكن معارضة العرب أفشلت المقترح.
وفي سنة 1943، أنشأت الوكالة اليهودية مكتب الأبحاث المائية، وجعلت فيه وحدة مختصة بنهر الليطاني.
في سنة 1946، زارت بعثة زراعية أميركية جنوب لبنان وأقامت دراسات مسحية وهيدرولوجية لنهر الليطاني والوديان المحيطة به.
وأوائل الخمسينيات، أعلن خبراء صهاينة إمكانية ضم النهر لدولة اسرائيل أو تحويل حصة من مياهه إليها.
وفي سنة 1954، وضع المهندس الأميركي جون كوتون خطة لحفر قناة بطول 100 كيلومتر لإعادة توجيه نهر الليطاني عبر وديانه إلى إسرائيل، وهي الفكرة التي تتطلب احتلال جنوب لبنان.
وفي سنة 1982، غزت إسرائيل لبنان ووصلت إلى بيروت، وأعلنت على الفور إنشاء" منطقة أمنية" في جنوب لبنان، واحتلتها لمدة 18 سنة.
وكان أحد تفسيرات الغزو، السيطرة على نهر الليطاني وسرقة المياه.
ثم احتلت القوات الإسرائيلية سد القرعون، على مجرى النهر، ونفذت دراسات مسحية وهيدرولوجية هناك، واستولت على معدات فنية ومعلومات وبيانات هيدرولوجية.
وكشفت تقارير أميركية في تلك الفترة أن المسؤولين الإسرائيليين يحاولون الاستيلاء على جزء من مياه النهر لزيادة موارد المياه الشحيحة في إسرائيل بنسبة تتراوح بين 25 و45%.
وعلى الرغم من أن هذا المخطط لم ينجح بالكامل بسبب التحديات الفنية، إلا أن خبراء الاستراتيجية الإسرائيلية يتحدثون باستمرار عن نهر الليطاني باعتباره ليس فقط عمقاً أمنياً يمنع مقاتلي حزب الله من الانتشار بالقرب من الحدود وتهديد مستوطنات إسرائيل في الشمال، قبل ظهور الصواريخ الحديثة والمسيرات الموجهة، بل على أنه مصدر إضافي محتمل للمياه لإسرائيل على المدى الطويل.
يقول اللبنانيون، إذا كانت مصر هبة النيل، فإن لبنان هبة الليطاني.
وفي سنة 1949، قامت لجنة اقتصادية تابعة للأمم المتحدة تدعى كلاب، بدراسة فرص التنمية في المنطقة، وقالت أن نهر الليطاني هو مفتاح مستقبل لبنان، فهو أطول وأهم أنهار لبنان، ويبلغ طوله 170 كيلومتراً، وتبلغ سعته المائية حوالي 750 مليون متر مكعب سنوياً، تشكل 25% من مياه الأمطار و30% من مياه الأنهار في لبنان.
ومن مميزات نهر الليطاني، أنه نهر لبناني داخلي، يقع بالكامل داخل حدود لبنان ولا يشارك موارده دوله أخرى، ينبع من سهل البقاع في شرق لبنان الأوسط، ويتدفق غرباً ثم جنوباً حتى يصب في البحر الأبيض المتوسط قرب مدينة صور، ويربط المناطق الداخلية بالسهول الساحلية الجنوبية، ورغم هذه المميزات، لم يستثمر النهر وحوضه الاستثمار الأمثل لصالح اقتصاد لبنان.
يمكن اعتبار حوض نهر الليطاني سلة غذاء لبنان، فتبلغ مساحته الكلية 850 كيلومتراً مربعاً، يضم 33% من أراضي لبنان الزراعية، ويقطنه نحو 200 ألف نسمة موزعين في 263 بلدة، يعمل 75% منهم في الزراعة وتربية ماشية اللحم واللبن وتربية نحل العسل وصيد الأسماك.
وتضم هذه المناطق نحو 80% من الحيازات الزراعية الصغيرة في البلاد.
وينتج 97% من الحمضيات و95% من الموز و91% من الزيتون من حوض النهر في الجنوب، وفق بيانات وزارة الزراعة اللبنانية.
وكما كشف عن حقده وهمجيته في غزة، دمر الجيش الإسرائيلي بقنابل الفسفور والمتفجرات 7 آلاف هكتار من بساتين الزيتون، وجرف 11 ألف هكتار من بساتين البرتقال والليمون والموز والعنب والزراعات المحميّة، ومراكز الخضروات والفاكهة ومنتجات اللحوم والألبان ومعاصر الزيتون والخروب ومراكز تبريد المنتجات الزراعية وتجميعها وتخزينها في جنوب الليطاني.
وقتل قرابة 2 مليون رأس من الماشية والدواجن، ودمر 30 ألف خلية نحل ومزارع سمكية بها نحو ألفي طن من الأسماك.
وقدرت منظمات الأمم المتحدة الخسائر الزراعية في الجنوب بأكثر من 530 مليون دولار، وفقدان مواسم الحصاد في 56 ألف هكتار بسبب تهجير المزارعين ومنعهم من الوصول لمزارعهم.
يعتقد البعض أن نتنياهو يسعى بسياسة الإبادة والأرض المحروقة التي ينتهجها جيشه في حوض نهر الليطاني إلى رسم صورة نصر ومجد شخصي للتغطية على هزيمته الفادحة في السابع من أكتوبر.
ولكن تاريخه يؤكد أنه يغازل جمهوراً واسعاً من الناخبين الإسرائيليين المتشددين يطالب باحتلال جنوب لبنان وتهجير السكان والسيطرة على النهر وسرقة المياه باستخدام التكنولوجيا الحديثة في بناء مستوطنات وزراعتها وسرقة خيراتها، على غرار المستوطنات التي أقامها بعد حرب 1967 في سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، ويبدو أنه في سبيل حفاظه على موقعه في السلطة وإفلاته من المحاكمة، لن يتخلى عن مخططه، ولن يعترف بنتائج مفاوضات تفضي لوقف الحرب والتي لا يفوّت فرصة لتقويضها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك