وسط الضجيج السياسي والتفسيرات المتناقضة التي رافقت الحديث عن لبنان في الأسابيع الأخيرة، ضاعت حقيقة أساسية تبدو اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لا سوريا تريد الحرب في لبنان، ولا الولايات المتحدة تبحث عن تدخل عسكري سوري فيه.
على العكس تماماً، فإن الاتجاه العام الذي يمكن رصده من خلال المواقف والتطورات الأخيرة يشير إلى أن الجميع بات يبحث عن مخرج سياسي للأزمة اللبنانية بعد أن أثبتت سنوات طويلة من الحروب والتصعيد أن الدمار لا يصنع حلولاً.
السؤال الذي يجب أن يُطرح أولاً هو: ماذا تريد سوريا من لبنان؟ والإجابة المنطقية تبدأ من الواقع السوري نفسه.
فالدولة التي خرجت من حرب مدمرة استمرت حوالي عقد ونصف، وخسرت جزءاً كبيراً من بنيتها التحتية واقتصادها وقدراتها البشرية، لا يمكن أن تكون أولويتها فتح جبهة جديدة أو الانخراط في مغامرات عسكرية خارج حدودها.
الدول الخارجة من الحروب تفكر في إعادة البناء لا في إنتاج الخراب، وفي التنمية لا في التورط بصراعات جديدة.
من هنا، من المفترض أن تكون المصلحة السورية في لبنان سياسية واقتصادية وتنموية قبل أي شيء آخر.
فالجغرافيا نفسها تفرض هذه الحقيقة.
بيروت تمثل الرئة البحرية الطبيعية لدمشق، وطرابلس تشكل امتداداً اقتصادياً وجغرافياً مهماً لحمص ووسط سوريا.
وما يحتاجه البلدان اليوم ليس خطوط تماس جديدة، بل طرق تجارة واستثمار وسياحة وتكامل اقتصادي.
فكل دولار يدخل إلى الاقتصاد اللبناني يمكن أن ينعكس إيجاباً على سوريا، والعكس صحيح.
وكل استقرار يتحقق في أحد البلدين ينعكس مباشرة على الآخر.
لهذا السبب تحديداً تبدو بعض التحليلات التي تتحدث عن رغبة سورية في التورط العسكري داخل لبنان بعيدة عن المنطق السياسي والواقعي.
فما الذي يمكن أن تجنيه دمشق من مستنقع أمني جديد وهي ما زالت تعالج آثار حربها الخاصة؟ وما المصلحة في الدخول إلى ساحة معقدة ومتشابكة فيما الأولوية الوطنية السورية هي إعادة الإعمار واستعادة النمو الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات؟وفي المقابل، لا يحتاج لبنان هو الآخر إلى مزيد من الحروب.
فالبلد يعيش واحدة من أعقد أزماته السياسية والاقتصادية منذ تأسيسه، ولم يعد يملك ترف الصراعات المفتوحة.
لذلك فإن أي مشروع جدي لإنقاذ لبنان يجب أن ينطلق من التعاون الإقليمي لا من المواجهة، ومن المصالح المشتركة لا من الحسابات الأيديولوجية الضيقة.
وما يلفت الانتباه أن المزاج الشعبي اللبناني بات أكثر انفتاحاً على هذه الفكرة مما كان عليه في السنوات السابقة.
فالرغبة في بناء علاقة طبيعية مع سوريا لم تعد مقتصرة على بيئة سياسية أو طائفة بعينها، بل أصبحت تجد صدى لدى شرائح واسعة من اللبنانيين الذين سئموا الانقسامات والصراعات العقيمة.
وحتى داخل البيئة الشيعية، فإن مصلحة الناس الحقيقية لا تكمن في استمرار التوتر والعزلة، بل في الانخراط في مشروع استقرار وتنمية يستفيد منه الجميع.
ورغم الجراح العميقة التي خلفها تدخل حزب الله في الحرب السورية، ورغم الخلافات السياسية المعروفة بين الطرفين، فإن الرسائل الصادرة من دمشق خلال الفترة الأخيرة تعكس توجهاً مختلفاً يقوم على الحوار لا على الانتقام، وعلى استيعاب الوقائع اللبنانية لا على تجاهلها.
ويكفي أن سوريا أعلنت استعدادها للجلوس إلى طاولة الحوار حتى مع حزب الله نفسه لفهم طبيعة المقاربة التي تتبناها اليوم.
مصلحة الناس الحقيقية لا تكمن في استمرار التوتر والعزلة، بل في الانخراط في مشروع استقرار وتنمية يستفيد منه الجميعأما على الجانب الأمريكي، فقد وقع كثيرون في خطأ تفسير مواقف الرئيس دونالد ترامب.
فالبعض قرأ حديثه عن الدور السوري في لبنان باعتباره دعوة إلى تدخل عسكري، بينما تشير الوقائع إلى أن المقصود هو العكس تماماً.
فترامب يبدو مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى بأن القوة العسكرية وحدها لا تصنع الاستقرار، وأن الحلول السياسية قد تكون أكثر فاعلية في تحقيق المصالح الأمريكية من الحروب المفتوحة.
ولذلك فإن اهتمامه بالدور السوري قد لا ينبع من رغبة في إشعال الأزمة اللبنانية، بل من رغبة في احتوائها.
الولايات المتحدة لا تريد لبناناً غارقاً في الفوضى، لأن استمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي ويضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم الانتقادات المتزايدة التي وجهها ترامب للنهج الإسرائيلي القائم على التصعيد والتدمير، وهو نهج لم ينجح طوال عقود في إنتاج حلول دائمة لأي من أزمات المنطقة.
فماذا حققت العمليات العسكرية المتكررة في لبنان سوى المزيد من الدمار؟ وماذا أنتجت سنوات التصعيد المتواصل غير تعميق الأزمات وتعقيدها؟ هذه الأسئلة تبدو حاضرة بقوة في التفكير الأمريكي الحالي.
ولهذا بات البحث جارياً عن أدوات مختلفة لمعالجة المشكلات، أدوات تقوم على النفوذ السياسي والوساطة والتسويات بدلاً من القصف والتصعيد.
وفي هذا السياق تحديداً تنظر واشنطن إلى دمشق باعتبارها طرفاً يملك تأثيراً تاريخياً داخل لبنان ويمكن أن يساهم في إنتاج تسوية سياسية قابلة للحياة، خاصة وأن معظم مشاكل لبنان تاريخياً كانت تجد الحل في دمشق.
كما أن تجربة معالجة ملف قسد بأقل قدر من الخسائر عززت القناعة لدى بعض دوائر القرار الأمريكي بأن المقاربات السياسية قد تكون أكثر نجاحاً من الحلول العسكرية المكلفة.
لهذا السبب يكثر الحديث الأمريكي الإيجابي عن سوريا في المرحلة الأخيرة.
ليس لأن واشنطن تريد منها خوض حرب جديدة، بل لأنها تراها قادرة على المساهمة في منع حرب جديدة.
وليس لأنها تريد دفعها إلى المستنقع اللبناني، بل لأنها تبحث عن مخرج من هذا المستنقع.
في النهاية، قد تتغير السياسات وتتبدل التحالفات، فهذه طبيعة العمل السياسي.
لكن ما لا يتغير هو حقيقة المصالح.
ومصلحة سوريا ولبنان اليوم ليست في المواجهة، بل في التعاون.
وليست في السلاح، بل في التنمية.
وليست في إنتاج أزمات جديدة، بل في إغلاق ملفات الماضي، وعدم تكرار التورط (الأسدي) في المستنقع اللبناني، وفتح صفحة جديدة عنوانها الاستقرار والشراكة بعيداً عن الهيمنة.
وربما تكون هذه الفرصة من أندر الفرص التي أتيحت للبنان منذ سنوات طويلة كي يستغل فترة الرئيس ترمب والانفتاح السوري على بيروت، ولذلك فإن التفريط بها قد يكون خطأ تاريخياً لا يقل كلفة عن أخطاء الماضي نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك