أقر الاتحاد الأوروبي رسميا اتفاقا تجاريا جديدا مع الولايات المتحدة، يقضي بإلغاء الرسوم الجمركية الأوروبية على السلع الصناعية الأميركية، ويمنح عدد من المنتجات الزراعية والبحرية الأميركية وصولا تفضيليا إلى السوق الأوروبية، مقابل تطبيق الولايات المتحدة سقفا جمركيا على شريحة واسعة من الصادرات الأوروبية، مع استثناءات لعدد من القطاعات والمنتجات.
ويأتي إقرار الاتفاق بعد أشهر من المفاوضات والتجاذبات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وفي أعقاب تفاهم سياسي توصل إليه الجانبان في أغسطس/آب 2025، قبل أن يستكمل مساره التشريعي بإقرار اللوائح المنظمة لتنفيذه.
list 1 of 3الرابحون والخاسرون من نسخة ترمب الجديدة للرسوم الجمركيةlist 2 of 3الاتحاد الأوروبي يقر تشريعا لتطبيق الاتفاق التجاري مع أمريكاlist 3 of 3الاتحاد الأوروبي يقر اتفاقه التجاري مع أمريكا قبل مهلة ترمبويكتسب الاتفاق أهمية خاصة أنه يأتي بعد عام اتسم بتصاعد التوترات التجارية بين الجانبين، مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية على عدد من المنتجات الأوروبية، ولوائح بفرض رسوم إضافية على قطاعات استراتيجية، في وقت سعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تجنب تحول الخلاف التجاري إلى أزمة أوسع تمس ملفات الأمن والدفاع والطاقة والعلاقات عبر الأطلسي.
وفيما يلي 5 أسئلة وأجوبة تشرح دوافع الاتفاق، ومن يربح ومن يخسر، وكيف يمكن أن ينعكس على المستهلكين والقطاعات الاقتصادية في ضفتي الأطلسي.
1- ما جوهر الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؟يقضي الاتفاق بإعادة تنظيم عدد من الرسوم الجمركية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إذ يلتزم الاتحاد الأوروبي بإلغاء الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأميركية، ومنح عدد من المنتجات الزراعية والبحرية الأميركية نفاذا تفضيليا إلى السوق الأوروبية، مقابل تطبيق الولايات المتحدة سقفا جمركيا يبلغ 15% على شريحة واسعة من الصادرات الأوروبية، مع استثناءات لعدد من القطاعات والمنتجات.
وبموجب الاتفاق، يشمل الانفتاح الأوروبي عددا من المنتجات الزراعية والغذائية والبحرية الأميركية، من بينها المكسرات، ومنتجات الألبان، والفواكه والخضراوات الطازجة والمصنعة، والأغذية المصنعة، وزيت فول الصويا، ولحوم الخنزير والبيسون، إضافة إلى تمديد الإعفاء الجمركي على واردات الكركند الأميركي (الاستاكوزا)، بما يشمل المنتجات المصنعة منه.
في المقابل، تلتزم الولايات المتحدة بتطبيق السقف الجمركي، مع الاكتفاء بتعرفة الدولة الأولى بالرعاية بالنسبة لبعض المنتجات، مثل الطائرات وقطع الغيار، والأدوية الجنيسة ومكوناتها، وبعض الموارد الطبيعية غير المتوافرة في السوق الأميركية.
ورغم التوصل إلى هذه الترتيبات، فإن الاتفاق لم يحسم جميع الملفات التجارية بين الجانبين، إذ لا تزال الرسوم الأميركية المفروضة على الصلب والألمنيوم ومشتقاتهما محل تفاوض، مع استمرار المشاورات بشأن ترتيبات خاصة أو حصص جمركية لهذه المنتجات.
وتعكس أهمية الاتفاق حجم العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، إذ تمثل التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة نحو 30% من التجارة العالمية في السلع والخدمات، بينما يشكل اقتصاداهما معا نحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
كما تجاوزت قيمة التجارة الثنائية في السلع والخدمات 1.
7 تريليون يورو (نحو 2 تريليون دولار) خلال عام 2025، في حين بلغت الاستثمارات المتبادلة أكثر من 4.
8 تريليونات يورو (نحو 5.
6 تريليونات دولار) في عام 2024، ما يجعل أي تغيير في الرسوم الجمركية مؤثرا في واحدة من أكبر العلاقات التجارية والاستثمارية في العالم.
2- لماذا سارع الاتحاد الأوروبي إلى الموافقة عليها؟يعود تسريع الاتحاد الأوروبي إقرار الاتفاق إلى مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية.
فمن الناحية التجارية، سعت بروكسل إلى تجنب حرب تجارية مع الولايات المتحدة بعد أشهر من التهديدات الأميركية بفرض رسوم أعلى على عدد من الصادرات الأوروبية، من بينها السيارات وقطع الغيار والصلب والألمنيوم والنحاس.
كما رأت أن تثبيت الرسوم الأميركية عند سقف 15% يوفر قدرا أكبر من اليقين للشركات مقارنة باستمرار حالة التصعيد وعدم وضوح السياسات التجارية.
كما ارتبطت الموافقة بطبيعة العلاقة الاقتصادية بين الجانبين، التي تشمل تجارة السلع والخدمات والاستثمارات وسلاسل الإمداد، إذ إن استمرار الغموض الجمركي كان سيؤدي إلى تأجيل قرارات الاستثمار وزيادة الضغوط على الشركات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة.
وإلى جانب ذلك، حضرت الاعتبارات السياسية والأمنية، في ظل ارتباط العلاقات الاقتصادية بملفات أوسع، أبرزها الحرب في أوكرانيا، والتعاون الدفاعي، وأمن الطاقة، وهو ما جعل الحفاظ على استقرار العلاقة مع واشنطن أولوية بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
ويرى أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري، في حديثه للجزيرة نت، أن سرعة الموافقة الأوروبية لا يمكن تفسيرها بالاعتبارات التجارية وحدها، بل تعكس حرص بروكسل على الحفاظ على الدعم الأميركي في الملف الأوكراني، سواء على المستوى العسكري أو الاستخباراتي أو التكنولوجي، وتجنب انتقال الخلاف التجاري إلى هذه الملفات.
من جانبه، يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية ريان رسول، في حديثه للجزيرة نت، إن الاتحاد الأوروبي اختار الاستقرار التجاري على الدخول في مواجهة مع واشنطن، لافتا إلى أن البرلمان الأوروبي أضاف ضمانات تسمح بتعليق الاتفاق إذا أخلت الولايات المتحدة بالتزاماتها، كما حدد مدة سريانه حتى نهاية عام 2029، بما يتيح إعادة تقييمه قبل اتخاذ قرار بتمديده.
3- من الرابح الأكبر في الاتفاق؟تعود جذور الخلاف التجاري بين الجانبين إلى اختلال الميزان التجاري.
ففي عام 2024، حقق الاتحاد الأوروبي فائضا في تجارة السلع مع الولايات المتحدة بلغ نحو 198 مليار يورو (نحو 232 مليار دولار)، مقابل عجز في تجارة الخدمات بلغ 148 مليار يورو (نحو 173 مليار دولار)، ليصل الفائض الإجمالي في السلع والخدمات إلى نحو 50 مليار يورو (نحو 59 مليار دولار)، وهو ما استندت إليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مطالبتها بإعادة التوازن للعلاقات التجارية.
وتشير بنود الاتفاق إلى أن الولايات المتحدة حققت مكاسب على أكثر من صعيد، إذ حصلت على دخول أوسع إلى السوق الأوروبية عبر إلغاء الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأميركية، إضافة إلى تحسين وصول عدد من المنتجات الزراعية والبحرية والغذائية الأميركية إلى الأسواق الأوروبية.
كما تضمن الاتفاق تعهدات أوروبية بزيادة مشتريات الغاز الطبيعي المسال والنفط والمنتجات النووية الأميركية، وشراء ما لا يقل عن 40 مليار دولار من رقائق الذكاء الاصطناعي لمراكز الحوسبة الأوروبية، إلى جانب تشجيع استثمارات أوروبية إضافية في الولايات المتحدة، وتعزيز التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا.
ويرى ريان رسول أن هذه البنود تجعل الولايات المتحدة الرابح الأبرز من الاتفاق، لأن الاتحاد الأوروبي قبل برسوم أميركية تبلغ 15% على شريحة واسعة من صادراته، في حين تدخل معظم السلع الصناعية الأميركية إلى السوق الأوروبية معفاة من الرسوم، معتبرا أن الاتحاد الأوروبي حقق" انتصارا دبلوماسيا بثمن اقتصادي".
في المقابل، يرى كميل الساري أن الاتفاق خفف الضغوط عن عدد من القطاعات الأوروبية، بعدما كانت تواجه احتمال فرض رسوم أعلى بكثير، لكنه يؤكد أن الإبقاء على سقف 15% سيؤثر في القدرة التنافسية للصادرات الأوروبية داخل السوق الأميركية.
4- كيف تؤثر الاتفاقية على المستهلك الأوروبي والأمريكي؟قد يستفيد المستهلك الأوروبي من انخفاض أسعار بعض السلع الأميركية، ولا سيما المنتجات الغذائية المصنعة وبعض المنتجات الزراعية والسلع الصناعية التي ستدخل برسوم أقل أو معفاة من الرسوم.
غير أن خفض الرسوم الجمركية لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار النهائية بالنسبة نفسها، إذ قد يحتفظ المستوردون والموزعون بجزء من الوفر، كما قد تمتص تكاليف النقل والطاقة وسلاسل الإمداد جزءا من المكاسب.
وفي المقابل، قد يواجه المستهلك الأوروبي آثارا غير مباشرة إذا تعرضت شركات محلية لضغوط نتيجة المنافسة الأميركية، بما قد يؤثر في الإنتاج أو التوظيف في بعض القطاعات.
أما في الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يتحمل المستهلك جزءا من كلفة الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الأوروبية، لأن هذه الرسوم يدفعها المستورد الأميركي غالبا قبل أن تنتقل جزئيا إلى المستهلك النهائي في صورة أسعار أعلى.
ويشير كميل الساري إلى أن المصدر الأوروبي قد يخفض هامش ربحه، كما قد يتحمل الموزع الأميركي جزءا من الزيادة للحفاظ على عملائه، إلا أن جزءا مهما من الرسوم سينعكس في نهاية المطاف على المستهلك الأميركي.
أما ريان رسول فيؤكد أن الرسوم الجمركية الأميركية لا تمثل عبئا على المصدر الأوروبي فقط، بل ترفع أيضا كلفة الواردات داخل الولايات المتحدة، بما يضغط على القوة الشرائية للمستهلك الأميركي.
5- ما القطاعات الأكثر استفادة أو تضررا من هذه الاتفاقية؟ ؟تختلف آثار الاتفاق بين القطاعات الاقتصادية، إذ تستفيد بعض الصناعات من تخفيف القيود الجمركية والاستثناءات الواردة في الاتفاق، بينما تبقى قطاعات أخرى عرضة لضغوط المنافسة أو استمرار الرسوم.
وفي أوروبا، تبرز قطاعات الطيران، والأدوية الجنيسة، والسيارات بين أكثر القطاعات استفادة، بعدما حصلت على استثناءات جمركية أو واجهت رسوما أقل من المستويات التي كانت مطروحة خلال المفاوضات.
ويرى كميل الساري أن شركات السيارات الألمانية والإيطالية، والصناعات الفرنسية والإيطالية ذات القيمة المضافة المرتفعة، إضافة إلى قطاع الطيران، تعد من أبرز المستفيدين نسبيا، لأنها تجنبت رسوما أميركية أعلى.
كما يشير إلى أن صناعة الطيران تمثل مصلحة مشتركة للطرفين، نظرا لاعتماد شركات الطيران الأميركية على طائرات ومكونات أوروبية، فضلا عن اعتماد شركة بوينغ على عدد من المكونات المصنعة في أوروبا.
أما في الولايات المتحدة، فتبرز قطاعات الطاقة والغاز الطبيعي المسال والنفط، إلى جانب الصناعات الدفاعية وشركات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، باعتبارها من أكبر المستفيدين من التعهدات الأوروبية الواردة في الاتفاق.
في المقابل، تبقى الزراعة والصناعات الغذائية الأوروبية وبعض الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر عرضة للمنافسة الأميركية، خاصة مع إزالة أو تخفيض الرسوم على عدد من المنتجات الأميركية.
كما لا تزال صناعات الصلب والألمنيوم ومشتقاتهما خارج التسوية النهائية، مع استمرار الرسوم الأميركية المرتفعة عليها، بينما تواجه قطاعات الآلات الصناعية والإلكترونيات والمواد الكيماوية ومكونات السيارات تحديات مرتبطة بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد واستمرار الرسوم الأميركية على جزء واسع من الصادرات الأوروبية.
ويشير ريان رسول إلى أن الآلات الصناعية والإلكترونيات والمواد الكيماوية ومكونات السيارات ستكون من أكثر القطاعات تعرضا لضغوط المنافسة وإعادة توزيع سلاسل الإمداد، في حين سيظل ملف الصلب والألمنيوم من أبرز القضايا العالقة بين الجانبين إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك