شغلت ظاهرة الفتوات جانبا كبيرا من المنتج الأدبي لنجيب محفوظ (1911 – 2006) مع أن المرحلة المبكرة من حياته تزامنت مع أفول زمن الفتوات، وتوسع أدوار الدولة الحديثة التي تأسست مع محمد علي في مطلع القرن التاسع عشر، إلا أن المصريين ظلوا يحتفظون في ذاكرتهم الجمعية بحضور الفتوة والتقاليد التي حددت علاقته مع الناس.
تعامل نجيب محفوظ مع الفتوة، بوصفه مؤسسة اجتماعية وتدبيرا للسلطة والنفوذ في إدارة المجتمع وشؤونه، قبل أن يكون مجرد شخصية روائية، فهو كناية عن علاقات القوة وتأثيرها على حياة البشر.
يعود ظهور الفتوة إلى طبيعة السلطة المملوكية، التي كانت تعيش في القاهرة، أكثر مما كانت تقوم بحكمها، بمعنى اهتمامها باستمرار السلطة أكثر من تنظيم حياة البسطاء في الأحياء الفقيرة، ومع الهجرات من الصعيد والريف كانت المجتمعات الجديدة حول القاهرة تسكن في الهوامش، وتتدبر أمورها من أجل الحياة، بما في ذلك تنظيم الأمن وحل المشكلات داخلها، ليعاد إنتاج دور الفتوة بطريقة أو أخرى، وأمام التزاحم في مناطق تفتقد للخدمات الرئيسية وتفاقم الصراع الاجتماعي، يتحول الفتوة إلى بلطجي يفتقد لكثير من الأخلاقيات التي حملها الفتوات في الأزمنة السابقة.
الواقع العشوائي، وتكلفة التدخل الأمني لتنظيمه، أبقيا على وجود البلطجة التي يمكن أن تتفاعل إلى مدى بعيد داخل الزوائد الملحقة بالقاهرة، من غير أن تسمح الشرطة والأجهزة الأمنية للبلطجية بالظهور في الفضاء العام، المقدم لاستهلاك الطبقة الوسطى وما يعلوها من طبقات في المجتمع المصري، باستثناء مواسم محددة مثل، الانتخابات التي شهدت منذ التسعينيات حضورا للبلطجية لإفساد الانتظام أمام صناديق الاقتراع والتشويش على العملية الانتخابية.
أدت هذه العلاقة إلى صعود بعض البلطجية، ليصبحوا حلقة الوصل مع عالم البلطجة السفلي في العشوائيات والهوامش، إلا أن أحداث يناير 2011 أنتجت رؤية جديدة بخصوص إدارة العنف في المجتمع المصري، تجاه وجود مركزية تمكن من السيطرة الكاملة ورؤوس واضحة يمكن توظيفها في الوقت المناسب، وإنهاء دورها في حال وجود ما يستدعي ذلك.
حادثة إلقاء القبض على صبري نخنوخ، الذي يعتبر وزير داخلية الغلابة، كما وصفه البعض، والشخصية الأقوى والأشهر في عالم البلطجة في القاهرة وغيرها من المحافظات، لم تبدأ من الفراغ، فقبل بضعة أشهر كانت الداخلية المصرية تتوسع في وضع ملصقات تظهر الضباط المسؤولين في المناطق الشعبية مرفقة بصورهم وأرقام هواتفهم، مع دعوة للاتصال بهم لدى الحاجة، ووضعت الشرطة ضباطا يمكن وصفهم بالاقتراب من نموذج أبناء الطبقة الوسطى في الأماكن الاحتكاكية في القاهرة، وبدأ التراجع في ظهور أمناء الشرطة التي صبغت عصر الرئيس مبارك، والتقطها المخرج يوسف شاهين في شخصية حاتم في فيلمه (هي فوضى).
تحرك المصريون في تنظيمات شعبية لحماية الأحياء والشوارع في القاهرة في أيام الثورة، حيث كان الشباب يقضون الليل في الشوارع مسلحين بالعصي والسكاكين، ليسألوا الغرباء عن سبب وجودهم، وكان السبب التخوف من البلطجية الذين مارسوا عمليات السلب والنهب في الأيام الأولى بعد الثورة.
الواقع العشوائي، وتكلفة التدخل الأمني لتنظيمه، أبقيا على وجود البلطجة التي يمكن أن تتفاعل إلى مدى بعيد داخل الزوائد الملحقة بالقاهرة، من غير أن يُسمح لها بالظهور في الفضاء العاموجدت الكتلة الاحتجاجية من المصريين نفسها في مرحلة لاحقة بين شبيبة الإخوان المسلمين المنظم والمنضبط، والبلطجية الذين يوظفون من الثورة بقايا الدولة العميقة في زمن مبارك، واتخذت الداخلية مسافة مدروسة وتابعت الصراع في محطات كثيرة، وبقي الجيش ممسكا بمفاصل المجال العام من غير أن يتدخل في الهوامش الكثيرة والمعقدة حول القاهرة، وفي مرحلة التوافق على محمد مرسي كان التخلص من نخنوخ، كما يصفه البعض مجاملة سياسية للإخوان المسلمين، ولكن ذلك لم يكن يعني مطلقا تفكيك المعادلة القائمة بالأمن الموازي، التي يتطلب إنهاؤها إعادة هندسة الوجود الاجتماعي والمادي في حزام العشوائيات حول المدينة.
مع وصول الرئيس السيسي إلى الحكم بدأ مشروع طموح في تفكيك العشوائيات وبناء مناطق سكنية خاصة بأهلها، وكان حي الأسمرات في المقطم واحدا من المشاريع الطموحة بتقديمه أكثر من 18 ألف شقة لسكان سابقين في المناطق العشوائية، إلا أنه خلق عالما جديدا بمحاذاة التجمعات الخاصة بالطبقة الوسطى على امتداد شارع 9، الذي يمتد لعدة كيلومترات في الجبل المطل على القاهرة، وكانت المفارقة أن الحديث عن القبض على بيشوي رزق، وهو أحد أتباع نخنوخ ويلقب بأسد المقطم يعتبر حدثا يستقطب الحديث في الأسمرات، وفي حارة الزرايب على سفح الجبل، بينما لم يكن سكان شارع تسعة يعرفون شيئا عن ذلك البلطجي، ولا يتقاطعون مع وجوده وأعماله التي تحدث في مواقع أخرى من الجبل الذي يعيشون عليه.
تكشف قصة بيشوي رزق جانبا من القصة الأوسع لنخنوخ نفسه، حيث أتى اعتداؤه على أحد معارض السيارات في منطقة التجمعات، التي كان للقوات المسلحة دور كبير في تأهيلها لتكون مكانا لاستيعاب الفئات العليا من الطبقة الوسطى، ليشكل خروجا على المعادلة القائمة، وتحدد أدواره في عالم القاهرة العشوائي وبعض البؤر الليلية داخل المدينة، وفي هذه اللحظة كان نخنوخ يكتب نهايته بنفسه أو يستعجلها على الأقل.
المقاربة الجديدة لوزارة الداخلية والتباين في الأولويات بعد إعادة إنتاج نخنوخ، ليكون في نسخة أكثر اتساقا مع المجال العام، وفشل الرجل بثقافته المحدودة ونزعته الاستعراضية في أداء الدور المطلوب من غير المشكلات الجانبية الكثيرة، أدت إلى وجود انزعاج متصاعد، خاصة بعد انتفاء كثير من المبررات التي كانت تتطلب وجود شخص مثل نخنوخ، ليتحمل عن الدولة تكلفة إدارة الفشل التنموي والحضري المرحل لعقود من الزمن وعنوانه العالم العشوائي في القاهرة.
أتى الاستعراض في منطقة التجمعات ليشكل الذروة التي أزعجت الدولة في مصر، فالتجمعات خاصة الخامس من مسؤولية وزارة الداخلية وأجهزتها فهو يظهر مثل جوهرة التاج في المشروع الحضري الجديد، لأنه غير بعيد من بقية أحياء القاهرة القديمة، وما زال إلى حدٍ ما يشكل نقاط الالتقاء القليلة التي تتسع مع التقدم تجاه الضواحي التي تظهر في مناطق أبعد نسبيا، وفي هذا البرزخ الذي يضم مبنى وزارة الداخلية وأكاديمية الشرطة، ليس مقبولا أن تظهر السيارات رباعية الدفع السوداء، ليقوم ركابها بعملية تأديب لأحد الخصوم أو المنافسين في عالم البيزنس.
هل يصبح التقدم في تفكيك الظهير العشوائي في القاهرة سببا في الخروج من العلاقة الغامضة والمركبة بين البلطجي والسلطة، أم مدعاة لبناء معادلة جديدة تتلاءم مع حدود واضحة ومع واقع اجتماعي تتعمق مظاهره مع استكمال مشروعات البنية التحتية والحضرية القائمة؟هذه أسئلة لم يكن لعقلية صبري نخنوخ ومحيطه أن يدركها أو يضعها في الاعتبار، فالبلطجي هو القوة التي تتحرك لتذهب إلى المناطق الحساسة من غير تفكير أو فلسفة للأمور، ولكن لا يمكن أن تسمح لها الدولة مطلقا بأن تتخطى حدود اللعبة وأن تتخيل أن المشاركة في بعض المناطق المعتمة والمعقدة يمكن أن يتحول إلى تعاقد أوسع لمشاركة كاملة على امتداد المشهد العام.
في نهاية فيلم «الجزيرة» يصرخ أحمد السقا في دور أحد الرجال الذين دخلوا هذه اللعبة الخطرة مع السلطة: من النهاردة مفيش حكومة أنا الحكومة، فهل يمكن أن الدولة في مصر تقول: من النهاردة مفيش نخنوخ، أنا نخنوخ! وهل يعني ذلك أنها ستقلع شوكها بيدها في كل مكان وعلى امتداد جغرافيا التأزم الاجتماعي والاقتصادي في مصر، وتستغني نهائيا عن شركائها ـ تحت السيطرة ـ في احتكار العنف في الهامش العشوائي الكبير؟ أم أن ذلك غير ممكن في المدى المنظور على الأقل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك