كيف أصبح مشهد محاكمة" مفتي البراميل" أحد أقوى المشاهد في سوريا ما بعد الأسد؟" هُوْن ما خُطبة، بدّك تجاوب على الأسئلة"بهذه العبارة، قاطع القاضي المتهم الماثل بقفص الاتهام حينما شرع الأخير في تلاوة آية من القرآن الكريم.
لينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا، هذا المقطع بين صُور ومقاطع أخرى من محاكمة مُفتي البلاد السابق أحمد بدر الدين حسون، والتي انعقدت أولى جلساتها، الخميس، في القصر العدلي بدمشق.
بعض رواد مواقع التواصل علّقوا بدايةً على اختيار حسّون للآية القرآنية، قائلين إن" هابيل عندما قالها لقابيل كان ذا مقدرة، وأنتَ في قفص صغير لا تستطيع أن تقتل به نملة! ".
هل تسمح بعرض المحتوى من X؟تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع X.
موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية.
قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع X وسياسة الخصوصية قبل الموافقة.
لعرض المحتوى، اختر" موافقة وإكمال"تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجيةوقال آخرون إن حسّون، " لم يتذكر هذه الآية عندما كان يفتي بذبح السوريين وإهلاكهم"، على حدّ تعبيرهم.
ولم تخلُ تعليقات السوريين من الصبغة الطائفية؛ فكتب البعض يقول إن" المسلمين السُنّة يحاكمون مُفتياً سُنياً"، داعينَ" كل الأقليات والإثنيات والمكونات السورية الأخرى إلى التحلّي بنفس القدر من الشجاعة ومحاكمة وجهائم ومشايخهم المتهمّين بتُهم مشابهة"، على حدّ قولهم.
هل تسمح بعرض المحتوى من Facebook؟تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Facebook.
موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية.
قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Facebook وسياسة الخصوصية قبل الموافقة.
لعرض المحتوى، اختر" موافقة وإكمال"ولفت البعض إلى تزامُن محاكمة حسون مع ذكرى يوم عاشوراء- مستدلاً بذلك على أن الشيخ" على الصراط المستقيم".
لكن آخرين" رفضوا أن يكونوا صدىً أو بُوقاً لطائفة" على حدّ تعبيرهم، قائلين إن هدفهم هو" وضْع الطائفي وحيداً أمام مرآته"!تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءةوتساءل أصحاب هذا الرأي: " هل تكون محاكمة حسّون 'السُنّي المذهب' بدايةً لمرحلة جديدة تُحسَب للقيادة الجديدة [السُنية] على أنها انفتاح يحميها من الاتهام بالطائفية؟ "ونوّه هؤلاء إلى أنه" لو تمّ اعتقال دُرزي أو قامة دينية علوية أو خوري يمثل كنيسة، لقامت الدنيا ولم تقعد"، على حدّ تعبيرهم.
وإلى ذلك، توجّه روّادٌ آخرون بالاعتذار لحسّون، " الذي لم ينصره رجل دين سُني بكلمة أو فتوى"، على حدّ تعبيرهم.
وتساءل أنصار هذا الرأي المعتذر في المقابل عن ترك المحيسني" الذي حرّض انتحاريين على تفجير أنفسهم بأبرياء" - على حدّ زعمهم- حُراّ طليقاً!ورأى البعض ذلك" من سخريات القدر"؛ أنْ يحاكَم حسّون" الذي دعا للتعايش السلمي ورعى المصالح الوطنية وناشد بإيقاف الحرب الأهلية" كمُجرم حرب، بينما عبد الله المحيسني" الذي حضّر الانتحاريين والمفخخات والمطلوب لأغلب دول العالم بتهمة الإرهاب يستثمر وتُفتح له الآفاق كرجل أعمال يملأ السمع والبصر.
! ! "، على حدّ وصفهم.
ليطالبوا" بتطبيق معيار واحد على الجميع.
لأنّ سيادة القانون لا تعني محاكمة شخص واحد وإغفال آخرين ارتكبوا أفعالاً مماثلة أو أشدّ".
آخرون، رأوا في حسّون" رجل دين وطنيّ يدعوا للمحبة والسلام"، معتبرين أن التُّهم الموجهة له هي" في خانة المدح وليس الذمّ".
وانتقد البعض مشاهِد اعتقال حسّون، " الطاعن في السِن" (77 عاماً)، من عصْب عينيه ودفْعه بعُنف أمام المارّة، حيث رأوا أن ذلك" يُظهر حجم الوحشية والحقد الدفين في قلوب سُلطة الأمر الواقع" في البلاد، على حدّ قولهم.
ليرُدّ عليهم آخرون متهمِين إياهم بـ" اللعب على وتر العاطفة" وبـ" الانتقائية"، مشيرين إلى آخرين في نفس الفئة العمرية تمّت تصفيتهم في محاكمات ميدانية، دون أن يتمكنوا من توكيل محامين للدفاع عنهم في محاكمة ليس بها ضرب ولا شتْم، على حدّ تعبيرهم.
وانعقدت أولى جلسات محاكمة مفتي سوريا السابق أحمد بدر الدين حسون في القصر العدلي بالعاصمة دمشق- أحد أبرز الصروح القضائية في البلاد.
وشهدتْ الجلسة حضور النائب العام السوري، وممثلين عن منظمات حقوقية محلية ودولية، وخُصّصت للنظر في التُهم الموجهة إلى حسّون ومن بينها: الاشتراك في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والتحريض على القتل وغير ذلك.
قرار الاتهام أكد أنّ" تصريحات حسون الصادرة بصفته الرسمية كمفتي للجمهورية شكّلت غطاء شرعياً ومعنوياً للضباط والجنود في سياق نزاع مسلح، ما برّر لهم ارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين".
والتصق لقب" مُفتي البراميل" باسم حسّون؛ وذلك بسبب موقفه الداعم لاستخدام البراميل المتفجرة في قصف مناطق سورية، ولا سيما مدينة حلب، واصفاً ذلك بأنه" تحرير".
تخطى البودكاست وواصل القراءةشرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتكفي 25 أبريل/نيسان 1949 بمدينة حلب شمال غربي سوريا، وُلد أحمد بدر الدين حسون لأحد مشايخ الصوفية في المدينة وهو الشيخ أديب حسون.
وفي عام 1967، اتجه الشاب أحمد حسون إلى مصر، قاصداً الالتحاق بجامعة الأزهر ليحصل فيما بعد على درجة البكالوريوس ثم على الدكتوراة في الفقه الشافعي.
وفي عدد من مساجد حلب، عمل أحمد حسون إماماً وخطيباً، كما تولى رئاسة جمعية رفع المستوى الصحي والاجتماعي- هذه الجمعية التي ساهمت في افتتاح عدد من المستشفيات والمراكز الصحية في حلب.
وفي عام 1990، ترشّح أحمد حسون لعضوية مجلس الشعب السوري وفاز بها لدورتين متتاليتين حتى عام 1998.
وفي عام 2005، شغل حسّون منصب مفتي سوريا، حتى صدر مرسوم رئاسي بإلغاء هذا المنصب في عام 2021.
في هذه الأثناء، تولى حسون رئاسة الهيئة الاستشارية الشرعية لمجلس النقد والتسليف في مصرف سوريا المركزي، والجمعية العمومية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وعضوية المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في إيران.
واشتُهر حسون بقدرته على جمع مختلف المذاهب، وميله إلى رفض فكرة الصراع السُني- الشيعي، معتبراً ذلك بمثابة" صراع سياسي"، وقد نسج حسّون علاقات واسعة مع ممثلي الطوائف الدينية والمذاهب الإسلامية في سوريا.
وكان حسّون يرفض إنشاء أحزاب دينية في سوريا، داعياً إلى الانضمام لأحزاب سياسية بدلاً من الانتماء لأحزاب تحمل أسماء دينية، مؤكداً أن الأمة كلها مسلمة، وأن الدين هو الرقابة على الأخلاق والقيم والإنسان وليس" السُلّم الذي نستخدمه لتحقيق أهدافنا السياسية أو الاقتصادية أو الأهواء الشخصية".
ومع ذلك، فقد تواكب صعود نجم أحمد حسون مع صعود حزب البعث ووصول عائلة الأسد لسُدّة الحكم في سوريا.
وعُرف حسون بعلاقاته القوية مع أجهزة الأمن والمخابرات السورية، ما مكّنه من دخول دوائر النظام- حيث كان حسّون هو ذلك الشيخ السُني في قلب نظام علويّ يُحكم قبضته على البلاد.
ومنذ الأيام الأولى للثورة السورية، في 2011، دعم حسّون نظام الأسد، معتبراً احتجاجات السوريين" مؤامرة خارجية".
واستُخدم منصب حسّون- كمُفتي للبلاد- ضمن آليّات المصادقة على أحكام الإعدام خلال سنوات الحرب الأهلية السورية، بحسب تقارير منظمة العفو الدولية.
وبعد سقوط نظام الأسد وهروب الرئيس بشار في ديسمبر/كانون الأول 2024، وجد حسّون وآخرون من رموز تلك الحقبة أنفسهم في العراء في مواجهة مع العهد الجديد.
وفي 18 فبراير/شباط 2025، اقتحم محتجون منزل حسّون، مطالبين بمحاكمته، لتُصدر النيابة العامة في مارس/آذار من العام نفسه مذكرة توقيف بحق حسّون، الذي اعتُقل في مطار دمشق الدولي قبل أن يُقتاد إلى جهة مجهولة.
قبل أن تصدُر في يوليو/تموز 2025 دعوى بتحريك الحق العام ضد حسون وآخرين، ليمثُل المفتى السابق، يوم الخميس، بعد أقل من عام في قفص الاتهام داخل القصر العدلي بدمشق في أولى جلسات المحاكمة التي رفعها القاضي إلى 16 يوليو/تموز المقبل.
محاكمة حسّون تأتي بعد يوم واحد من انطلاق محاكمة وسيم الأسد، أحد أبناء عمومة الرئيس المخلوع بشار الأسد؛ كما تأتي بعد يومين من انعقاد الجلسة الرابعة من محاكمة عاطف نجيب- رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا سابقاً، والمُتّهم بارتكاب انتهاكات في عام 2011.
لكنّ محلّلين يرون أن نظام العدالة في سوريا تعرّض للتقويض على مدى خمسة عقود في ظل حُكم أسرة الأسد، مشيرين إلى خلوّ القانون السوري الراهن من مواد تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
في هذا الصدد، يرى القضاة أن بإمكانهم الاعتماد على معاهدات صادقتْ عليها سوريا بالفعل، لا سيما معاهدات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب.
ويلاحَظ أن قرار الاتهام الموجّه إلى حسّون استند إلى قانون العقوبات السوري رقم 48 لعام 1949- أي ما كان قبل وصول عائلة الأسد للحكم (في عام 1970).
كما استند قرار الاتهام كذلك إلى قواعد القانون الدولي واتفاقيات جنيف الأربع التي صادقت عليها سوريا، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
لكن، رغم هذه الصعوبات التي تعترض طريق العدالة، يرى البعض في مجرد انعقاد هذه المحاكمات" لحظة تاريخية، ليس فقط على الصعيد القانوني وإنما على الصعيد الإنساني"، على حدّ تعبير المحامية السورية مرام أبازيد.
وتؤكد وزارة العدل السورية أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت إبان عهد الأسد لن تسقط بالعفو العام، وأنها ستظل خاضعة للمحاكمة بمقتضى المعايير القانونية السورية والدولية على السواء.
وبالنسبة للكثيرين في سوريا، تعدّ هذه المحاكمات أول اختبار رئيسي للقيادة السورية الجديدة على صعيد تحقيق العدالة في قضايا مرّ أكثر من عشر سنوات على وقائعها.
وعلى الرغم من أن هذه المحاكمات لا تزال في بدايتها، إلا أن مشهد المُفتي السابق أحمد حسّون في قفص الاتهام أصبح أحد أقوى المشاهد في سوريا ما بعد الأسد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك